المخرجة السعودية هيفاء المنصور من "وجدة" إلى "ماري شيللي"

هيفاء المنصور فرضت اسمها بقوة على الساحة العالمية كأول سعودية تخوض تجربة إخراج وتصوير فيلم في بلدها.
الجمعة 2018/08/10
الشاعر بايرون يستقبل الأصدقاء الثلاثة

كان من المثير للدهشة أن تسند مهمة إخراج فيلم “ماري شيللي” (2018) إلى المخرجة السعودية هيفاء المنصور في فيلم من إنتاج بريطاني- أيرلندي مشترك، إذ يعود ذلك غالبا، إلى تأثر القائمين على إنتاج الفيلم بنجاح فيلمها الروائي الطويل الأول “وجدة”، وما حقّقه من أصداء جيدة في الأوساط السينمائية الدولية.

أجادت المخرجة السعودية هيفاء المنصور دون شك، في كتابة وإخراج فيلم “وجدة” (2012) بمساعدة عناصر فنية أوروبية، ونجحت في فرض اسمها بقوة على الساحة العالمية باعتبارها أول امرأة سعودية تخوض تجربة إخراج وتصوير فيلم في بلدها، وفضلا عن ذلك كانت تصوّر في فيلمها موضوعا رمزيا عن التمرد الأنثوي يدور حول حلم طفلة بامتلاك دراجة وركوبها في مجتمع ينكر على الفتيات هذا الحق ويستنكره.

ولأن “وجدة” كان فيلما عن تمرد فتاة على محيطها الاجتماعي المتزمت يبدو أن مضمونه هذا كان أيضا دافعا وراء إسناد فيلم “ماري شيللي” إليها، إلاّ أن الاختيار لم يكن موفقا، ففيلم من هذا النوع، يتناول موضوعا بريطانيا صميما مستقرا في الوعي لدى أجيال من البريطانيين، كان يمثل تحديا قويا أمام المنصور، خاصة وأنه يرتبط بامرأة من أكثر النساء شهرة في بريطانيا هي الكاتبة ماري شيللي التي اشتهرت برواية “فرانكنشتاين” التي ظهرت في الكثير من الأعمال المسرحية والمعالجات السينمائية.

وولدت ماري شيللي ببريطانيا في أواخر القرن الثامن عشر، وتوفيت في العصر الفيكتوري بعد منتصف القرن التاسع عشر، وهي تعتبر نموذجا مثاليا للعبقرية المبكرة، وقد أبدت مبكرا حسا مرهفا وخيالا جامحا، وموهبة متفجرة ورثتها في ما يبدو، عن والدها الكاتب والمفكر والناشر السياسي الراديكالي، وأمها التي كانت من طلائع المهتمين بموضوع تحرير المرأة.

وقد كتبت ماري روايتها “فرانكنشتاين” أو “بروميثيوس العصري” وهي في الثامنة عشرة من عمرها، وجاءت الرواية وليدة فترة كمون طويلة استوعبت خلالها الكثير من أعمال الخيال في عصرها.

البيئة الإنكليزية

الخضوع العاطفي أثر على نفسية ماري
الخضوع العاطفي أثر على نفسية ماري

موضوع ماري شيللي وحياتها المضطربة التي شهدت الكثير من المفارقات والأحداث الدرامية انعكست دون شك على نظرتها للعالم، كما تجلت بوضوح في “فرانكنشتاين” موضوع فيلم هيفاء المنصور.

وفي هذا الفيلم تنتقل المخرجة السعودية في قفزة فجائية، من بيئتها الخاصة التي تعرف ملامحها جيدا، إلى البيئة الإنكليزية في فيلم أدبي يفترض أن ينشغل أولا، بالتعبير عن العصر الذي عاشته ماري شيللي، وثانيا بنشأة هذه الموهبة وتفجرها وكيف كان ممكنا أن تكتب مثل هذا العمل المدهش في تلك السن المبكرة، وما الذي كانت ترمي إليه من وراء كتابة روايتها المثيرة، وكيف كافحت من أجل إثبات حضورها وفرضت اسمها على مجتمع لم يكن يعترف في ذلك الوقت بأن فتاة شابة في مقتبل العمر مثلها، من الممكن أن تكتب بمفردها رواية من هذا

النوع؟ وظل الكثيرون يعتقدون أن رفيق حياتها -الشاعر شيللي- كان هو الكاتب الحقيقي للرواية، أما الفيلم فقد جاء بكل أسف، مخيبا للآمال من زوايا عديدة، وانتقص من رصيد مخرجته بدلا من أن يضيف إليه.

توفيت ماري وولستون كرافت -والدة ماري- فيلسوفة تحرير المرأة، متأثرة بحمى النفاس بعد ولادة ابنتها مباشرة، ثم تزوج والدها فيلسوف التمرد، وليم غولدوين، امرأة أصبحت علاقة ماري معها مشحونة بالتوتر المستمر، وقد بدأت منذ الصغر بفضل رعاية والدها الذي وفر لها قسطا جيدا من التعليم، في كتابة انطباعاتها وأفكارها.

لكن هذه المرحلة المبكرة لا يوليها الفيلم اهتماما كبيرا، بل يصبح مجال الاهتمام منصبا على العلاقة العاطفية التي ستنشأ بين ماري والشاعر الإنكليزي الشاب المتمرد بيرسي شيللي وكان في الحادية والعشرين من عمره، بينما كانت هي في السادسة عشرة.

وسوف تهجر ماري منزل والدها وتفضل العيش مع شيللي من دون زواج حتى بعد أن تعرف أنه متزوج ولديه طفلان، ولكنه يقنعها بأنه متمرد على الزواج وعلى فكرة الخضوع للتقاليد المستقرة القديمة المتعلقة بالأسرة، وأنه يؤمن بالحب الحر، وهي فكرة راقت لها.

تهرب ماري من بيت والدها وزوجته مع كلير أختها غير الشقيقة (من زوجة أبيها) التي ترتبط بها وجدانيا، وتلتحق الاثنتان بشيللي الذي يظل ينتقل معهما من مسكن إلى آخر بسبب قلة المال بعد أن قطع عنه والده ما كان يقدّمه له من مساعدة مالية (وهي نقطة لا يقدّم الفيلم تفسيرا لها)، وتكون النتيجة أن يتبرأ منها والدها، وتتقلب بها الحياة مع شيللي الذي يبدو كما يظهر في الفيلم، يفتقد إلى أي شعور بالمسؤولية حتى بعد أن تحمل منه ماري وبعد أن تضع طفلتها.

شيللي يصرح لماري بأنه لا يستطيع أن يكتفي بعلاقة وحيدة معها، بل يخبرها أيضا بأنه لا يمانع من أن تقيم هي علاقات أخرى مع رجال غيره، لكنها تصرّ على أنها لا يمكن أن تكون مع غيره لأنها لا تحب سواه.

والحقيقة أن ماري كانت أيضا تعبث مع شخص أو أكثر من بين صحبة الأدباء والشعراء الذين كانوا يترددون على منزل شيللي، لكن هدف الفيلم أن تظهر ماري باعتبارها ضحية للرجل، ومن هنا كان لا بد من تكثيف معاناتها وشعورها بالاغتراب والوحدة، والمغالاة في تصوير نذالة شيللي ووضاعته، ثم بروز نزعة التمرد والغضب والرفض لديها، مع تراكم نظرة سوداوية للعالم، حتى لو لم تكن الأمور بمثل هذا الوضوح أو التمحور بين الأبيض والأسود.

الحب الحر

هيفاء المنصور لم تهتم بإبداع امرأة في مجتمع بطريركي يستهين بالمرأة ويرفض الاعتراف بموهبتها، بقدر اهتمامها بفكرة “الفيمينست”
هيفاء المنصور لم تهتم بإبداع امرأة في مجتمع بطريركي يستهين بالمرأة ويرفض الاعتراف بموهبتها، بقدر اهتمامها بفكرة "الفيمينست"

بعد مرور أكثر من ساعة من زمن الفيلم (الذي يبلغ ساعتين)، لا نشاهد شيئا عن موهبة ماري الأدبية وعلاقتها بإبداعها القادم “فرانكنشتاين”، فهيفاء المنصور أرادت أن يأتي فيلمها لا عن إبداع امرأة شابة ذات موهوبة في مجتمع بطريركي يستهين بالمرأة ويرفض الاعتراف بموهبتها، بقدر ما جاء اهتمامها مرتكزا على فكرة “الفيمينست” حيث تعاني من نذالة الرجل الذي أحبته وخياناته المتعددة لها حتى مع أختها غير الشقيقة كلير، بينما كلير لا تخفي غيرتها منها ورغبتها في الاستحواذ على شيللي (حسب الفيلم).

ورغم ذلك تصبر ماري طويلا وتتحمل، بل وتتعاطف أيضا مع كلير (في تجسيد ساذج وغير مقنع للتضامن النسوي)، ثم تقف معها بقوة وتدافع عنها بعد أن تحمل من الشاعر اللورد بايرون الذي نراه في الفيلم على صورة رجل بوهيمي يشي الفيلم بشذوذه وتطرف شخصيته، لا يقيم وزنا للمشاعر الإنسانية، يتسلى بالبشر ويتلاعب بهم، يغرق في الملذات والعبث، خاصة من خلال ذلك الأداء النمطي للممثل توم ستيريدج الذي يتقمص الدور من الخارج وبصورة كاريكاتيرية!

المرء يشعر أمام الفيلم بأن ماري لو كانت إنسانة “طبيعية” لركلت شيللي خارج حياتها مبكرا، خاصة بعد أن شجعها على خيانته مع غيره تبريرا لخيانته لها واستمراره كذلك، كما يشعر المشاهد أنه كان لا بد وأن تقوم بطرد كلير من منزلها وتحظر عليها الاقتراب من حياتها. هذه الفرضية لا تنطلق بالطبع من رغبة شخصية لدينا، بل من السياق السينمائي الذي تتحرك فيه الشخصيات من خلال الموقف والحركات والمقدمات والنظرات والتعبيرات والحوار.. فهذا ما يوحي به أسلوب المنصور في التعامل مع مادة الفيلم، فتحصره في إطار الميلودراما النمطية.

يدعو بايرون الثلاثة: ماري وشيللي وكلير، إلى القصر الفخم الذي استأجره في الريف السويسري، وهناك يلهو مع شيللي ثم يهين كلير إهانة بالغة ويرفض أن يعتبرها حبيبة له، بل مجرد “فتاة سخيفة صغيرة”، كما يقول، ولا يبدي اهتماما خاصا بكونها قد حملت منه بل يكتفي بالتعهد بدفع نفقات تربية الطفل. تتسبب العواصف والأمطار في انعزال الأصدقاء الثلاثة داخل القصر، وذات ليلة يقترح بايرون على سبيل اللهو، أن يكتب كل منهم قصة مرعبة، فتنعزل ماري وتكتب “فرانكنشتاين” التي تصبح رواية طويلة: كيف؟ لا نعرف.

وفي هذا المشهد تفكك هيفاء المنصور الصور فترتدّ في سذاجة وبطريقة آلية، إلى لقطات سريعة قصيرة من حياة ماري وهواجسها وكوابيسها المرعبة بعد أن كانت قد تأثرت بموضوع قدرة العلم على تحريك الجثث، من خلال التيار الكهربائي الذي ينتج عن خلط مواد كيميائية معينة معا، وكانت قد شاهدت عرضا بهذا المضمون على خشبة المسرح مع شيللي ذات مرة.

تتخلل السرد الكثير من القفزات التي تصيب المتفرج بالتشوّش، كما يتم العبور على بعض الشخصيات من دون إيضاح مثل شخصية توماس هوغ الذي يحاول إقامة علاقة مع ماري، لكنها تصده وترفضه ويقال إنها استجابت له في الحقيقة وإن لم تتجاوز العلاقة بينهما المداعبات، ويسقط السيناريو رحلة الأصدقاء الثلاثة إلى إيطاليا وفرنسا من الفيلم، وتغلب على الفيلم بشكل عام المشاهد الداخلية ذات الإضاءة الخافتة، والحركة الكثيرة داخل أروقة وردهات وأقبية المنازل الفقيرة التي اضطروا للانتقال إليها، كما تعاني بعض المشاهد من الطول المفرط ومن الحوار الخطابي المباشر الذي يلخص رسالة الفيلم قرب النهاية.

إيل فاننغ تتألق في دور ماري شيللي
إيل فاننغ تتألق في دور ماري شيللي

ورغم هذه الملاحظات، يجب ألاّ نغفل الإشارة إلى براعة التصوير ونجاح منسق المناظر في محاكاة المظهر العام الخارجي للشارع اللندني “الترابي” الوحيد الذي يستخدمه في الفيلم، ثم المناظر الجذابة التي تدور في الريف الأسكتلندي ثم بعد ذلك، مشاهد الطبيعة الساحرة في سويسرا.

ولا شك أيضا في براعة تنفيذ الكثير من المشاهد، باستخدام الإضاءة الطبيعية أو التي تبدو كما لو كانت صادرة من مصابيح الكيروسين وضوء الشموع، والدقة الكبيرة في تنفيذ الديكورات الداخلية للبيوت بكل تفاصيلها، وقد وجدت تميزا وأداء طبيعيا معبرا عن الشخصية من جانب الممثلة الأميركية إيل فاننغ في دور جديد وصعب عليها بالضرورة، خاصة من ناحية اللهجة الإنكليزية.

وعلى الرغم من هذه الدقة التي تعاون في تحقيقها طاقم محترف من التقنيين البارعين على رأسهم مدير التصوير ديفيد أونغارو صاحب “صلاة قبل الفجر”، إلاّ أن هناك شيئا أساسيا يظل مفقودا في هذا الفيلم: روح الشخصية، ومشاعرها الداخلية، وفكرة الخلق لديها (التي عذبتها كثيرا كما عذبت المخلوق الذي صنعه الدكتور فرانكنشتاين)، بحيث أصبح الإحساس العام أننا أمام عمل تقليدي رتيب بارد من نوع “دراما الفترة التاريخية” التي تحكي أكثر ممّا تتعمق، وتعرض من الخارج بطريقة وصفية انطباعية، أكثر ممّا تنفذ إلى أعماق الشخصية.

ما الذي جعل ماري تنجذب إلى شيللي، رغم أنه كان واضحا في رفضه فكرة الحب الرومانسي الأحادي وفكرة الإخلاص للحبيبة من الأصل والأساس، ثم ما الذي دفعها إلى الاهتمام بالابتكارات العلمية الحديثة والتجارب المختبرية، ثم كيف أتت فكرة أن يصنع الإنسان مخلوقا على شاكلته، أي أنه يمتلك القدرة على الخلق دون الإلمام بأسراره فيأتي المخلوق مشوّها عاجزا فاقدا الاتصال بخالقه ربما لأن هذا الخالق لم يبد اهتماما حقيقيا به، بل تركه يعاني من الوحدة والعزلة في هذا العالم، وهي أساسا فكرة فلسفية دينية؟

هذه الأفكار لا تشغل كاتبة سيناريو الفيلم إيما جنسن ولا هيفاء المنصور التي شاركتها الكتابة، والأهم بالطبع أن الفيلم لا يطمح أصلا، إلى استخدام قصة حياة ماري شيللي لكي يستنبط منها مغزى فلسفيا يتجاوز الإطار الزمكاني “التاريخي”، بل يكتفي بسرد قصة حياة لم تتطور كثيرا على أيّ حال.

16