المخدرات حبل سري يربط بين الإرهاب والتهريب

التعاون بين تنظيم داعش وعناصر الاتجار بالمخدرات يأخذ بعدا دوليا يرتبط باستراتيجية عامة ينتهجها التنظيم عقب خسارة معاقله في سوريا والعراق.
الأربعاء 2018/02/28
التهريب والإرهاب توأمان

القاهرة - حملت العلاقة بين الإرهاب والمخدرات شكلا نفعيا بنت عليه الكثير من جماعات التطرف أحد مصادرها المالية لبقاء تلك الجماعات على قيد الحياة، خاصة بعد تقليص الدول الداعمة للإرهاب حصة دعمها المادي خشية التعرض للمزيد من الضغوط عقب افتضاح أمرها، وأظهرت تقديرات عديدة تعامل جماعات متطرفة في مصر وليبيا ولبنان وتشاد ومالي والنيجر وأفغانستان، مع المخدرات باعتبارها منفذا للهروب من محاولات التضييق عليها.

وذكر تقرير صادر عن مركز “بروكينغز” أن المخدرات تمثل مشكلة حقيقية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث لجأ تنظيم داعش إلى تهريبها للحصول على المزيد من الأموال لتمويل آلته العسكرية في العراق وسوريا، مشيرا إلى أن مسلحي التنظيم يتعاطون مخدر “الكبتاغون لرفع معنوياتهم وزيادة شجاعتهم ووحشيتهم في القتال”.

ويعتبر التهريب من مصادر تمويل المسلحين في ليبيا، خاصة جماعة مختار بلمختار، زعيم ما يسمّى بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، في جنوبي ليبيا والجزائر، التي تفرض الضرائب على سلسلة كبيرة من المنتجات بما فيها المخدرات.

وأشار مجلس النواب الأميركي في 2012 إلى أن تجارة المخدرات تشكل نحو 30 بالمئة من العائد المادي لحزب الله اللبناني، بموجب مساعدته في تهريب وتصنيع وبيع المخدرات.

وأكد اللواء رضا يعقوب، خبير مكافحة الإرهاب الدولي لـ“العرب”، أن مصادر تمويل تنظيم داعش في سيناء اعتمدت بشكل أساسي على الأموال المهرّبة من الخارج عن طريق قوارب الصيد إلى شواطئ شمال سيناء أو من خلال الحدود الغربية مع ليبيا، والعمليات الإجرامية التي ينشط فيها التنظيم مؤخرا والتي ارتبطت باقتحام البنوك والتحفظ على رهائن مقابل إطلاق سراحها والاتجار في المخدرات وزراعتها.

ويأخذ التعاون بين تنظيم داعش وعناصر الاتجار بالمخدرات بعدا دوليا يرتبط باستراتيجية عامة ينتهجها التنظيم عقب خسارة معاقله في سوريا والعراق وهو التعاون الذي تم رصده بشكل دقيق داخل ليبيا، إذ اعتمد عليها التنظيم هناك كأحد أهم مصادر تمويله.

حالة التفكك التي لحقت بالتنظيم في كل من سوريا والعراق دفعت عناصر سيناء إلى البحث عن مصادر تمويل جديدة

وكشفت بيانات متتالية للمتحدث العسكري باسم الجيش المصري، تامر الرفاعي، أن أحد العناصر الفاعلة في تمويل العناصر الإرهابية في سيناء ترتبط بزراعة المواد المخدرة والاتجار فيها، واعتبر أن القضاء على العشرات من الأفدنة المزروعة وضبط أطنان من البانغو والحشيش والترامادول يأتيان ضمن الأهداف الرئيسية للعملية الشاملة المعروفة بـ“سيناء 2018”.

وبدا واضحا أن هناك علاقة وثيقة بين انتشار زراعة النباتات المخدرة والاتجار فيها وبين استمرار الإرهاب وتمكنه من تنويع مصادر تمويله والارتكان إليه كإحدى الحيل الدفاعية من أجل البقاء، وما يساعد على ذلك وجود مصلحة مشتركة بين عصابات تهريب المخدرات والتنظيمات التي سمحت بالتعاون مع عناصر منتمية لها، والاستفادة من خبراتها في زراعة وتهريب المخدرات لتهريب السلاح والإرهابيين.

وأشارت تحقيقات النيابة المصرية التي أجرتها مع عدد من عناصر إرهابية تم ضبطها مطلع العام الجاري إلى أن المخدرات باتت تشكل نسبة كبيرة من مصادر تمويل تنظيم داعش ونجاحه في هذه التجارة يعوضه عن الأسلحة التي فقدها وتضييق الخناق عليه في سيناء إثر غلق غالبية الأنفاق مع غزة، والتعاون الأمني بين مصر وحماس التي تسيطر على القطاع.

وتتمتع سيناء بظروف استثنائية جعلتها قبلة لزراعة المواد المخدرة منذ توقيع معاهدة السلام في العام 1979، وأدى غياب التنمية في مساحتها الشاسعة التي تبلغ 600 كيلومتر واتساع المناطق الجبلية والصحراوية، إلى جعلها موطنا لزراعة المواد المخدرة.

وقال نعيم جبر، منسق عام قبائل شمال سيناء لـ“العرب”، إن تنظيم داعش في ولاية سيناء “امتهن تجارة المخدرات على مدار السنوات الماضية وتمكن من إجراء تفاهمات مع عناصر التهريب وشاركها في مهام تهريب المواد المخدرة إلى غزة مقابل مساعدتها في وصول الأسلحة إليها، وأن هذا الوضع استمر بكثافة حتى نهاية العام 2015 قبل أن يتم غلق غالبية الأنفاق مع القطاع”.

وبدأ اهتمام الجيش المصري بمواجهة زراعة المخدرات في سيناء باعتباره أحد سبل مكافحة الإرهاب منذ 2014، وأعلن المتحدث العسكري في ذلك الوقت عن ضبط 254 مزرعة خشخاش، المستخدم في إنتاج مادة الأفيون المخدر، على مساحة 127 فدانا، وضبط 7 مزارع لنبات البانغو بمساحة فدانين بإجمالي بلغ 130 فدانا، ردا على عملية إرهابية استهدفت مدرّعتين عسكريتين.

عسكريون يتوقعون أن يكون تركيز ضربات الجيش المصري على مزارع النباتات المخدرة راجعا إلى تقارير معلوماتية تم الحصول عليها مؤخرا، وهو ما ظهر بوضوح في بيانات المتحدث العسكري المصري

وقالت مصادر استخباراتية إسرائيلية لصحيفة “جيروزاليم بوست” إن تلك العصابات زودت التنظيمات بأسلحة متطورة وصواريخ مضادة للدروع والدبابات، ما مكنها من تنفيذ عمليتها، وأن العلاقة بين الإرهابيين وتجار المخدرات معروفة منذ فترة طويلة، ويعتمد كل منهما على الآخر في توفير الحماية والحصول على الدعم المالي.

ويتوقع عسكريون أن يكون تركيز ضربات الجيش المصري على مزارع النباتات المخدرة راجعا إلى تقارير معلوماتية تم الحصول عليها مؤخرا، وهو ما ظهر بوضوح في بيانات المتحدث العسكري المصري.

وأعلن العقيد تامر الرفاعي في مطلع شهر يناير الماضي، إحصائية سنوية لعام 2017 بعدد قضايا المخدرات التي ضبطها الجيش في سيناء، بلغت 312 قضية، ومصادرة قوات الأمن مئات الكيلوغرامات من المخدرات المتنوعة.

وقال اللواء رضا يعقوب، خبير مكافحة الإرهاب الدولي لـ“العرب”، إن استهداف مزارع البانغو يأتي في إطار تجفيف منابع تمويل العناصر الإرهابية.

ويحمل منح الحكومة المصرية أولوية لاجتثاث المخدرات رغبة في قطع الحبل السري الذي يربط بين الإرهابيين وتجار المخدرات، لأن تفكيك هذا التحالف هو خطوة رئيسية لاستعادة الأمن والهدوء في سيناء، كما أن تنمية هذه المنطقة سوف تساعد كثيرا في خلق فرص عمل تغري الشباب بالابتعاد عن التعاون مع الإرهابيين ومهربي المخدرات.

13