المخالفون للكنيسة المصرية ممنوعون من عرض مؤلفاتهم

الدورة السادسة لمعرض الكتاب القبطي كشفت عن مشهد متأزم للواقع الثقافي القبطي، ورغبة ملحة في الانغلاق عن طريق فرض سياسة إقصائية تجاه المختلف فكريا.
الخميس 2018/12/13
مبادرة لتشكيل الهوية الثقافية للأقباط

احتفى معرض الكتاب القبطي طيلة أسبوعين بكتب تعرف بتراث الآباء الروحيّ والثقافيّ وحياة القدّيسين، بالإضافة إلى كتب حديثة توثق لتاريخ الأديرة والتاريخ المصري، لكن المعرض الذي بدأ في 2013 وكان نموذجا للتنوع الثقافي وتقبل الآخر، بدا في نسخته للعام الحالي مجسدا للرغبة في السيطرة على الهوية الدينية ولمدى تأزم الواقع القبطي من خلال إقصاء المخالفين، لكن المصادر من الكنيسة الأرثوذكسية تؤكد أن سبب غياب كتب من الطوائف الأخرى يتعلق فقط بضيق المكان الذي أقيم فيه المعرض.

 القاهرة - يسعى معرض الكتاب القبطي الأرثوذكسي في مصر، الذي اختتمت فعالياته الأربعاء، إلى التعريف بالرؤى المختلفة لإصدارات مسيحية تنوعت بين الدينية والتاريخية والثقافية والروحية، لكن يبدو أن واقع الأمر لم يكن مطابقا للأهداف التي تم تحديدها سابقا حيث بدا الإقصاء واضحا للأفكار المخالفة للكنيسة. واحتضنت الكنيسة المصرية على مدار 14 يوما فعاليات المعرض، بقاعة البابا أثناسيوس أسفل مقر الكاتدرائية المرقسية بالعباسية في وسط القاهرة.

جاء المعرض، على هامش احتفالات اليوبيل الذهبي للكاتدرائية، وتزامنا مع مرور 6 أعوام على تنصيب تواضروس الثاني بطريركا للأقباط الأرثوذكس في مصر.

واحتلت كتب البابا الراحل شنودة الثالث ثلاثة أجنحة من المعرض، أحدها للتسجيلات والأفلام المسجلة عن حياته، والثاني لكتبه وعظاته، والثالث شغله مركز “معلم الأجيال” لحفظ تراث البابا الراحل، مقابل جناح للبابا تواضروس يضم أشهر عظاته.

 وتغيّب بابا الأقباط عن افتتاح المعرض للعام الثاني على التوالي، لكن تواجده بالكاتدرائية في تلك الأثناء فتح باب التكهنات عما وراء هذا التجاهل.

وتساءل روفائيل موسى، خادم بكنيسة العذراء، عن الدافع وراء عدم إصدار الصفحة الرسمية للمتحدث الرسمي للكنيسة إشارة إلى افتتاح المعرض أو الترويج لأهمية الكتب الموجودة به، موضحا أن عدم الاهتمام ترتب عليه جهل البعض بوجود معرض شامل للكتاب القبطي يهم المهتمين بالتعرف على الثقافة المسيحية.

وشرح لـ”العرب” أن الإنجيل أوصى بأهمية القراءة، فالكتاب له سحر خاص رغم انتشار المكتبات الإلكترونية، والمعرض فرصة لمحبي الدراسات الكنسية.

حفل المعرض بكتب تهم الكبار والصغار للتعرّف على تراث الآباء الروحيّ والثقافيّ والإعلامي وحياة القدّيسين، وضم كتبا حديثة توثق لتاريخ الأديرة منها، وأخرى تؤرخ لفترات مهمة من التاريخ المصري وما نتج من تراث ثقافي على مر العصور.

تأزم ثقافي

[ كتب التراث الروحي والثقافي والإعلامي وحياة القديسين الأكثر رواجا في معرض الكتاب القبطي
كتب التراث الروحي والثقافي والإعلامي وحياة القديسين الأكثر رواجا في معرض الكتاب القبطي

يبدو المعرض لزائريه امتدادا لنهج العزلة الذي اتبعه رجال الدين بالكنيسة المصرية على مدار عقود طويلة، وتحوّل سلطتهم من رسم وصناعة الهويّة الدينية لهم إلى مضمار أكثر عُمقا وخطورة وتأثيرا وهو المُعترك الثقافي والمتحكم في تحديد شكل الهويّة الثقافية للمواطن القبطي، منذ نعومة أظافره إلى مرحلة البلوغ والنضج، لتكوين ظهير قوي يضمن الولاء الرئيسي لتعاليم الكنيسة.

وظهر المعرض في دورته الأولى عام 2013 بعد مرور عام على تنصيب تواضروس الثاني بطريركا للأقباط، كمثال يحتذى به في التنوع الثقافي والمعرفي وتقبل الآخر، وفتح أبوابه أمام جميع الأديرة والكنائس للمشاركة بإنتاجها الثقافي والديني، وكان منفذا للفكر التنويري، وطلت منه كتب الأب متى المسكين، أحد أهم المجددين في تاريخ الكنيسة القبطية.

واختلفت الصورة تماما في الدورة السادسة للمعرض، كاشفة عن مشهد مُتأزّم للواقع الثقافي القبطي، ورغبة ملحة في الانغلاق عن طريق فرض سياسة إقصائية تجاه المختلف فكريا. وشدد الأنبا موسى على أن المعرض “أرثوذكسي”، ولا توجد به أي كتب للطوائف الأخرى، معللا ذلك بضيق المكان، الذي يتسع فعليا للآلاف من الكتب والعشرات من دور النشر.

وتصدرت المؤلفات الخاصة بـ“صقور” الكنيسة والمتشددين فكريا وعقائديا مكتبات المعرض، وبرزت كتابات الأنبا مكاريوس أسقف عام المنيا جنوب مصر الذي حرص على زيارة المعرض منذ أيام، وانتشرت كتب الأنبا “بيشوي” مطران دمياط وكفر الشيخ الراحل منذ شهرين، في غالبية دور النشر الموجودة تخليدا لذكراه.

وأعاد دير “القديسة دميانة” بالبراري الذي كان يرأسه المطران الراحل، نشر أكثر من 50 مؤلفا لبيشوي، وقامت راهبات الدير بإعداد كتابين عنه تخليدا لذكراه؛ “السيرة الذاتية” و“سراج لا ينطفئ”، إلى جانب توثيق جميع عظاته بالكلية الإكليريكية ومؤتمرات العقيدة واللاهوت التي تعقدها الكنيسة.

وغابت تقريبا عن هذا المعرض مؤلفات الأب متى المسكين والأنبا إبيفانيوس رئيس دير أبومقار بوادي النطرون شمال غرب مصر، الذي يستحق أن يكون شخصية هذا العام في الكنيسة بعد حادث مقتله وجرت على إثر ذلك تغييرات كبيرة لم تشهدها الكنيسة منذ عقود.

وقال الراهب القمص باسيليوس المقاري، أشهر تلاميذ متى المسكين، لـ“العرب” إن الدير امتنع عن المشاركة في المعرض الحالي، فإنتاج الأب المسكين الفكري لا يحتاج إلى معارض، ولم يصدر البابا السابق أو الحالي قرارا كنسيا بمنع كتاباته، فهي ليست هرطقات، كما يدعي حراس العقيدة، بل مستوحاة من الإنجيل المقدس والتعليم الرسولي وكتابات آباء الكنيسة، ولا توجد اختلافات بين منهج الأب متى ومنهج الكنيسة الأرثوذكسية.

مدرسة الإسكندرية

اختفت من المعرض مؤلفات مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، التي وصفتها لجنة الإيمان بأنها “تمزيق لثوب المسيح”، وتنشر تعاليم غريبة عن الكنيسة، بعضها مستقى من الغرب المتحرر من النوازع الدينية، والبعض من أفكار مهاجمي الفكر القبطي الأرثوذكسي.

والغريب أن المنع لم يصل إلى كتاب “تاريخ الأمة القبطية” للمؤرخين القبطيين، كامل صالح نخلة، وفريد كامل، عضو لجنة التاريخ القبطي، وأحد أشهر مؤرخي الأقباط، وأظهرت مكتبة “المحبة” أعدادا قليلة منه. ورصد الكتاب رواية مغايرة لعلاقة عمرو بن العاص بأقباط مصر، على عكس الرواية المسيحية السائدة التي يتبناها الكثير من رجال الكنيسة، وتقول إن الأقباط تعرضوا لعنف واضطهاد، فور دخول الفتح الإسلامي لمصر على يد عمرو بن العاص، وذكر المؤلفان أنه أحسن معاملتهم وأشعرهم بالأمان.

وشهد القسم الخاص بأسقفية الشباب ومكتبات “المحبة” و“دار أنطون” وغيرها البعض من الكتب عن الأنبا موسى، مثل “بالتجسد.. ثم الفداء” و“لماذا التجسد” والعشرات من الإصدارات التي تخاطب الشباب، بينما اختفت تماما كتابات أستاذه أسقف البحث العلمي الراحل الأنبا غريغوريوس.  وذلك عكس ما حدث في الدورة الماضية للمعرض، حيث تم تخصيص مساحة كبيرة لعرض مذكراته، ولاقت وقتها رواجا لأهميتها البالغة للمثقفين والباحثين، فهي تؤرخ لفترة مهمة من تاريخ الكنيسة إبان التحفظ على البابا شنودة الثالث في عهد الرئيس المصري الراحل أنور السادات وتشكيل لجنة خماسية لإدارة الكنيسة.

13