المخرج الأرجنتيني فرناندو سولاناس يتطلع إلى كرسي الرئاسة

الأحد 2015/03/29
عمل طوال حياته من أجل سينما مضادة لما يسميه بالسينما الكولونيالية

من السينما إلى السياسة، ومن السياسة إلى السينما. هكذا ظل المخرج السينمائي الأرجنتيني المرموق، الحائز على جائزة الدب الذهبي تكريما لإنجازه السينمائي من مهرجان برلين عام 2004، ينتقل بين العالمين. ورغم موهبته الكبيرة كفنان صاحب بصمة خاصة مميزة، وحصوله على الكثير من الجوائز في المهرجانات السينمائية الدولية، إلا أنه آثر خلال السنوات الأخيرة أن يكتفي بصنع الأفلام الوثائقية (السياسية)، وأن يتفرغ تقريبا للعمل السياسي منذ أن أسس حزبه اليساري الشهير “برويكتو سور” (أي مشروع الجنوب) عام 2007.

وقد خاض سولاناس الانتخابات الرئاسية في العام نفسه، وانتخب عضوا في البرلمان عام 2009، ثم ترشح لمنصب عمدة العاصمة الأرجنتينية بيونس أيريس عام 2011. آخر ما نشر عنه اعتزامه خوض الانتخابات البلدية مجددا لمنصب عمدة العاصمة بعد أن نجح في تحقيق ائتلاف بين حزبه الذي يحتل المرتبة الثانية في البرلمان، وحزب “جبهة التجديد”، كما أنه من المحتمل أيضا أن يخوض انتخابات الرئاسة القادمة وهو على مشارف الثمانين، وربما يصبح أول سينمائي يتولى منصب الرئاسة في بلاده.

البدايات الثورية

ظهر فرناندو سولاناس في أواسط الستينات كداعية راديكالي للسينما الثورية في أميركا اللاتينية، وطالب في البيان الشهير الذي أصدره مع رفيقه البوليفي أوكتافيو غتينو عام 1964، إلى ضرورة صنع سينما جديدة مختلفة في أميركا اللاتينية، تكون بالضرورة مضادة لما أطلقا عليه “السينما الكولونيالية”، أي سينما تستمد جمالياتها من الواقع السياسي الثوري في “القارة الجنوبية”.

كان أول أفلامه فيلم قصير بعنوان “استمر” عام 1962، وكان عملا تحريضيا مباشرا من تلك الأفلام “النضالية” التي كانت سائدة آنذاك، في زمن النضال السري ضد الحكومات العسكرية في أميركا اللاتينية. أما فيلمه الثاني (الذي أخرجه عام 1967 مع رفيقه البوليفي غتينو) فهو فيلم “ساعات الأفران”. ومعنى العنوان في ترجمة أفضل من الترجمة الحرفية، هو “زمن اللهيب” أي اللهيب الثوري.

إنه فيلم تسجيلي طويل (4 ساعات) على ثلاثة أجزاء، يتناول من خلال الأسلوب الوثائقي التعليمي تاريخ النهب الاستعماري في أميركا اللاتينية. ويستخدم سولاناس في هذا الفيلم الخرائط والصور الفوتوغرافية والرسوم البيانية والإحصاءات والأرقام، مع تصوير مباشر تم سرا، للتناقضات الاجتماعية والاقتصادية في الأرجنتين، يكشف واقع السيطرة والنهب والاستغلال من جانب الاحتكارات الأميركية لثروات القارة. وكان الفيلم يعرض في السر، داخل الكنائس والمصانع وساحات القرى النائية، بغرض إيقاظ الوعي لدى الفلاحين والعمال، على أمل أن يلعب الفيلم دورا شبيها بدور السلاح في معركة التحرير.

ظهر فرناندو سولاناس في أواسط الستينات كداعية راديكالي للسينما الثورية في أميركا اللاتينية، وطالب في البيان الشهير الذي أصدره مع رفيقه البوليفي أوكتافيو غتينو عام 1964، إلى ضرورة صنع سينما جديدة

إلا أن سولاناس لم يتوقف عند الحدود الضيقة لسينما التحريض السياسي، فالخلفية الثقافية له تشير إلى أنه درس مبكرا التأليف الموسيقي، وتخصص في العزف على آلة البيانو، كما درس فنون الدراما والمسرح والفن التشكيلي. وبعد الانقلاب العسكري الذي وقع في الأرجنتين عام 1976 هاجر سولاناس واستقر في فرنسا حيث ظل هناك إلى ما بعد سقوط النظام العسكري عام 1983.

وقد ظل سولاناس ينتقل طيلة مسيرته السينمائية، بين الفيلم الوثائقي الخشن الثوري الذي يكشف ويعرّي القهر وأسباب التفرقة وينحاز إلى الطبقات الكادحة الفقيرة ضد السلطة، وبين الفيلم الروائي الشعري الذي يستخدم الرموز الثقافية في الأرجنتين مثل رقصة التانغو الشهيرة.

الولع بالتانغو

في فرنسا أخرج سولاناس فيلم “تانغو: منفى غارديل” (1985)، وهو عمل شاعري يعتمد على الموسيقى والرقص والتعبير بالصورة والحركة، عن إبداعات المهاجرين الأرجنتينيين المقيمين في باريس ومعاناتهم، وخلافاتهم السياسية والشخصية، والعلاقات العاطفية فيما بينهم، وحنينهم الجارف إلى الوطن وإلى الأهل والأصدقاء، الرغبة المشتركة التي توحد بينهم، رغبتهم في التحقق والحفاظ على الهوية، عن طريق الاشتراك معا في تقديم عرض راقص على الطبيعة، يعتمد على الإيقاعات السريعة المتدفقة لرقص التانغو، وعلى كلمات الشاعر الأرجنتيني كارلوتشي غارديل. ويصور الفيلم في النهاية الفرحة التي تغمرهم مع الإعلان عن سقوط الحكم العسكري، وفتح أبواب العودة أمامهم إلى أرض الوطن. وكان الفيلم مُهدى إلى الشاعر غارديل الذي عاش في فرنسا في الماضي، عقب الانقلاب الأول الذي وقع في الشيلي خلال الثلاثينات.

في الجنوب

في عام 1988 أخرج سولاناس فيلم “الجنوب” El Sur الذي يعدّ من أفضل أفلامه وأكثرها جمالا ونضجا واكتمالا، بل وتحقيقا لفكرة السينما الشعرية، التي لا تعتمد على سيناريو تقليدي محكم وتحليل منطقي للشخصيات، ودراما تسير إلى الأمام من خلال “حبكة” مصممة سلفا، بقدر ما تعتمد على تدفق المشاعر والأفكار والرؤى والتداعيات، باستخدام الإمكانيات التعبيرية الهائلة التي تكمن في الموسيقى والحركة والرقص والضوء ومحاكاة المسرح أحيانا، مع التحرر في السرد، والجمع في الأسلوب، بين الواقعية والانطباعية والرومانسية، بل والسوريالية التي تتضح في بناء العديد من المشاهد.

“الجنوب” هو حكاية المنفى الطويل، المنفى داخل الوطن، ثم العودة من المنفى، من السجن، والتحرر من المعاناة والضغوط القاسية، ومواجهة الحرية وما يترتب عليها من مواجهة محتومة مع الذات ومع الآخرين، والعودة إلى العالم الشخصي القديم، وإلى أحضان الأهل والزوجة والأصدقاء.

مشهد من أحد أفلام سولاناس
تدور أحداث الفيلم في ليلة واحدة، عقب سقوط الحكم العسكري مباشرة. البطل يعود، يقطع رحلة من الجنوب، من إقليم بتاغونيا الصحراوي في أقاصي الجنوب الأرجنتيني إلى بلدته التي لم يرها منذ سنوات بعيدة، أي منذ اعتقاله. وخلال سيره في شوارع البلدة تتداعى في ذهنه عشرات الصور من الماضي، ومن الحاضر، للذكريات الحميمية الدافئة التي تظهر فيها صور أصدقائه وزوجته التي يتطلع بلهفة، إلى لقائها بعد طول فراق، والارتماء بين أحضانها.

عشرات التساؤلات المقلقة تدور في خيال البطل، يجسدها سولاناس في لقطات خاطفة سريعة، تقطع السياق السردي، قبل أن نعود لنتابع رحلة البطل. ويقسم سولاناس فيلمه إلى عدة أقسام ترتبط بالبناء الموسيقي لفيلمه. وتتخذ العودة إلى الحرية شكل الحلم السوريالي، الذي يمتزج فيه الخيال بالواقع، والتداعيات بالذكريات، والكوابيس بالأشباح.

يبدأ الفيلم وينتهي بموسيقى “تانغو الجنوب” التي يعزفها على آلة الأكورديون رجل عجوز بإحدى ساحات البلدة، يصحبه شاعر يردد مقاطع من قصائد “الجنوب”. ويقول سولاناس إنه صنع فيلمه كتحية إلى أشهر عازف أكورديون في الأرجنتين وهو الموسيقار الشهير إيبالي ترويللو.

إنه فيلم عن الحب، وعن الحنين للعودة، وعما ينتظره المرء من مفاجآت وتغيرات بعد عودته من غيبة طويلة، ورغم أن الفيلم يدور بأكمله حول شخصية البطل العائد، إلا أنه أيضا فيلم عن المرأة، فالمرأة هي محور الحب، ومحور العذاب الشخصي للرجل.

يستخدم سولاناس في تصوير الفيلم مرشحات خاصة تمنح الصورة طابعا ضبابيا شاعريا، ويسود اللون الأزرق معظم مساحة الفيلم؛ ذلك الأزرق الذي يوحي بالشجن والعذوبة والرومانسية كما يضفي على المشاهد مسحة من الحزن. وتقع الأحداث كلها في الليل، فالليل -كما يرى سولاناس- هو وقت استدعاء الذكريات، وممارسة الحب، ووقت للحلم والسمر والموت.

ونحن لا نرى ضوء النهار الطبيعي، سوى مرة واحدة في النهاية، فالفيلم بأكمله بمثابة تصوير لعملية غروب ليل الدكتاتورية وطلوع فجر الحرية، في الصباح ينقشع الضباب، يختفي اللون الأزرق ببرودته ووحشته، تذوب أشباح الليل، وتعود موسيقى التانغو الجزلة تصدح في أرجاء المكان.

الرحلة

بدأ سولاناس تصوير فيلم “الرحلة” في بيونس أيريس عام 1990، وسط أجواء شديدة التوتر بينه وبين الرئيس الأرجنتيني الأسبق كارلوس منعم، الذي حاول إثناءه عن نشاطه السياسي المعارض لسياساته لكنه فشل، فما كان منه سوى أن أحال أمره إل القضاء بتهم مثل نشر الإشاعات والتضليل والكذب، لكن سولاناس نجح في دحض اتهامات منعم، وفي اليوم التالي عندما كان متوجها إلى قسم المونتاج في مبنى معامل السينما، أطلق مجهولون ست رصاصات عليه فأصيب إصابات بليغة، وظل عاجزا عن الحركة لأشهر عدة. وأشارت أصابع الاتهام وقتذاك، إلى الشرطة السرية، لكن الحكومة تسترت على الحادث ولم يُقدم الجناة للمحاكمة. أكمل سولاناس فيلم “الرحلة” عام 1992 وعرضه في مهرجان كان في العام نفسه، وفيه يمزج سولاناس بين قوة الوثائقي أو أسلوب سينما التحريض السياسي، وبين سينما النخبة المثقفة الخيالية المستندة إلى الواقع. إنه عمل كبير عن العلاقة بين الفردي والجمعي، وبين الذات والعام، وبين السياسي والرومانسي، أساسه البحث عن الهوية.

سولاناس خاض الانتخابات الرئاسية في العام 2007، وانتخب عضوا في البرلمان عام 2009، ثم ترشح لمنصب عمدة العاصمة الأرجنتينية بيونس أيريس عام 2011

يتابع الفيلم رحلة فتى في السادسة عشرة من عمره يدعى مارتن، من بتاغونيا في أقصى بقعة بجنوب الأرجنتين، هرب من المعاملة الفظة التي يلقاها من زوج أمه وقمعه له، يريد أن يدرس علوم الفلك. تقوده رحلته إلى العاصمة ومنها إلى بيرو ثم إلى بوليفيا والبرازيل وبنما. إنها رحلة في الزمان والمكان لاكتشاف القارة الجنوبية والعالم وفي الوقت نفسه، اكتشاف الذات. وعبر الرحلة يشهد بطلنا الشاب أشكالا متعددة للقهر والظلم والتخلف وانتشار الأوبئة، وأنماطا متباينة من الثقافات والحضارات القديمة، يلمح آثار المستعمر الإسباني وما تركه من تناقضات وتمزقات بين أوصال القارة الواحدة، ويرى كيف زحفت الاحتكارات الأجنبية لتقضي على مساحات شاسعة من الغابات الطبيعية في حوض الأمازون حيث يقيم السكان الأصليون.

يرى البروفيسور مات لوسادا، أستاذ اللغات اللاتينية الحديثة والآداب، أن سولاناس كان دائما يستخدم مصطلح “الجنوب” في أفلامه، منذ فيلم “ساعات الأفران” الذي نسمع فيه موسيقى “تانغو الجنوب” التي تثير الحنين إلى ضواحي بيونس أيريس الشعبية. هذا المصطلح المتعدد المعاني، الذي يعود ليظهر في الكثير من أفلامه، له مرادفات محددة للغاية. إن بيونس أيريس تنقسم إلى جنوب (بروليتاري) وشمال (غني بورجوازي). وكان سكان الجنوب هم الذين طالبوا الزعيم الوطني خوان بيرون بالعودة من المنفى عام 1945، وأشعلوا الأمل في الثورة خلال الستينات، وأصبحوا ضحايا للدكتاتورية في السبعينات، وتلاعب بهم كارلوس منعم في التسعينات. هنا يبحث سولاناس مجددا عن الأمل الذي يمتد ليشمل جنوب العالم، في مواجهة الشمال الصناعي الأمبريالي. هذا الإيمان بقوة الحراك الشعبي الذي يمكنه أن يحقق العدالة الاجتماعية، ظل لخمسة عقود يدفع سولاناس إلى تحدي ذلك التحالف غير المقدس، بين نفوذ الشركات، وبين الفساد السياسي، من خلال أعماله المليئة بالنقد.

ناقد من مصر

16