المختلفون.. أقلية في مجتمع يتجاهل إبداعهم ويدفعهم للعزلة

أشخاص يتسلط حسهم بالأشياء على مجمل لحظات حياتهم، والعالم المتخيل ملاذ الموهوبين في أوقات الأزمات العاطفية.
الأربعاء 2018/05/09
ثلج لبنان لا يبدد العزلة

يعاني بعض الأفراد من تسلط حسّهم العالي بالأشياء على مجمل لحظات حياتهم، فنراهم عاطفيين بامتياز وأكثر اهتماما بالتفاصيل بشكل استثنائي، والأهم من كل هذا أنهم محاصرون بموجات ساحقة من القلق والانزعاج التي يتسبب فيها أشخاص يدورون ضمن محيط بيئتهم الاجتماعية، فينعكس على مشاعرهم ما يفيض من طاقات الآخرين العاطفية والنفسية، سواء أكانت إيجابية أم سلبية.

تركز الأميركية إيمي لو، المعالجة النفسية وصاحبة كتاب “الحساسية والكثافة العاطفية”، عملها في مفترق طرق الفن، الثقافة وعلم النفس، لتمكين ومساعدة أفراد يتمتعون بهذه الكثافة العاطفية والحساسية العالية تجاه المجتمع، من أجل الارتقاء بهم ليكونوا قاعدة من المبدعين في مجتمعاتهم.

وترى إيمي أن هؤلاء الأشخاص يتميزون بقدرتهم على الملاحظة والتذكّر، كما أن هذه المقدرة على الشعور بعمق مع الإحساس العالي تبدأ عادة في مرحلة الطفولة؛ إذ أنهم ربما يعانون من نقص في مهارات تنظيم العاطفة الذي يرشحهم بدوره للجروح النفسية المرتبطة بالوحدة والشعور بالعار.

وأدى تزايد وعي علماء النفس بهذه السمات لدى أشخاص بعينهم، إلى إجراء المزيد من الأبحاث الاستقصائية لكنها لم تفضي لحد الآن إلى تحديد سمات مشتركة أو يمكن أن يتم جمعها في إطار واحد، لكن هناك في الأقل بعض الاحتمالات التي يمكن أن تحدد بأي اتجاه يمكن أن ينحوا أصحاب هذه الشخصية؛ ولعل أبرزها أنهم يقعون في قائمة الأشخاص الذين يمثلون حوالي 20 بالمئة من التعداد السكاني لأي مجتمع باعتبارهم أشخاصا شديدو الحساسية، ويصفهم الناس بأنهم مختلفون من دون تحديد لماهية هذا الاختلاف.

في حين يقع التصنيف الثاني في منطقة الإبداع، حيث يوصف هذا الاختلاف كونه سمة للمبدعين والموهوبين تحديدا وبذلك تنطبق عليهم أيضا نسبة الـ20 بالمئة من السكان. أما الاحتمال الثالث فيذهب إلى أن مثل هؤلاء القلّة يمكن تصنيفهم باعتبارهم يعانون من اضطرابات عاطفية، اضطرابات نقص الانتباه، فرط النشاط أو اضطراب الاكتئاب المزمن.

ويعتقد أن المجتمعات قد تعوّدت تدريجيا على اعتبار هذه الفئة القليلة من مجموع السكان العام تتمتع باختلاف معين، يضعها ضمن فئة الحساسين أو الموهوبين لا فرق، ومع ذلك مازال هؤلاء المختلفون يعانون من عدم تفهم المجتمع لهم في بعض الأحيان وبالتالي يتم الحكم عليهم بشعور دائم بالوحدة والعزلة.

بعض الأشخاص محاصرون بموجات ساحقة من القلق والانزعاج التي يتسبب فيها أشخاص يدورون ضمن محيطهم الاجتماعي

وكانت الكاتبة الأميركية الراحلة بيرل باك، قد عبرت بدقة رائعة عن هذا النوع من البشر بقولها، “إن العقل الإبداعي في أي مجال ليس أكثر من مخلوق بشري يولد بشكل غير طبيعي، حساس بشكل غير إنساني، اللمسة بالنسبة إليه هي صفعة، الصوت ضجيج، المحنة مأساة، الفرح نشوة، الصديق حبيب، الحبيب إله، أما الفشل فهو الموت بذاته”.

وتقول إيمي لو “منذ سن مبكرة، يتم تكوين سمة التعاطف مع الآخرين عندما نشعر بأنهم يتعرّضون للإساءة وفي الأغلب، حيث يبدأ الطفل مثلا بتقمص دور الضحية للإحساس بمشاعر الآخرين والارتباط بهم وبما يعانونه باعتبار التعاطف شعورا فطريا، ثم يتطور هذا الشعور تدريجيا لدرجة تصبح لديه القدرة على استشفاف شعور الآخرين في المناسبات الاجتماعية، ونظرا لاستجابته وإدراكه لآلام الآخرين فإنه يميل إلى تكوين علاقات حميمة عميقة ذات عاطفة متطرفة تجاه من يقتربون من محيطه الاجتماعي”.

وتضيف موضحة “كل هذا يحدث بسبب وجود حساسية مفرطة بشكل غير إنساني أو أنه يعد مختلفا عن المجموع. عندما يكبر هذا الطفل، يصبح ميالا للتطرف العاطفي في علاقاته؛ ليصبح شديد الإخلاص والوثوق بالآخرين، عطوفا ومحبا، منفتحا في مشاعره كما أنه مثال للمحب المخلص المتفاني في عواطفه إذا كان يخوض علاقة رومانسية، لذلك أيضا هو أكثر عرضة للإصابة بالصدمة العاطفية عندما لا يجد من الشخص المقابل ما يقابل عنف مشاعره، مثاليته وإخلاصه الكبير”.

كما يسمح مستوى تفكير هؤلاء وقدرتهم الفريدة على قراءة الواقع والأحداث، بتقييم عميق لسلوك الناس بسرعة عجيبة وأحيانا من خلال اللقاء الأول، بل إن مشاعرهم المفرطة تجعلهم قادرين على تقييم العوالم الداخلية للآخرين وسبر أغوارها بسهولة، من خلال ملاحظتهم للسلوك وردود الأفعال ثم الكشف عن نواياهم، أفكارهم ومشاعرهم الكامنة خلف الإطار الخارجي لشخصياتهم ورؤية الأشياء على حقيقتها.

وهذا الأمر على الرغم من إيجابيته الظاهرية إلا أنه سيكون حتما عبئا على من يعاني منه وبالتالي سببا في الانسحاب من الحياة العامة، في حين أن إدراك حقيقة الآخرين وإيصال هذه الرسالة لهم من شأنهما أن يخيفا الآخرين، حيث يباغتهم الإحساس بأنهم أصبحوا مكشوفين وبأن التلون والتظاهر الاجتماعي لم يعودا يجديان نفعا، فيختارون الابتعاد عن هذا الشخص أو إبعاده عن دائرتهم الاجتماعية.

ويصف علماء النفس هذا النوع من البشر بأنه فرد مندفع يحاول كسر التقاليد وتحري العدالة وكشف الخديعة، يميل إلى كشف الحقائق بطريقة قد يجد فيها البعض وقاحة وتحديا لكنها في حقيقتها رغبة جارفة في التعبير عن التميز، هذا الذي سيقوده يوما ما إلى مرحلة التميز والتفرد عن الآخرين، ومهما كان مساره في الحياة يبدو عسيرا إلا أنه مليء بالتحدي أيضا ويبشر بالنجاح والريادة، إذ أن عالمه الداخلي غني بالتصورات الحية والحوارات الداخلية، حيث تختلط فيه الكلمات بالصور والتخيلات بالاستعارات ثم الأحلام.

هذا العالم المتخيل قد يكون ملاذا لهذا النوع من الأشخاص في الأوقات التي يمرون فيها بأزمات عاطفية وما أكثرها، لكنه في الوقت ذاته سيكون قاعدة لاكتساب المعرفة ومعالجة المعلومات بسرعة وعمق، حيث تدمج المفاهيم الفكرية مع المشاعر العميقة لتنتج موهبة فذة وإبداعا متفردا، وهذا هو بالأحرى أساس العملية الإبداعية.

21