المخرج عبداللطيف عبدالحميد يستعيد شغفه بالبيئة الريفية

"الطريق" فيلم سوري يرصد أحلام الطفولة البريئة وسط عالم متحول.
السبت 2021/05/29
الطريق أكثر من ممر يعبره الناس

فيلم “الطريق” محاولة سينمائية جديدة للمخرج السوري عبداللطيف عبدالحميد يعود من خلالها لتقديم عوالمه السينمائية التي تقدّم تفاصيل ريفية بسيطة مفعمة بالحياة. هو فيلم يروي بكثير من الشجن حكايات أشخاص يرومون حياة أفضل، متجاوزين المصاعب التي يمكن أن تعترض سبيل وصولهم إلى التحقّق.

دمشق - يتقاطع فيلم “الطريق” الذي تنتجه حاليا المؤسسة العامة للسينما للمخرج السوري عبداللطيف عبدالحميد مع أفلامه الأولى التي قدّمها في إطار البيئة الريفية التي تسكنه بشغف.

وفي الفيلم شخصيات عديدة تتضافر مصائرها لتحريك الأحداث نحو الوصول إلى سرد حكاية ريفية بسيطة تتصدّر فيها علاقة طفل بجده ومحيطه مساحة الحدث، وتتشكّل حولها فسيفساء متلونة لمصائر العديد من الشخصيات والأحداث.

البطولة للطريق

الحب طريق أبدي للتحقق
الحب طريق أبدي للتحقق

يبدو الطريق في الفيلم صاحب البطولة المكانية في رواية تفاصيله، حيث يكون أكثر من مجرد طريق عادي، تمرّ عبره الناس والحيوانات والأشياء، ليغدو ممرّا لحيوات ومصائر وأماني ونكسات وإحباطات يعيشها أبطال القرية وسجلا لها وعنها.

يقدّم الفيلم نماذج من شخصيات مأزومة لا تهدأ في البحث عن إمكانية الخروج بحلول، كما يقدّم شخصيات تدور في رحى قسوة الحياة فتسحقها تحت ضرباتها العنيفة. وكعادته يوجد عبداللطيف في لعبته السينمائية عددا من الشخصيات التي قد تبدو غرائبية وطريفة، لكنها في الفيلم ضرورية، وتحمل ما يبرّر حضورها ويجعلها حجرا أساسا في المشهدية العامة للعمل كما في شخصيتي الرجل الغاضب والمثقف غير المتزن.

ويتخلى عبدالحميد في الفيلم عن أجواء المدينة التي قدّمها في العديد من الأفلام ليعود إلى الريف الذي مثّل انطلاقته السينمائية الأولى، من خلال فيلميه الشهيرين “ليالي ابن آوى” الذي قدّمه عام 1989 و”رسائل شفهية” الذي قدّمه بعد عامين.

ومعروف عن المخرج أنه قدّم إضافة لما سبق أفلاما صارت من كلاسيكيات السينما السورية الحديثة، منها فيلمه الشهير “نسيم الروح”، كما قدّم  فيلمه “صعود المطر” وهو الوحيد الذي خرج عبره عن مزاجه السينمائي المعهود مستعرضا سينما سريالية غير تقليدية تحاكي أفكارا إنسانية عميقة. كما قدّم في فيلمه “العاشق” بوحا سينمائيا يتقاطع مع الكثير من هواجس المواطن السوري في الوقت الحالي، بما فيها الواقع السياسي.

عبداللطيف عبدالحميد: الطريق مجازا هو مجموعة مقترحات فيها من يصل، وفيها من يتردّد وفيها من يضل الطريق

وفي فيلم “الطريق” مشهدية ريفية بسيطة وحكاية قد تجري في أي قرية ريفية في العالم، والشخوص الموجودون فيه أناس ينتمون لبيئتهم التي تلوّنها تفاصيل حياتية دافئة، رغب الفيلم في إلقاء الضوء عليها وتقديمها بآمالها وخيباتها التي تعصف بها في أنواء الحياة.

ويكتب عبدالحميد عن فيلمه، قائلا “الطريق عنوان سنجد معناه الحقيقي في حادثة بسيطة تتعلق بتهمة الطفل صالح بالغباء، هذه التهمة التي غيّرت مجرى حياة الطفل، وغيّرت مجرى حياة الجد صالح الذي أوكل لنفسه مهمة تحويل الغباء الإدراكي الخاص للطفل إلى ذكاء معرفي وجمالي كرجل. الطريق مجازا هو مجموعة مقترحات فيها من يصل، وفيه من يضل الطريق، وفيه من يتردّد ويردّد أفكارا ومقولات.. وفيه وجوه لمن لا تقدّم لهم الحياة دواء للبغضاء. في هذا الطريق تطير كفراشة عنيدة قصة حب تنتهي نهاية سعيدة”.

وفي أول يوم من تصوير للفيلم كتب المخرج عبدالحميد مخاطبا روح زوجته السوفيتية لاريسا التي رحلت عنه قبل فترة وجيزة “لاريسا.. رفيقة عمري ودربي، يعزّ عليّ أن أبدأ تصوير فيلمنا الجديد ‘الطريق’ ومقعدك لأول مرّة إلى جانبي فارغ، لكن كوني على ثقة بأنك حاضرة في دمي وروحي وإلى جانبي.. روحك تحوم حولي كفراشة جميلة، صباح الخير يا حبيبتي”.

ورافقت لاريسا المخرج عبدالحميد منذ ثمانينات القرن الماضي، في كل أعماله  كمصمّمة للأزياء، وهي بدأت معه مرحلة التحضير  لتنفيذ هذا الفيلم، لكن القدر لم يسمح لها بالمتابعة، فرحلت قبل أشهر، تاركة شريكها في الفن والحياة لأول مرة مواجها مصاعب تنفيذ عمله بمفرده. لكن طيف لاريسا الذي لا ينساه عبدالحميد ويتذكّره كل العاملين في الوسط السينمائي السوري كان حاضرا بقوة من خلال المئات من التفاصيل التي كانت تتراءى أمام الأعين مستذكرة جديتها الكبيرة في العمل وإصرارها على تنفيذه في أحسن حالاته.

وجوه جديدة

شجن الحكايات والمآلات
شجن الحكايات والمآلات

غيث ضاهر، الطفل اليافع الذي يلعب دور صالح الصغير، والذي تدور معظم حكاية الفيلم حوله، درس فن التمثيل من خلال مشروع “بوكرة إلنا” الذي يقوم به نادي المحافظة في مدينة دمشق، على يدي مدربين محترفين في فن التمثيل، وهو يشارك للمرة الأولى في التمثيل.

ويقول عن مشاركته في الفيلم “أحببت هذه المشاركة، أحب التمثيل وأرغب في المتابعة، فرغم كوني ملتزما بالدراسة خاصة في هذا العام وهذا الوقت تحديدا، لكنني جئت إلى هنا لكي أقوم بتأدية دوري فيه، أحببت العمل في هذه الأجواء الهادئة”.

ويضيف “مخرج الفيلم يحيطني بالرعاية التامة وكل فريق الفيلم يدعمني في ظهوري الأول في عالم السينما”.

كذلك تظهر الطفلة رند عباس في دور جديد عليها بشخصية إلهام الطيبة الجميلة التي تكون على مقربة من شخصية صالح، تحدّثت عن شخصيتها “أحببت هذه الشخصية التي تتعامل بلطف مع الناس، وقد تعبت كثيرا في التعامل معها حتى وصلت إلى تقديمها بالشكل الذي أراده مخرج الفيلم. الجميع كان متعاطفا وداعما لي، والتعامل مع المخرج عبداللطيف عبدالحميد كان في أجمل وأحلى حالاته، وأنا شغوفة جدا لكي أشاهد الفيلم حين عرضه، وأرجو أن أكون عند حسن ظن الجميع”.

الفيلم يقدم نماذج من شخصيات مأزومة لا تهدأ في البحث عن حلول تخرجها من رحى قسوة الحياة وضرباتها العنيفة

أما مدرّس الرياضيات نبراس ملحم، فيقدّم بدوره أولى تجاربه في الفيلم الروائي الطويل عبر شخصية أستاذ مادة الرياضيات، وهو الذي لم يدرس الفن، بل درس علوم الطب، ليتخصّص في جراحة التجميل. يبيّن سبب تقديمه هذا الدور في الفيلم، قائلا “أحببت التمثيل منذ الصغر، وكانت رغبة متجذّرة لديّ بأن أبقى على تواصل مع هذه المهنة، ولم تنطفئ جذوة المتابعة في قلبي، كنت أتمنى أن أعمل في السينما إلى أن جاءت الفرصة في هذا الفيلم الذي أقدّم فيه شخصية مدرس مادة الرياضيات الذي لا يتعامل معها على كونها علما فقط، بل هي نسيج فلسفي يقدّم نتائج عقلية لمقدّمات محددة يطرح أسئلتها عقل متقد”.

وتقول رباب مرهج عن الشخصية التي تقدّمها في الفيلم “تتمحور حول زوجة مخدوعة، وهي تمرّ كما باقي الأشخاص من ذاك الطريق الذي يكتب عنه البطل، وتحكي للطفل والجد ما يحدث معها، الشخصية صعبة ومعقدة، ولكي نستطيع إيصال أداء الشخصية بطريقة صحيحة، يجب أن نمتلك مخزونا كبيرا عن تاريخ هذه الشخصيات”.

وعن تعاونها مع عبدالحميد، تقول “تجربتي مع المخرج عبدالحميد الكبير بحجمه السينمائي وتاريخه، هي تجربة مليئة ومهمة وخاصة جدا، وهي التعاون الثاني معه بعد فيلم ‘العاشق’.. عند انتهاء التصوير معه تستمر الشخصيات دائما معي، فلا تموت أبدا وهو شيء خاص جدا في العمل معه دونا عن مخرجين آخرين، فضلا عن شعور الفرح الذي يغلب التوتر والقلق، وأتمنى أن يحقّق العمل النتائج المرجوّة”.

أما مأمون الخطيب، فيقول “هو تعاوني الثاني مع الفنان عبدالحميد بعد فيلم ‘ما يطلبه المستمعون’، سعيد بهذا التعاون خاصة أنه مع مخرج مهم. أشارك في دور لطيف جدا حساس وله دلالاته. فهو رجل بسيط يمرّ بشكل متكرّر بهيئة عبثية، شخصية تمتلك خطا واضحا وصريحا وعندها مشاكل صحية تطرحها على شخوص الفيلم.. لا يمكن الحديث عن الشخصية بمقدار ما يجب مشاهدتها”.

وصوّر فيلم “الطريق” في جبال الساحل السوري في منطقة دريكيش ومحيطها، وشارك فيه مجموعة من الفنانين السوريين من بينهم موفق الأحمد وغيث ضاهر ومأمون الخطيب ومحمد شمّا ورباب مرهج وأحمد كنعان ورند عباس وتماضر غانم وماجد عيسى ونبراس ملحم وعدنان عربيني وراما الزين وعلاء زهرالدين وهاشم غزال وخالد رزق. وهو من سيناريو وحوار عبداللطيف عبدالحميد وعادل محمود، ومن إخراج عبدالحميد.

عاشقان صغيران تحت زخات حب ماطر
عاشقان صغيران تحت زخات حب ماطر

 

14