المخرج الثوري لم يعد يعيش في إيران

لم يتأخر المسؤولون الإيرانيون في توظيف فوز المخرج أصغر فرهادي بجائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي عن عمله “البائع”، واعتبروا أن ذلك انتصار على السياسة الأميركية وقرارات الرئيس دونالد ترامب التي تعارض مصالح إيران. وتوجت الدولة الإيرانية المحافظة المخرج الإيراني سفيرا للبلاد، في خطوة أكد مراقبون أنها جزء من السياسة الناعمة لطهران، التي ما كان للمخرج أصغر فرهادي أن يتحرك خارج حدودها بسهولة لو لم يكن هناك تفاهم ضمني يخدم مصالح الطرفين؛ المخرج في تقديم فنه، والدولة في تبييض صورتها وسجلها الحقوقي، لذلك تركز السينما على المواضيع الإنسانية بشكل كبير.
الأربعاء 2017/03/01
سينما تنطق بلغة الحاكم

طهران - السينما قادرة على تزييف الواقع وبناء وعي عقائدي وفكري وفق مصالح البلد المنتج للعمل السينمائي؛ مثلما هي قادرة على كتابة تاريخ وهمي وتصوير أحداث زائفة؛ وتعي إيران جيدا أهمية هذا المجال في التأثير في الرأي العام، وهي ولئن تضيق الخناق على مجال الفنون، إلا أنها تستعين بها في الوقت ذاته لتحقيق أهدافها.

وضمن هذه السياسة، يأتي إنتاج فيلم الرسوم المتحركة، الذي سيعرض قريبا في دور السينما الإيرانية، بعنوان “معركة الخليج الفارسي 2”. يصور الفيلم مواجهة مسلحة بين الحرس الثوري الإيراني والبحرية الأميركية، والغلبة تكون فيها للإيرانيين.

وقال فرهاد عظيمة، مخرج الفيلم، إنها صدفة مذهلة أن يتزامن عرض الفيلم، الذي استغرق إنتاجه أربعة أعوام، مع وصول رئيس أميركي يريد إشعال حرب في البيت الأبيض.

وقال في مقابلة هاتفية، من مدينة مشهد في شرق إيران “آمل أن يظهر الفيلم لترامب كيف سيلاقي الجنود الأميركيون هزيمة مذلة إذا هاجموا إيران”.

يبدأ الفيلم الذي تبلغ مدته 88 دقيقة بهجوم من الجيش الأميركي على مفاعل نووي إيراني ومن البحرية الأميركية في الخليج العربي على مواقع استراتيجية في جميع أنحاء البلاد. ويرد الحرس الثوري الإيراني بكامل قوته ويطلق صواريخ باليستية على السفن الحربية الأميركية. تغرق كل السفن وينتهي الفيلم وقد تحولت السفن الأميركية إلى أحواض لأسماك في قاع البحر.

ورسمت شخصية القائد الإيراني الرئيسي في الفيلم مثل قاسم سليماني، قائد الحرس الثوري الإيراني، الذي يشرف على العمليات العسكرية الإيرانية ضد الإسلاميين المتشددين في سوريا والعراق. وذكر فرهاد عظيمة أنه سعى للتواصل مع سليماني لضمان أنه لا يعارض ظهوره في الفيلم لكنه لم يتلق ردا، لكن شخصيات بارزة مقربة من سليماني طلبت من المخرج أن يحتفظ بالشخصية، لكن يسقط اسم قاسم في النسخة النهائية من الفيلم. وقال المخرج، البالغ من العمر 35 عاما، “هوليوود أنتجت الكثير من الأفلام ضد إيران. هناك الكثير من ألعاب الكمبيوتر التي يهزم فيها جنود أميركيون بلادنا. وهذا الفيلم هو رد على هذه الدعاية”. وتابع “رسامونا لا يعملون من أجل المال لكن من أجل معتقداتهم وحبهم لبلادهم”.

إيران تعي جيدا أهمية هذا المجال في التأثير في الرأي العام، وهي ولئن تضيق الخناق على مجال الفنون، إلا أنها تستعين بها في الوقت ذاته لتحقيق أهدافها

ويعتقد المخرج أن الشبان الإيرانيين أبدوا اهتماما بالفيلم لأنهم “يريدون أن يريهم شخص ما قوة بلادهم”. وفي خضم الجدل الذي أثاره الإعلان التسويقي للفيلم وضجة على مواقع التواصل الاجتماعي، وعمل الآلة الإعلامية على الترويج للفيلم، جاء فوز فيلم “البائع” للمخرج الإيراني أصغر فرهادي بجائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي، ليدعم هذا التوجه.

وكتب وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في تغريدة بعد لحظات على منح الجائزة “أنا فخور بالأوسكار وبموقف ممثلي وفريق فيلم ‘البائع‘ من منع المسلمين” من دخول الولايات المتحدة.

ورأى الساسة الإيرانيون في موقف فرهادي، الذي رفض الحضور لحفل الأوسكار، اعتراضا على قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب منع مواطنين من دول إسلامية، بينها إيران، دعما لبلادهم، فيما عنونت وكالة أنباء العالم الإيرانية خبر فوز ترامب بـ“السينما الإيرانية تنتصر على ترامب”.

وفي ذات السياق، تتنزل تهنئة مدير هيئة السينما الإيرانية حجة الله أيوبي، فرهادي، الذي سبق وفاز بالأوسكار في العام 2012 عن فيلم “انفصال”، واصفا إياه بأنه “السفير المعبر عن ثقافة إيران الإسلامية وحضارتها”.

ورغم المنحى السياسي الذي أخذه فوز فرهادي، إلا أن المخرج الإيراني نادرا ما يتدخل في السياسة أو يعبر عن مواقفه، وذلك على غرار الكثير من السينمائيين والفنانين الذين يعيشون داخل إيران ويفضلون عدم الإدلاء بمواقفهم ضمانا لمصالحهم؛ فيما تسهل السلطات عملهم لأنهم يقدمون الصورة المختلفة عن البلاد في المحافل الدولية ويساهمون في تلميعها، خاصة وأن مواضيعهم تتركز في الغالب على القصص الإنسانية.

وكما قال الكاتب الإيراني أمير حسن تشهلتن “المخرج الثوري لم يعد يعيش في إيران، فمن يريد أن ينتقد السياسة الإيرانية ورجال الدين عليه أن يكون في المنفى. فقد تعلم الجميع في إيران إخفاء اشمئزازهم، بل وحتى غضبهم وسخطهم، لأنهم جميعا يخشون من البوح بأفكارهم. وتعلم الجميع أيضا أن يعبروا عن أفكارهم بلغة حكامهم”.

سينما إيرانية في تركيا

في إطار الحديث عن دور السينما في دعم السياسة الإيرانية، يتوقف المتابعون عند مهرجان السينما الإيرانية الذي عقد مؤخرا في تركيا. ومرد الاهتمام بهذا المهرجان كونه الأول من نوعه الذي يعقد في تركيا، ويأتي بالتزامن مع تصعيد متوتر في العلاقات بين أنقرة وطهران على خلفية القضايا السياسية في المنطقة.

كيومارس بوراماد: هناك مهرجان سينمائي واحد فقط في إيران ويخضع لسيطرة الحكومة

ويشير المخرج الإيراني الشهير كيومارس بوراماد، الذي ترأس رئاسة لجنة التحكيم في مهرجان السينما الإيرانية الأول في تركيا، إلى أن “انعقاد المهرجان السينمائي الإيراني لأول مرة في تركيا يعتبر من أهم الأحداث التي ستحدث ضجة سينمائية في إيران، حيث لا تسمح الحكومة الإيرانية عادة بانعقاد مثل تلك المهرجانات خارج البلاد، مما أدى إلى حدوث مشاكل عديدة في الماضي، نذكر منها منع العديد من المخرجين الذين تم ترشيحهم لجائزة الأوسكار من مغادرة إيران لحضور حفل توزيع الجوائز”.

ووصف في تصريحات لصحيفة دايلي صباح التركية، تركيا بأنها المكان الأفضل لعقد ذلك المهرجان عن أي بلد آخر في الجوار كاليونان وجورجيا بحجة أنها الأقرب ثقافيا لإيران، التي وإن ذاع صيتها في مجال الفن السابع إلا أنها تضيق الخناق عليه، ما لم يخدم توجهاتها.

ويذكر المخرج الإيراني أن هناك مهرجانا سينمائيا واحدا فقط ينعقد بإيران ويخضع لسيطرة الحكومة بشكل مباشر. وتتم فيه معرفة المرشحين للجوائز مسبقا ويرى أن هذا ليس عادلا. وعبّر عن رفضه لهذه السياسة التي تسيطر بمقتضاها الدولة على السينما.

ويرجع تاريخ السينما الإيرانية إلى 130 عاما. وجاءت أول كاميرا لإيران خلال فترة حكم الشاه ناصر الدين القاجاري، وسمي أول فيلم إيراني بـ”الفتاة الغجرية”. وتتزامن تلك الفترة أيضا مع ولادة السينما الفرنسية، حيث صور الأخوان لوميير أول فيلم فرنسي لقطار أثناء دخوله المحطة.

سينما الدولة

قال بوراماد “نعم، ندرك حجم الإنجازات التي حققناها، ونعلم أننا قطعنا شوطا طويلا حتى الآن، ولكن بحلول الثورة بدأت الأمور تتغير للأسوأ. وبعد أن كنا وصلنا غلى درجة جيدة من النجاح، يبدو أن كل شيء تراجع إلى الوراء مرة أخرى وأعتقد أننا لا نحرز أي تقدم في الوقت الراهن”.

ردا على سؤال بشأن عملية الإصلاح في إيران ومساهماتها في المشهد الفني والسينما في إيران، ربط بوراماد بين الماضي والحاضر قائلا “في الواقع، كان هناك ركود ملحوظ في صناعة السينما، وكان أغلبية الملالي يعتمدون منهاجا مشككا ومنفرا ضد السينما. ولا أعمم قولي هذا على كل الملالي، فبطبيعة الحال كان هناك من كانوا يدافعون عنها مثل محمد خاتمي وهاشمي رفسنجاني”.

وأشار بوراماد في حواره إلى الرئيس الإيراني الحالي حسن روحاني، الذي لعب دورا مهما في التطور الذي طرأ على صناعة السينما مؤخرا قائلا “يجب علينا الحصول على تصريح من الحكومة لتنظيم مثل هذا المهرجان خارج البلاد وهو من ضمن العقبات التي مازلنا نواجهها حتى الآن. ولا أقصد الحصول على تصريح من الحاكم وإنما من الجهات والسلطات السياسية”.

ويتطلع بوراماد إلى مستقبل أفضل للسينما الإيرانية على الرغم من مخاوفه التي أعرب عنها؛ وهي ذات المخاوف التي تواجه صناع المسلسلات والعاملين في قطاع التلفزيون، وفق ما صرح به المخرج الإيراني الذي بدا متشائما وهو يتحدث في حواره مع “دايلي صباح” بشأن صناعة التلفزيون في بلاده التي تزداد سوءا، مؤكدا على أن “المسلسلات تخضع لسيطرة الحكومة، حيث يتم بث ست قنوات فقط على التلفزيون الإيراني، وتعرض المسلسلات في شهر رمضان وعيد النيروز فقط”.

12