المخرجون يهزمون كتاب الدراما في مصر

جيل المخرجين الشباب الجديد أصبح أكثر وعيا بصناعة أعمال عميقة تنسجم مع تطلعات اللحظة الراهنة، سياسيا واجتماعيا وثقافيا.
الخميس 2018/07/19
الصورة تتفوق على الورق

كشفت الفترة الماضية عن تحد واضح يواجه الكثير من المخرجين في الدراما المصرية ممن آثروا التمسك بأفكارهم التقليدية، في حين يبدو الأفق مفتوحا أمام المبدعين منهم، الذين أكدوا تفوقهم وهزيمتهم لكتّاب تمسّكوا برؤاهم التقليدية في بعض الأعمال الدرامية، ما جذب أنظار المشاهدين لعناصر أخرى في العمل تبتعد عن ثقافة الاهتمام بالبطل في المقام الأول ورؤية المؤلف من بعده، وتشي بأن هناك عوامل تتعلق بالمخرج وتلعب دورا في نجاح العمل أو فشله، وهو ما يعني أن الجوانب الفنية تستعيد بريقها.

القاهرة - يمنح التفوق الذي أحرزه البعض من مخرجي الدراما في مصر مؤخرا، الفرصة لتغيير ثقافة المشاهد، بعد أن كان الحديث الدائم عن مسلسل النجمة أو النجم المرفق باسم كاتب يتعند وضع مسلسل خصيصًا لأي منهما. ولمعت أسماء أخرى على الساحة الدرامية، مثل تامر محسن ومحمد شاكر وأحمد خالد موسى وبيتر ميمي وهاني خليفة وشريف البنداري وعمرو سلامة.

أصبح هؤلاء أكثر وعيا من غيرهم في تقديم تجارب درامية تهتم بصناعة أعمال تحاكي الصورة السينمائية، بعد تراجع السينما عموما، فصنعوا بأنفسهم بصمة لافتة في الدراما.

التقليديون والمتمردون

على مدار العقدين الماضيين، كان الحديث عن تفوق المخرجين العرب مثل محمد عزيزية وحاتم علي وشوقي الماجري وغيرهم، حديثا ذا شجون لا ينقطع، وغزت أعمالهم السوق المصرية، وغالبيتها حمل هوية سورية، وباتوا من الأسماء اللامعة التي يؤدي وجودها في أي مسلسل إلى ضمان نجاحه.

لم يترك أحد من الجيل القديم لمخرجي الدراما في مصر بصمات كبيرة في أعمالهم الجديدة، لأنهم استخدموا تكنيكات تخالف السائد، واستسلموا لصناعة صورة نمطية، لكن جيل المخرجين الشباب الجديد أصبح أكثر وعيا بصناعة أعمال عميقة تنسجم مع تطلعات اللحظة الراهنة، سياسيا واجتماعيا وثقافيا.

حصل البعض من المخرجين على فرص حقيقية، وبدأوا تدريجيًّا في تطوير أدواتهم، ودخل في هذه المرحلة عديد من مخرجي السينما، لتعويض غيابهم، واستعانوا بخبرات الكثير من مديرين التصوير من ذوي المواهب، وأبرزهم فيكتور كريدي وأحمد المرسي وعبدالسلام موسى ورؤوف عبدالعزيز.

في الوقت الذي قام فيه البعض بتطوير أدواتهم، لم يترك معظم المؤلفين بصمة مميزة، تضاهي أو تقترب من بصمة المؤلف الراحل أسامة أنور عكاشة، وذهب معظمهم للبحث عن الشهرة والعائد المادي، ما جعلهم يلجأون إلى تنظيم ورش للكتابة الجماعية، بكل ما تنطوي عليه من عيوب، وأهمها تفصيل الدور.

من أسباب تراجع الورق أو الكتابة ظاهرة "المؤلف النجم" الذي يقوم بتفصيل الأحداث والمشاهد على مقاس بطل بعينه

يضاف إلى ذلك الاستعانة بـ”فورمات” أو نماذج من أعمال أجنبية لتمصيرها أو اللجوء إلى الروايات القديمة وإعادة تدويرها، كما اتجهت السيناريست مريم نعوم وحققت نجاحا من وراء ذلك، ولم يظهر حتى الآن أحد في موهبتها ويتولى مسؤولية إعداد وتطوير الروايات القديمة لأنها عملية مرهقة تتطلب احترافية عالية، ناهيك عن أنها أخذت تفقد جانبا من بريقها الفني.

تراجع الورق أو الكتابة، جاء أيضا بسبب حصر عدد كبير من المؤلفين ضمن ظاهرة “المؤلف النجم” أي هذا الذي يقوم بتفصيل الأحداث والمشاهد على مقاس البطل الذي يملي عليه شروطه، أو يشارك بنفسه في تفاصيل الفكرة، ما أفضى إلى تشويه المعالجة الدرامية، لأن النجم لا يستطيع تطويع المخرج الذي يملك غالبا مشروعا تلفزيونيا، وربما لا يكون الغير راضيا عن القصة وأداء البطل، لكنه يستطيع تأكيد موهبته وكفاءته بأدوات فنية مختلفة.

واتجه عدد من مخرجي الدراما إلى التمرد على ثوب الأجداد، وبدأوا في الاستعانة بكاميرات تصوير سينمائية متطورة، منهم من انطلق لتصوير الأحداث في دول بعيدة، طالما العمل يتطلب ذلك، ما جعل هناك مساحة مميزة لظهور صورة جمالية يتخللها الإبهار، وازداد الأمر وضوحا مؤخرا جراء ارتفاع ميزانية الإنتاج.

ومنهم من نجح في تحقيق أحلامه وتعويض فرصه الضائعة في السينما، لأن ميزانية إنتاج الأفلام باتت ضئيلة، ما جعل المخرجين يكثفون من تصوير أعمالهم السينمائية في ديكورات داخلية، وتجاهل خلق صورة بديعة تحقق متعة فنية وجاذبية للعمل.

نجاح المخرجين

نجح بعض المخرجين في صناعة تفاصيل الماضي بعبقه وتراثه، مثلما قدم المخرج محمد شاكر في مسلسلي “طريقي” الذي لعبت بطولته المطربة شيرين عبدالوهاب، و”جراند أوتيل” بطولة الفنان عمرو يوسف وأمينة خليل، والمخرج هاني خليفة الذي وضع المشاهد في حقبة الأربعينات من القرن الماضي بمصر في مسلسل “ليالي أوجيني”.

كانت الصورة التي صنعها هؤلاء في أعمالهم، الحدث الأبرز الذي خطف أنظار المشاهد للاستمتاع بمراحل زمنية لم يعاصرها معظمهم، بل في بعض الأحيان كانت بديلا لهم عن التطويل الذي يصاحب بعض الأعمال.

لم يترك أحد من الجيل القديم لمخرجي الدراما في مصر بصمات كبيرة في أعمالهم الجديدة، لأنهم استخدموا تكنيكات تخالف السائد، واستسلموا لصناعة صورة نمطية

ولعبت صناعة “الأكشن” التلفزيونية دورا لدى قطاع من المخرجين ومكنتهم من الإعلان عن براعتهم، ولمع أسماء، أبرزها أحمد خالد موسى الذي بدأ شهرته من خلال مسلسل “بعد البداية”، بطولة الفنان طارق لطفي، وتوالى النجاح في مسلسلات تحمل طابع الإثارة والغموض مثل “الحصان الأسود” للفنان أحمد السقا، وصولا إلى “أبوعمر المصري” الذي عرض مؤخرا من بطولة أحمد عز.

ويتنافس المخرج بيتر ميمي مع أحمد مرسي، واستطاع الأول أن يترك بصمة في مجال الحركة، وبدا مالكا لروح مقتبسة من إيقاع العمل بالدراما الأجنبية، وتفوق في أعمال مثل “كلبش 1 و2” ولعب بطولته الفنان أمير كرارة، والجزء الأول من مسلسل “الأب الروحي” المأخوذ عن الفيلم الشهير (The god father).

خلّفت هذه البصمات حالة من الارتباط بينهم وبين المشاهد الذي يبحث عن أسماء البعض منهم في حالة غيابهم عن الساحة، كما حدث مع محمد شاكر مخرج مسلسلي “جراند أوتيل” و”طريقي”، وتامر محسن الذي يظل حتى اللحظة حديث النقاد والمشاهدين منذ مسلسله “هذا المساء” وشارك فيه الفنان الأردني إياد نصار، وحقق نجاحًا كبيرًا في رمضان الماضي، بخلاف أعمال أخرى للمخرج نفسه جذبت المشاهد، مثل “بدون ذكر أسماء” و”تحت السيطرة”.

مع ذلك خرج بعض المخرجين، ممن سبقوا هؤلاء، من عباءتهم واستطاعوا أن يحفروا أسماءهم بالثيمة الجديدة، مثل المخرج أحمد مدحت الذي قدم عددا من المسلسلات المميزة، آخرها “اختفاء” بطولة نيللي كريم، وعرض في رمضان الماضي، وسبقه في العام ذاته الجزء الأول من مسلسل “أنا شهيرة” ومسلسل “بين عالمين”.

يؤكد نجاح هؤلاء المخرجين أن هناك تغيرا في معادلة الدراما المصرية على حساب المؤلفين، حتى أصبح المشاهد مرتبطا بهم، ولم يعد اهتمامه الأول البحث عن مسلسل النجم – النجمة أو المؤلف، وبات شغفه يذهب إلى صناع الصورة الحقيقيين، باعتبارهم من أصحاب الفضل والنجاح لأيّ عمل مميز.

16