المخرج السينمائي السوري عمر أميرالاي شهيد الثورة الأول

الجمعة 2014/02/14
عمر أميرالاي سينمائي مناضل بالعدسة

دمشق - حول بحيرة الأسد، يمتدّ بلد اسمه سوريا الأسد. من سوريا الجديدة هذه اختار عمر أميرالاي قرية. هذه القرية وأهلها وحتى بئر الماء فيها اسمها الماشي. قرية يحكمها شيخ عشيرة هو نائب في مجلس الشعب، يعاونه ابن أخيه مدير المدرسة ومسؤول الحزب. إنها بعبارة أخرى عيّنة من بلد يحكمه حزب البعث منذ أكثر من أربعين عاما دون منازع..

في قرية “الماشي” هذه، صوّر المخرج السوري الراحل فيلمه الوثائقي “طوفان في بلاد البعث” سنة 2003. ومن دون تعليق كثير أو نقد، يترك عمر أميرالاي الصورة تنساب كما هي لتروي لنا حكاية القرية في الفترة التي تلت تولّي بشار الأسد الحكم، بعد وفاة والده الرئيس حافظ الأسد.

أميرالاي ولد في دمشق عام 1944 لأب كان ضابطا سابقا في الجيش العثماني وأم لبنانية.

وفي عمر 21 عاما، انتقل إلى باريس حيث درس في المعهد العالي للدراسات السينمائية، لافيمي.

وحاول تسجيل أحداث ثورة الطلاب من جامعة مونتير عام 1968، أنجز العديد من الأفلام التسجيلية للتلفزيون الفرنسي منها “مصائب قوم”، و”عطر الجنة” و”الحب الموؤود”، و”فيديو على الرمال”، و”العدو الحميم”، وفيلم “إلى السيدة رئيسة الوزراء بنازير بوتو”، حين تشكّلت هويته اليسارية والتزم العمل السينمائي كوسيلة تعبير “على متاريس الحي اللاتيني”.

وليعترف أنه لا يعتقد بمنطق السلطة، “والدي توفي وأنا في سن مبكرة، فنشأت حكما في غياب مصدر السلطة هذا”.


دائرة أوسع

في عام 1970، شعر أميرالاي أن أمرا مهما وإيجابيا حصل في سوريا (انقلاب حافظ الأسد في ذلك العام)، وقال أميرالاي وقتها إنه يريد توثيق “التغيير الإيجابي” الذي يقوم به النظام البعثي الجديد.

في أول أفلامه “محاولة عن سدّ الفرات” 1970 في 16 دقيقة ذهب إلى منطقة الفرات في قرية مويلح في منطقة دير الزور، وصنع فيلما تسجيليا عن السدود التي يقيمها النظام الجديد على النهر، حيث رصد عمر الحياة والواقع الريفي المهمل وحاول تأسيس علاقة عضوية مع هذا الواقع لا تنتهي بانتهاء الفيلم التسجيلي.

فيلم “محاولة عن سدّ الفرات” هو أول أفلام الثلاثية الوثائقية عن نهر الفرات، التي قام خلالها المخرج بتوثيق تأثير السد على حياة الناس، بعدها تعرّض أميرالاي إلى حملة عدوانية مشدّدة وكريهة من السلطة الحاكمة، نابعة من اتهامه بتشويه صورتها.

كان يؤكد مرارا على أنه ليس سياسيا. وبصفته عضوا في “المجتمع المدني الجديد”، في عام 2000، كان من بين 99 مثقفا سوريا وقعوا على عريضة تحث الرئيس المنتخب حديثا بشار الأسد على رفع قانون الطوارئ، الذي وضع عام 1963. وفي عام 2005 انضمّ أميرالاي إلى إعلان دمشق الذي تضمّن أيضا إصلاحات وانتقال سوريا من الحكم الاستبدادي إلى الديمقراطية.

ونظرا لإيمانه بالديمقراطية، وقع أميرالاي -مع نشطاء في حقوق الإنسان وشخصيات سورية أخرى بارزة- على بيان أثنوا فيه على ثورتي تونس ومصر. يصف العلاقة بين النخب العربية والغربية بأنها علاقة تحكمها طبيعة النظام العالمي، مجتمعات متقدمة تنتج حضارتها ومعرفتها ومجتمعات تابعة أو مستهلكة. فالمثقف الغربي على حدّ قول أميرالاي، لا يفهم عدم قدرة المثقف العربي على القيام بدوره الطبيعي في تطوير مجتمعه في ظل قيود النظام العربي.


قاطر ومقطور


يعتبر أميرالاي أن هذا التفاوت الجوهري، بين “عالم قاطر وعالم مقطور”، سيبقى على ما هو عليه حتى نقوم بثورتنا الداخلية التي “تطيح حثالتنا الحاكمة” وتفتح قدراتنا الهائلة على العلم والمعرفة.

واعتبر الفن مجالا مفتوحا لإلغاء الحدود بين المجتمعات لأنه لا يتأثر كثيرا بهذا التفاوت الحضاري باعتباره مخزونا تاريخيا مشتركا في المعرفة والثقافة والفنون، ما يمكّن المبدع العربي من إنتاج أعمال تنتمي إلى معايير معاصرة بعيدا عن ضوابط الواقع العام وخصوصية المجتمع الذي ينتمي إليه.

بالعودة إلى شريط “الطوفان” وفي البداية، يظهر أطفال بزيهم العسكري الموحد داخل قاعة دراسية في قرية زراعية وهم يرددون: “نحن طلائع البعث نحيّي قائدنا بشار الأسد”، ثم ينشدون “نحن صوت الكادحين”.

هذا المشهد لم يكن سوى بداية الفيلم الذي يشكل لائحة اتهام قاسية للنظام. هكذا يتحرك الفيلم ببطء من الطلاب إلى المعلمين إلى المسؤولين الحكوميين، ومع الجميع يردّد بالضبط نفس المديح للرئيس وشعارات تمجّد الحزب، مع اللازمة التي تتكرر طيلة الفيلم: “بعث”.. “بعث”.. “بعث”…

في 6 فبراير 2011 غادر عمر أميرالاي حياتنا قبل أن يرى أبناء سوريا ينادون للحرية.

17