المخاوف المشروعة لمؤيدي "السيسي"

الاثنين 2014/03/31

إذا كان قرار المشير عبدالفتاح بالترشح لانتخابات رئاسة الجمهورية، أثلج قلوب ملايين المصريين، فإن هناك ثلة منهم ساورها قلق داخلي مشروع من وراء هذا الترشح، بعد أن بدأت رموز تقلبت على جمر رؤساء سابقين تخرج من جحورها، وتظهر على السطح، بل تحاول أن تحجز لها مكانا جديدا تحت الشمس الإعلامية والسياسية، ولم تجد من يردعها للكف عن مساعي احتلال الصدارة وفقا لمنهج الأمر الواقع.

المعلومات التي رشحت من خطب السيسي وتصريحات فريقه وكلام قريبين منهما، تؤكد أنه منحاز تماما إلى ثورتي، 25 يناير، و30 يونيو، بمعنى أن هناك طبقة جديدة سوف تعاونه في عملية الحكم، وروافده المختلفة، ولا مكان بجواره لمن تقلبوا وغيروا جلودهم باستمرار، ولن تتم الاستعانة بمن سطعوا وكانوا نجوما في عهد مبارك، لكن المخاوف لدى فئة من الشباب والبسطاء المؤيدين جاءت من عاملين مهمين:

أحدهما السماح لبعض الإعلاميين القدامى بالحديث عن السيسي وأحيانا بإسمه، ومعظمهم كانوا خداما سياسيين أو أمنيين في عصر مبارك، وتعمد هذا الفريق المزايدة في مديح المشير، وأوحت أحاديثهم بالثقة في النفس وادعاء القرب من المشير، بصورة أغضبت جمهرة من محبي السيسي غير المزيفين، لأنها اعتقدت أن الرجل مؤيد وداعم لهؤلاء، وهم يملكون منابر إعلامية متباينة، مكنتهم من أن تكون أصواتهم مرتفعة ومنتشرة، وربما مهيمنة في لحظة من اللحظات، أملا في الاستفادة من الهامش المباح في حملة السيسي، التي يبدو أنها تتعمد تحاشي الدخول في صدام مع هذه الطبقة، ليس لتجنب انحيازها للخصوم، لكن لأنها تملك مفاتيح متعددة في الإعلام، قد تلجأ إلى إثارة شيء من البلبلة، وتتسبب في إحداث مزيد من اللغط.

أما العامل الآخر، فيتعلق بإسناد بعض المهام لفئة من العسكريين القدامى، بحكم الثقة المتبادلة بين الطرفين، ودرجة الانضباط المرتفعة التي يتمتع بها العسكريون، فضلا عن ميل السيسي للاستفادة من الكوادر التي تزخر بها مؤسسة الجيش الوطنية، لكن هذا الاتجاه ليس بالضخامة التي يتم الترويج لها، ومردود عليه من خلال الأسماء التي تشارك في إعداد البرنامج الذي سيخوض به المشير الانتخابات، والتي يغلب عليها الطابع المدني.

في كل الأحوال، الهواجس السابقة مشروعة ومفهومة، لأن المشير السيسي يدخل الانتخابات باعتباره ممثلا للثورة ومعبرا عنها، حيث لعب دورا فاصلا في كل من يناير ويونيو، وأدار حوارات كثيفة مع ممثلي الثورتين من الشباب والرموز السياسية الكبيرة، وأثبت أنه على دراية بجميع المشاكل المصرية الدقيقة، ولديه حلول واقعية لها، دون استسهال أو مبالغة، الأمر الذي بدت تجلياته الأولى في خطاب الاستقالة من منصبه كوزير للدفاع، عندما تحدث عن الصعوبات والمهام المطلوب إنجازها في أوقات قياسية، كما أن معرفته بمكانة مصر ودورها الإقليمي، منحاه ثقة عالية من قطاع كبير من المصريين يتطلع إلى عدم تقزيم مصر ووضعها في

حجمها الطبيعي، وكلها عوامل ترفع سقف التوقعات المحلية عن الرجل.

الواقع أن السبب في المخاوف يعود بشكل أساسي إلى الرهانات الكبيرة التي يضعها الناس على عاتق السيسي، باعتباره القادر على الخروج بمصر إلى بر الأمان، والمخاوف تنبع أصلا من أن بعض التوجهات والسياسات التي تحسب للمشير، ويراها المواطنون بوضوح، يمكن أن تعطي فرصة للإخوان لترويج مزاعمهم، بشأن عدم قدرته على حل الأزمات المتراكمة، والتشكيك في انفصال علاقته بنظام مبارك الذي ثار عليه المصريون، ويحاول البعض ممن لعبوا دورا في عهد الأخير القفز على حملة السيسي الرئاسية، بحيل وألاعيب مختلفة، كما أن الاعتماد على العسكريين يقلل من الوجه الديمقراطي لمصر، والذي يتمناه ويسعى إليه المشير.

التفسير الحقيقي للهواجس السابقة، يعود في جزء منه إلى نظرية المؤامرة التي تحكم الكثير من تصرفات الشعوب العربية، وفي مقدمتها الشعب المصري، لذلك ينتظر من السيسي خلال الأيام المقبلة القيام بمجموعة من الخطوات تزيل الالتباس الذي بدأ يتمدد إلى عقول وقلوب فئة من المواطنين، لديها رهان كبير على الرجل لتغيير وجه الحياة في مصر إلى الأفضل، ولا تتمنى أن يكون هناك ما يعكر صفوها، أو يعيق التقدم المتوقع، وأعتقد أن المزايدات التي يتطوع البعض للقيام بها تأييدا للسيسي سوف تتوقف، فقد ثبت أن أضـرارها وسلبياتها كثيرة، كما أنها تشوه البرنامج الحقيقي المستقل، الذي يسعى المشير إلى تطبيقه، عندما يصبح رئيسا للبلاد.

ربما يساهم ما يقوم به الساخر باسم يوسف من فضح لتناقضات عدد من الإعلاميين، في التخلص من هؤلاء، عبر حرقهم مهنيا وكشف انتهازيتهم، فمقدم برنامج “البرنامج” الذي ينتقد أيضا السيسي أسبوعيا، من حيث يدري أو لا يدري، قدم خدمة جليلة للمشير، وسهل عليه مهمة التخلص من فريق، يكاد يمثل عبئا ثقيلا على برنامجه السياسي.

وأعتقد أن ضم عدد من الكفاءات لحملته الانتخابية، والإعلان عن الطاقم الأساسي لفريقه الرئاسي يمكن أن يساعد كثيرا في تبديد المخاوف التي تسربت إلى نفوس البعض، ويعزز الثقة التي تولدت منذ فترة بين الجانبين، ويؤكد أن منهج السيسي سوف يكون مختلفا، ولن يكون فيه مكان لكل من أفسد الحياة السياسية أو الاقتصادية أو الإعلامية في أي وقت من الأوقات.

كاتب مصري

9