المختار.. عين الرئيس التركي على حرمات المنازل

منصب المختار يكتسب أهمية كبرى ترجع لكونه ممثل السلطة والنظام في النطاق المحلي أي في القرية أو الحي الذي يشرف عليه، وهو مكلف بمهام عديدة تخدم الدولة وسكان المنطقة التي تتبعه في آن واحد. هذه المهام تنص عليها القوانين التي تنظم عمل أجهزة الدولة في علاقتها بالمواطن، إلا أن الرئيس التركي أوكل مهام جديدة لهؤلاء وبشكل مباشر لتضاف إلى تلك المنصوص عليها قانونيا وقد أوكل لهم واجبا استخباراتيا يقوم على مراقبة الناس وتبليغ السلطات بجميع تحركات المواطنين في حياتهم اليومية.
الأربعاء 2016/01/27
رجال الرئيس!

أنقرة- يعيد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان صياغة العلاقة بين السلطات المركزية ومسؤولين محليين كانت مهامهم تقتصر على إجراء التعاملات البيروقراطية لسكان القرى والمدن التركية، وانضم إليها لاحقا مهام إستخباراتية من بينها التجسس.

ويلعب المختار دور همزة الوصل بين المواطن والحاكم فيبلغ مطالب ورغبات وآراء سكان حيه أو قريته للسلطة العليا ولم لا يدافع عن مصالحهم؟ وهو يدير كل ما يتعلق بالسجلات المدنية وسجلات السكن أو الخدمة المدنية وغيرها لأنها وثائق لا تمر من المواطن إلى الدولة إلى عبر المختار وختمه عليها.

كما أنه مكلف من قبل الدولة برعاية مصالحها ولعب دوره في حفظ الأمن والاستقرار. وبعيدا عن الجانب النظري في مهام المخاتير فإن المختار في تركيا مكلف وبشكل شفهي ورسمي ومن أعلى هرم السلطة (الرئيس) بأن يلعب دور المخبر الذي يحرر تقارير ترصد بدقة المراقب تحركات وأنفاس المواطن من داخل حيه وبيته.

ولمنصب المختار في تركيا بعد تاريخي، من ذلك تأتي أهميته ومكانته الاجتماعية، فالدولة العثمانية ارتكزت عليه لتسيير شؤون القرى ورسخته كأحد أجهزة عمل الدولة في تقاليد الحكم في تركيا.

بإمكان المخاتير التبليغ عن أي شيء يتعلق بسكان أحيائهم عبر خط خاص في نظام المعلومات الخاص بالمخاتير، وهو برنامج إلكتروني صممه قسم معالجة البيانات التابع لوزارة الداخلية

واليوم يبلغ عدد المخاتير حوالي 53 ألف مختار، يعتزم الرئيس رجب طيب أردوغان التقاءهم والاجتماع بهم جميعا في قصره الرئاسي بأنقرة حيث يحظون بضيافته وترحيبه الخاص. وهو ما جعل كثيرين يتساءلون عن سر هذا الاهتمام البالغ من الرئيس بالمخاتير وما الذي يدفعه إلى الاجتماع بهم بشكل مباشر لتبليغهم توصياته؟

أصبح المخاتير منذ عام 2014 من بين ضيوف أردوغان البارزين وإلى اليوم تستمر اجتماعاته بهم في مجموعات تتراوح بين 300 و400 مختار وفي كل اجتماع يتلقى هؤلاء كلمة تشجيعية وتحفيزية من الرئيس لأداء مهامهم على الوجه الأمثل ولتبليغ السلطات المحلية ووزارة الداخلية بكل ما يلاحظونه ويرصدونه في أحيائهم من خلال نظام معلومات محوسب وخاص بهم، حيث ترسل تقاريرهم في مرحلة أولى إلى المديرية العامة للإدارات المحلية التابعة لوزارة الداخلية ومن هناك يتم إحالتها إلى الأجهزة الحكومية.

وإلى جانب هذا التسهيل في إيصال المعلومة تلقى المخاتير علاوات مادية وقدمت لهم امتيازات مالية إذ تم رفع أجورهم الشهرية لتتجاوز تلك المخصصة لغيرهم من الموظفين العموميين بشكل كبير. وقبل أن يتم تكليف المخاتير بالمهمة الجديدة في عام 2014، تم منحهم زيادة في الأجور لتصل إلى أكثر من الضعف أي 287 دولارا (875 ليرة تركية) بعد أن كانت في حدود 420 ليرة في الشهر.

وتلتها زيادة أخرى في النصف الثاني من عام 2015، لتصل الأجور إلى 947 ليرة تركية. واعتبارا من غرة يناير، بلغ أجر المختار 1300 ليرة تركية، أي بزيادة قدرها 37 بالمئة. وبالتالي فإن إجمالي الزيادة وصل إلى أكثر من ثلاثة أضعاف في غضون عامين.

ولا يعد أجر المختار مصدر دخله الوحيد، فكل وثيقة يختمها يتلقى مقابلها 5 ليرات تركية، وهو ما يمكن أن يوفر له عائدات مالية كبيرة. هذا ما يجعل نفوذ المخاتير أكثر قوة لأن الثراء يعزز السلطة والتسلط، كما أصبحوا أكثر قربا من السلطة الأعلى في الدولة ولو أضفنا لهذه المعطيات ما يتلقونه من حظوة لدى الرئاسة فهم يتمتعون بسلطة ونفوذ مطلقين في أحيائهم، وهو ما يبيح لهم القيام بممارسات تتجاوز القانون وتتعدي على حرمات البيوت وخصوصيات المواطن والعائلة بما أن الرئيس أعطاهم الحق في مراقبة الجميع وإيصال جميع أنواع المعلومات دون أن يقيد قيامهم بهذه المهمة بشروط أو يضبطها قانونيا بحدود معينة.

محمد جيتن غولايج: تعليمات الرئيس لا توجد في التشريعات المتعلقة بالمخاتير

منصب المختار بات من أهم المناصب الحكومية في تركيا اليوم، وهو ما أفرز قائمات طويلة من المرشحين في كل المعارك الانتخابية لنيل منصب المختار.

يقول الصحفي محمد جيتن غولايج إنه في الاجتماع الذي تم عقده في أغسطس الماضي، كلف المسؤول الأعلى في الدولة (رئيس الجمهورية) أدنى المسؤولين برسم إضافي. وقال أردوغان “إن المخاتير سوف يتتبعون أين يذهب السكان وسوف يقدمون إفاداتهم حول ذلك إلى أقرب حاكم منطقة وقائد شرطة، مع توفر هذه المعلومات الاستخباراتية، سوف نعرف ما يحدث في كل بيت”. كما يوضح أن تعليمات الرئيس لا يمكن العثور عليها في التشريعات المتعلقة بالمخاتير، ولكن وفقا لهذه التعليمات، أصبح المخاتير أشبه برجال الاستخبارات.

أما المعارضة التركية فقد اعتبرت أن الحكومة تستفيد من المخاتير من خلال استخدامهم كمخبرين إضافيين. ووفقا لصيحفة “بوغون” التركية، بإمكان المخاتير التبليغ عن أي شيء يتعلق بسكان أحيائهم عبر خط خاص في نظام المعلومات الخاص بالمخاتير، وهو برنامج إلكتروني صممه قسم معالجة البيانات التابع لوزارة الداخلية.

ويستطيع المخاتير، باستعمال أرقام الجنسية ورموز التدقيق الخاصة بهم، النفاذ إلى النظام وتمرير أي معلومات لمؤسسات الدولة بشأن مواضيع متعددة، بما في ذلك المعلومات السرية. وهو ما أثار سخط الأحزاب المعارضة حيث اتهم بعضها أردوغان بأنه يريد أن يحول المخاتير إلى مبلغين وجواسيس وبأنه يسعى إلى إنشاء دولة استخباراتية خاصة به. ولم يقف توسيع نفوذ المخاتير وتقريبهم من السلطة عند هذا الحد بل إن رئيس الوزراء أحمد داودأوغلو قد أعلن منذ شهر أكتوبر الماضي أنه من الآن فصاعدا، سوف يتم الاحتفال بيوم 19 أكتوبر من كل عام كيوم وطني للمخاتير.

إطلاق أذرع المخاتير في القرى وأحياء المدن الذي يشهد أوجه مع سياسات أردوغان الحالية يخلف دون شك استغلال العديد منهم لموقعه. ورغم أن مضاعفات المهام الإستخباراتية للمخاتير، المباركة من الدولة، لم تظهر إلى اليوم ولم تفضح أي انتهاكات لحق المواطن في الخصوصية والحرية داخل بيته إلا أنه من الصعب تصور أن المخاتير الأتراك سوف يمارسون سلطاتهم بشكل ملائكي وسلس دون انتهاك حرية وحقوق الإنسان خاصة في ما يتعلق بالخصوصية وحرمة الفرد والأسرة.

12