المخرج التونسي صالح الفالح: الكتابة والإخراج ليسا ترفا

الفالح يعتبر أن المسرح دعوة ضد الانسجام مع الواقع.
الأحد 2021/01/10
الفن هو ما يجعل الحياة محتملة

عرف المسرح التونسي الكثير من التجارب التي طورت منه وجعلته يرتقي إلى مراتب هامة في خارطة المسرح عربيا وعالميا، ولكن يحصر الكثيرون ذروة نضج المسرح التونسي في تجربة فرقة المسرح الجديد وأشهر رموزها الفاضل الجعايبي والفاضل الجزيري والحبيب المسروقي ومحمد إدريس وغيرهم، ممن كان وما زال لهم تأثير كبير على المسرح التونسي. بينما يغفل الكثيرون أجيالا أخرى لاحقة لتجربة المسرح الجديد، ما زالت تخط تجارب مسرحية مختلفة وتحفر في مناطق جديدة رغم قسوة المشهد الثقافي الذي يحتدّ عاما فآخر في تونس. “العرب” كان لها هذا الحوار مع المخرج التونسي صالح الفالح، الذي يعتبر من أهم التجارب المسرحية التي لها بصمتها في الساحة المسرحية.

يجمع التونسيون اليوم على أن المسرح التونسي يواجه مشاكل كثيرة قد تهدده في جوهره، ولعل أبرزها إشكاليات التلقي، حيث يتقلص جمهور المسرح عاما فآخر، بينما يتراجع مستوى الأعمال في ظل شح الإمكانيات والموارد.

كل العقبات من الممكن تخطيها عبر الوعي والحلم والعمل الفردي والجماعي، وهو ما يؤمن به المخرج المسرحي صالح الفالح، الذي تمكن عبر مسرحيات متنوعة، من “رسالة إلى أمي” إلى “ألبستك زينة” إلى “الماكرون” وبعدها عمله “حين رأيتك”، من ترسيخ بصمة خاصة له كتجربة مختلفة عن نظائرها، تجربة تقوم على رؤية فنية وفكرية وسياسية للعالم.

الكتابة والإخراج

"الماكرون" مسرحية تتميز بشعرية عالية وترسخ علاقة المسرح الوطيدة بالسياسة وبالقضايا النضالية من أجل حرية الإنسان وكرامته
"الماكرون" مسرحية تتميز بشعرية عالية وترسخ علاقة المسرح الوطيدة بالسياسة وبالقضايا النضالية من أجل حرية الإنسان وكرامته

العرب: مسرحك قائم على التذكر والنقد السياسي والوقوف بين الريف والمدينة.. أي مسرح يحلم به صالح الفالح؟

صالح الفالح: التذكر هو المعرفة والوعي بالصيرورة التاريخية، والنسيان هو الجهل. المعيش الآن والهنا غير مفصول عن الماضي والسابق واللحظات السابقة تشكل هذا الوجود الموجود، أيضا يعتبر التذكر بالنسبة إلى عملي حفرا في الذات، وذهابا إلى الأعماق.

التذكر رحلة إلى الصوت الخفي، الإنسان الأول. البحث عن مشاعر صافية بمعنى بيضاء. بحث عن مساحة أخرى لم يشتغل عليها.. إنه رحلة في الكائن.

المسرح هو فعل سياسي بدرجة أولى؛ إنك تعرّي، تفضح، تحاجج، تشكك، ترفض.أنت تقف ضد الظلم والاستغلال، تنتصر للحق، تجعل البديهي غريبا وغير مألوف، وبالتالي تدعو إلى التفكير وعدم القبول بالمسلمات. دعوة ضد الانسجام مع الواقع، لأن الانسجام فعل يغيب العقل لفائدة ملكة أخرى وهي الخيال والخيالي هو الذي يدعو إليه المسرح البرجوازي الذي يغيبك.

المسرح ولد في المدينة وارتبط بها، وفي الريف ارتبط بالحفل. الريف يفتقر لكل وسائل الترفيه. وتونس في حقيقتها هي مدينة ريف، أنت ذاك الذي نزل في ما مضى منذ زمن من الجبل، الهضاب، الأودية، المنازل المتفرقة وسوق الدواب، أين الوجوه الشاحبة والحزينة، أين قسوة الطبيعة وبردها وحرّها وغضبها، أين قصص الأمهات والجدات وشعر وأغاني الأعراس. ورقص الرجال وتقمصهم لأدوار النساء، أين الحلم بالحب والمضاجعة والعربدة والسكر حتى الفجر. وشح المعرفة وغياب الدولة هناك.

قدمت من هناك إلى المدينة “العاصمة” أين تتوفر إمكانات تحقق الأفعال والأحلام، في مدينة لا يهدأ اكتظاظها. زخم نساء جميلات، حانات كثيرة، مكتبات، نوادٍ، جامعات، حركة متواصلة. في نهايتها تجدها ضيقة صغيرة، ريف آخر، لذلك هي مدينة ريف. عدد ضئيل ومخجل للمسارح والمتاحف والحدائق، هي مدينة إدارة.

يغادرك الريف فتسكنك المدينة الريف. فيأتي الخطاب مراوحة بينهما تذكرا وثورة، انتفاضة من أجل أفق أوسع، مدينة أنوار، هكذا المسرح لا ينفلت من كل هذا.

العرب: الكتابة للمسرح هل هي أدب؟

صالح الفالح: الكتابة المسرحية هي جنس أو شكل من أشكال الأدب يختلف عن بقية الأجناس إذ يشترط على النص أو المسرحية أن يقدم على خشبة أمام المتفرج، لذلك هو أدب يراد به التمثيل والتشخيص لا يكتب ليقرأ فحسب، والآن تجاوز المسرح المعاصر مسألة حضور النص من عدمه، باعتبار أن مفهوم النص تحول من كونه الحوار والملفوظ إلى نص كلوحة منتجة للمعنى بما فيها من ألوان وحركة وطاقة. وبالتالي فإن النص هو كل ما يقوله العرض ويشير إليه.

العرب: الجمع بين الكتابة والإخراج هل يضرّ بالعمل؟

صالح الفالح: أنت تكتب مشروعك، تخطط له ترسم بيانا عنه، تقدم رؤيتك وحساسيتك، ذاتك المتداخلة المتشابكة المتعددة والمتناقضة.

أنت في هذا السياق المخرج المؤلف، تصارع نصك وتفاوضه، لا تغفل عنه، تجادله، تفجر دقائقه، ترتفع به إلى درجة القول والبوح، تجعله إنسانيا وحيا، وهذا ليس جديدا وغريبا عن المسرح. فالجمع قديم قدم المسرح، وهو خيار واختيار وضرورة ذاتية وموضوعية تجعلك أنت الأنا الأنت والآخر الهم، عدد متحول.

إن الكتابة والإخراج ليسا ترفا وإنما حياة وموت، مجامعة كاملة، امتلاك كامل، حلول وانصهار تام من اجل إنتاج المعنى.

المسرح والشعر

المسرح هو فن الشعر
المسرح هو فن الشعر

العرب: من الماكرون إلى حين رأيتك، شاهدناك ناقدا اجتماعيا وسياسيا جريئا، ما علاقة المسرح بالسياسة؟

صالح الفالح: على المسرحي أن يكون في الصف الأول، أن يواجه، أن لا يهادن، لا يتلاعب. مهمته أن يطرح الاستعجالي الملحّ، والمسكوت عنه، أن يشارك في الصراع الاجتماعي الطبقي أن يوضح الأسباب ويفضح المتسبب، أن يكشف الغايات ويفسر العلاقات بين الأشياء. لذلك عليه أن يقدم قراءته، أن يفكك الأشياء، ألّا يكون وصيا وسلطويا، بل محررا للفكر وداعما للحرية ومساندا للحقوق والمواطنة. لهذا يكون متصادما جريئا ناقدا، من أجل فعل التغيير والبناء والعدالة، كذلك هو المسرح مشروع الإنسان للإنسان.

العرب: أعمالك تتميز بشعرية عالية، ما علاقة المسرح بالشعر؟

صالح الفالح: المسرح هو فن الشعر، المسرحي هو شاعر يهيم في واديه، شاعر تراجيدي، كوميدي.

صديقي يعجبني شعرك كثيرا، هو شعر رصاصة، ينبه للحياة، للروائح، للحيوانات، للضوء، للألوان، للظل، للأحجام ، للذات، للآخر، للمجموعة، للعذابات والمشاعر، للحب، للجوع، للنهاية والبداية. شعر يسرد يحكي، يركب الأشياء، يكشف خلجات الذات والنفس.

قصيدة القطة: تموء وتنبش القمامة بحثا عن الطعام، هي بسيطة وعميقة وغير مألوفة، تجعلك تقف للحظة. كذلك هو المسرح يظل دائما شعرا حتى في أقصى حالاته الاجتماعية.

استيقاظ الحالمين

العرب: هل المسرح التونسي في أزمة اليوم؟

صالح الفالح: الأزمة لا تنتهي أبدا هنا… هنا بلد الأزمة، حيث التعفن بلغ أقصاه إنها أزمة وطن، أزمة مواطنة، أزمة شاملة، قوانين وتشريعات، قيم استراتيجيات، مجموعات، أفراد، متقبل، في ظل صعوبة في التشخيص.

هي أزمة متواصلة داخلية ومستوردة هي أزمة متنقلة ومتحولة ومتلونة والحلول هنا ترقيعية متناقضة ومتضادة، لأنها حلول جهة أو مجموعة، ليس هناك مشروع للإنسان الحر ووجوده في العالم، هناك فقط صراعات، الكل يريد التخلص من الباقي ولاشيء على الأرض من المسرح والفن والحياة. لا أمل إلا باستيقاظ الحالمين جميعهم.

المسرح للتغيير

المسرح المعاصر تجاوز مسألة حضور النص، وتحوّل مفهوم النص من الحوار والملفوظ إلى اللوحة منتجة للمعنى
المسرح المعاصر تجاوز مسألة حضور النص، وتحوّل مفهوم النص من الحوار والملفوظ إلى اللوحة منتجة للمعنى

العرب: انطلقت على رأس إدارة مركز الفنون الدرامية والركحية بمحافظة سليانة، أي مشروع تحاول تأسيسه في تلك المدينة العريقة والمهمشة؟ ما هي العراقيل التي تواجهكم على رأس المؤسسة وكيف يمكن تجاوزها؟ هل يمكن للمسرح تغيير وجه المدينة أو ترميمه؟

صالح الفالح: المركز هو الفكرة، المشروع، يحدث ليكون الاجتماع حولها، فيكون الفعل والعمل والبحث والأثر. المركز هو تأسيس لفكرة المجموعة وإعادة الاعتبار لها، باعتبار أن المسرح هو تعايش الأفراد والأفكار والألوان. فهو إطار استيعاب للمعاني والأنساق المتنوعة أي الأفكار الحرة. هو مجال يستأنس له الشباب فكرا وطاقة وعواطف.

المركز أيضا أكاديمية مفتوحة أبوابها للبحث والمختبرات والتوثيق والدراسات والإنتاجات يدخلها الكل، وأيضا تتنقل إليهم باعتبارها فكرة تبحث عن مساحة في عقل المتلقي وإحساسه. لذلك فهي مشروع مجتمعي. هكذا المركز هو افتراض وحتمية للتحقق.

الفن بإمكانه أن يزرع قيم الخير ويحث عليها ويحارب الأنانية والجشع والفساد، فالمسرح هو دعوة للحياة

سليانة كأغلب المحافظات التونسية عرفت تاريخا من التهميش والنسيان وغياب الدولة، باعتبار أن السياسات السابقة والمتتالية هي سياسات للزينة والإخفاء والمركزية.

لذلك حان الوقت لجعل فكرة اللامركزية واقعا حقيقيا وليس شعارا جعل هذه المدن الداخلية تستقطب الحياة لا منفرة لسكانها. خاصة وأنها تملك كل المقومات الطبيعية والتاريخية والاقتصادية والثقافية والبشرية. لذلك قد تكون فكرة المحليات أحد الحلول للنهوض بهذه “المدن المبيت”، وقد يكون الفعل الثقافي إحدى ركائز التغيير وجعل الحياة ممكنة هنا في الداخل. لذلك يصبح من الضروري الاستعجال في خلق وتوفير ظروف عمل تواكب انتظارات الناس وأحلام الفنان هنا والآن. توفير كل ما هو لوجيستي وموارد مالية وبشرية مختصة.

إن الفن هو ما يجعل الحياة محتملة، وبإمكان المسرح والفنون عامة أن يغيّرا وجه المدينة ويزرعا قيم الحياة والفرحة والسعادة. قد تصبح هذه المدن مدن الحفل والخروج إلى الفعل الجماعي. أين يوجد التكافل والتعاون والحب. أين لا يجوع الإنسان ولا يتألم مريض أو مسن. بإمكان الفن أن يزرع قيم الخير ويحث عليها ويحارب الأنانية والجشع والفساد فالمسرح هو دعوة للحياة.

لقد جئت إلى سليانة حالما، مغيّرا ومنفتحا. أريد أن يتحرك الكل من أجل الفعل الثقافي؛ مؤسسات وجمعيات وأفرادا وأهالي المدينة. لقاء جامع للتحادث والتثاقف والفعل. فالمركز ليس إنتاج مسرحيات هو أكبر من ذلك بكثير فالانتظارات أكبر (تشغيل، حركة ثقافية، تأطير، ترفيه، إبداع وتنشيط).

نحن نلجأ إلى الأصدقاء والفاعلين في هذا القطاع للمساهمة في الفعل المسرحي وتحقيق خصوصية للتجربة، وخاصة أنها تأسيسية على الأرض.

11