المخرجون وكتابة السيناريو

المخرج يعيش حالة صراع مستمر مع نص السيناريو، وهي عملية تأثر وتأثير واستلهام خارجية ومكمّلة أو مانحة للمفاتيح الحقيقية في بناء مشاهده والتفاعل الخيالي معها أثناء قراءة النص.
الأحد 2018/12/02
بذرة أي فيلم حقيقي تولد بواسطة كتابة السيناريو الجيّد

يستند مبدأ السينما إلى بديهة أولية تتلخص في وجود قصة لتروى. هذا أساس كل شيء في صناعة الأفلام في الواقع، وكلّما كانت تلك القصة مجسدة في سيناريو جيّد يعتمد الخيال الوافر وإمكانية التنفيذ وتجسيد المشاهد، كان عمل المخرج متقنًا ومريحًا ومهيأ لتجسيد ملامح القصة المكتوبة. وشأنها شأن أيّ اختصاص إبداعي آخر، تُعدّ كتابة السيناريو من المفاصل المهمة والحيوية في صناعة السينما وأحد المرتكزات الثلاثة التي تستند إليها تلك الصناعة، إلى جانب المخرج وكادر العمل من الممثلين والفنيين.

ويمكن عدّ السيناريو كنص مقدّس ووثيقة الولادة الأولى للعمل الفني الذي يبقى غير مكتمل حتى يتم دمجه بالعمل ككل، ومع ذلك، يبقى نصًّا استثنائيًا يختلف عن بقية النصوص المكتوبة نتيجة لقدرته على معالجة المشكلات الحقيقية التي تنشأ عندما يوضع موضع التنفيذ. لهذا السبب، فإن المخرج يعيش حالة صراع مستمر مع نص السيناريو، وهي عملية تأثر وتأثير واستلهام خارجية ومكمّلة أو مانحة للمفاتيح الحقيقية في بناء مشاهده والتفاعل الخيالي معها أثناء قراءة النص.

تناقش جوديث ويستون في كتابها “حدس المخرج السينمائي” العلاقة بين الكاتب والمخرج وضرورة تحليل الخطاب أو اللغة السينمائية المقترحة للعمل الفنّي، كعنصرين منفصلين لضمان التكامل الخيالي ـ الافتراضي ـ والواقعي ـ المجسد. وتؤكد ويستون هنا على مفردة “منفصلين” للأسباب أعلاه.

ذلك لأن تحليل السيناريو ومناقشته يجعلان كادر العمل أكثر تفاعلاً وانفتاحًا على اقتراحات أعضاء الفريق تلافيًا للفشل، وتؤكد جوديث ويستون على أن اعتقاد مخرج ما بأنّه قادر على عمل كل شيء، بما في ذلك كتابة السيناريو ومعالجة القصة وتقطيعها وإضفاء اللمسات الخيالية عليها، هو بمثابة طلب الإذن بالفشل الحتمي للفيلم، إذ لا يوجد إبداع ولا أصالة ولا نجاح، من دون تلاقح الأفكار بين كاتب سيناريو منفصل ومخرج مقتنع بهذا السيناريو. وهو أمر مختلف تمامًا عن قراءة النص من قبل المخرج ومناقشته مع الكاتب واقتراح بعض التعديلات الضرورية عليه.

لقد أحالني هذا الاستطراد إلى الكثير من الأفلام الفاشلة التي يصر مخرجوها على كتابة السيناريو لها ظنًّا منهم أن كتابة السيناريو خطوة ثانوية مكمّلة لعملية الإخراج. ولعل الطامّة الكبرى تتجسد في أن الكثير من مخرجينا يعتقدون بعدم أهمية القصة التي يستند إليها سيناريو ما، وأن الأحداث يمكن إدارتها لاحقًا أثناء التنفيذ، حتى مع عدم وجود سيناريو محكم يستند إلى قصة حقيقية.

إن كتابة سيناريو جيّد عمل شاق لا يقل صعوبة عن كتابة رواية، لكنّه يبقى عملا فرديا يتصدى فيه الكاتب الموهوب لتجسيد الإرهاصات الأولى لولادة الفيلم، على العكس من الإخراج الذي هو عمل جماعي يتلقى فيه المخرج المساندة والدعم من مساعديه وفنييه وممثليه وخبراء إنارته وغيرهم، إضافة إلى كاتب السيناريو نفسه.

لقد أتيح لي قبل سنوات المشاركة في دورة قصيرة لكتابة السيناريو حاضر فيها المخرج الهولندي المعروف مارتن فان هوفن الذي صنّف في وقتها طبيعة السيناريوهات وعلاقة الرواية بالسينما وضرورة فصل الاختصاصات ومنح الحرية الكافية لفناني المونتاج والمعالجات التقنية ليبدعوا ويضيفوا لمساتهم على الفيلم، كما تحدث عن طبيعة الروايات التي تصلح للسينما دون غيرها، وضرورة التمييز بين كتابة القصة والمعالجة السينمائية، مفترضًا أن بذرة أي فيلم حقيقي تولد بواسطة كتابة السيناريو الجيّد الذي يستند إلى خيال وافر، كما عدّ كتابة السيناريو من قبل المخرج نفسه من الأخطاء القاتلة.

اليوم أتأمّل الكثير من الأفلام العربية الفاشلة وأندهش لإصرار مخرجيها على أنّهم يفهمون كل شيء في عالم السينما.

10