المخرج فرنشيسكو روزي أعلن الحرب على المافيا ووقع في غرام "الموت المعلن"

الأحد 2015/03/15
في ثلاثين سنة أخرج روزي عشرين فيلما

غيّب الموت أخيرا المخرج الإيطالي الكبير فرنشيسكو روزي الذي يعدّ أحد أهم السينمائيين في العالم (توفي في العاشر من يناير 2015 عن 92 عاما). ويتفق معظم النقاد على اعتبار روزي المؤسس الأول للتيار الحديث الذي عرف بـ”تيار الفيلم السياسي” في إيطاليا منذ فيلمه الأول “التحدّي” (1957). وقد عزز روزي بعد ذلك اتجاهه إلى تناول التناقضات السياسية الجادة في المجتمع الإيطالي برؤية نقدية، من خلال أفلامه الجريئة “الأيدي فوق المدينة” و”سلفاتوري جوليانو” و”قضية ماتيه” و”لاكي لوتشيانو” و”جثث لامعة” و”توقف المسيح في إيبولي”. وكان روزي قد بدأ عمله السينمائي عام 1948 مساعدا للمخرج الإيطالي الكبير فيسكونتي في فيلمه الأشهر “الأرض تهتز″.

وقد كرمه مهرجان فينيسيا بمنحه جائزة الأسد الذهبي عام 2012 عن مجمل انجازه السينمائي.

أخرج روزي عشرين فيلما روائيا طويلا في الفترة من 1958 إلى 1997. وفي تاريخ روزي فيلم واحد اعتبره هو بمثابة سقطة في مسيرته الفنية هو فيلم “كان ياما كان” الذي قام ببطولته عمر الشريف وصوفيا لورين، وهو فيلمه الوحيد الذي أخرجه في هوليوود وجاء ناطقا باللغة الأنكليزية، وكان بعيدا كل البعد عن أسلوبه الواقعي الصارم. وبعده لم يحط روزي قط رحاله في قلعة السينما الأميركية.

في فيلمه الشهير “قضية ماتيه” الذي تقاسم الجائزة الكبرى للجنة التحكيم في مهرجان كان عام 1972 مع فيلم “تحقيق مع مواطن فوق مستوى الشبهات”، كلاهما من بطولة الممثل العملاق جيان ماريا فولونتي، يفتح روزي ملف مقتل أنريكو ماتيه مؤسس ورئيس شركة النفط والغاز الوطنية الإيطالية (إيني) التي اكتشفت الغاز في وادي بو شمال إيطاليا، وكان رجلا وطنيا يسعى إلى تحقيق استقلال بلاده اقتصاديا عن الاحتكارات الأميركية.

كان ماتيه أيضا، مؤمنا بحق الشعوب في تقرير مصيرها، وبالتالي أيد وساند علانية حق الشعب الجزائري في الاستقلال عن فرنسا مما أثار غضب الجيش السري الفرنسي، تلك المنظمة الإرهابية التي شكلها ضباط من جيش فرنسا في الجزائر لمقاومة الخروج من الجزائر (وهي إحدى بلدان النفط والغاز أيضا) واتهمت تلك المنظمة أيضا، ضمن جهات أخرى، بالضلوع في اغتيال ماتيه.

في تاريخ روزي فيلم واحد اعتبره هو بمثابة سقطة في مسيرته الفنية هو فيلم “كان ياما كان” الذي قام ببطولته عمر الشريف وصوفيا لورين

وقد زار ماتيه عددا من الدول العربية للتفاوض حول استخراج النفط بشروط عادلة وأعلن أن شركته سوف تتقاسم العائدات مع البلدان المصدرة للنفط والغاز بنسبة متساوية، وقام بتوقيع صفقة لاستيراد النفط الخام من الاتحاد السوفيتي، كما بدأ مفاوضات مع الصين بغرض تزويدها بالنفط. وأصبحت شركة إيني في عهده إمبراطورية كبرى، واعتبرت دولة داخل الدولة، وكان ماتيه يتحرك ويسافر ويستقبل مثل رؤساء الدول، وكان شخصية كاريزمية تملك التأثير في السامعين، وكان يلقي الخطب التي تؤيد حقوق العمال، واعتبر لهذه الأسباب كلها خطرا شديدا يجب التخلص منه. وقد قتل ماتيه عام 1962 في حادث غامض عندما سقطت طائرته وتحطمت قرب ميلانو، ويشير روزي في فيلمه إلى أن الحادث كان مدبرا، للتخلص من رجل يهدد مصالح الدول التي تسعى إلى الهيمنة وعلى رأسها الولايات المتحدة.

يقوم الفيلم على أسلوب التداعيات، وتحليل الحدث من زوايا عدة، على طريقة فيلم “زد” الشهير لكوستا غافراس، ويعتمد بالتالي على المونتاج التحليلي الدقيق، الذي لا يهتمّ كثيرا بتدفق المشاهد لتحقيق الإثارة، بل بوضع الحقائق جنبا إلى جنب من زوايا مختلفة، رغبة في تكوين صورة متكاملة عمّا يمكن أن يكون قد حدث في الواقع. والطريف أنه خلال العمل في الفيلم كان روزي قد كلف الصحفي ماورو دي ماورو بالبحث في احتمال ضلوع المافيا في الحادث، فما كان إلا أن اختفى دي ماورو ولم يظهر له أثر بعد ذلك حتى يومنا هذا.


المافيا والسياسة


اهتمّ روزي كثيرا بالتحذير من نشاط المافيا الإيطالية وكشف علاقتها بالسلطة السياسية اليمينية في إيطاليا منذ ما قبل الحرب العالمية الثانية وما بعدها.

عبقري السينما الإيطالية كان مغامرا في الإبداع وجريئا في طرح الأفكار

يروي فيلمه الأول” التحدّي” (1958) قصة باسكوالي نولا زعيم عصابة كامورا الإجرامية التابعة للمافيا الإيطالية، وكيف نجح في توثيق صلات المافيا بالحكومة الإيطالية اليمينية بعد الحرب، وصراعه مع زعيم لعصابة أخرى في صقلية، وعلاقته بزوجته ملكة جمال إيطاليا السابقة بوبيتا ماريسكا. وفي فيلم “الأيدي فوق المدينة” الفائز بالأسد الذهبي في مهرجان فينيسيا 1963، يقوم رود شتايجر بدور إدواردو نوتولا، وهو رجل أعمال متخصص في بناء وبيع العقارات السكنية، ينتخب ليصبح عضوا في مجلس بلدية نابولي، ويستغل نفوذه السياسي من أجل توسيع نطاق إمبراطوريته العقارية، إلى أن تنهار مجموعة من العقارات التي يبنيها فيبدأ عضو آخر يساري في مجلس البلدية في التنقيب وراء أعمال نوتولا.

والفيلم بأسره يعدّ محاكمة للنظام الديمقراطي عندما يسمح بتسلل أشخاص منحرفين يسيطر عليهم الطمع، فيستغلون النظام نفسه ويجنون أرباحا طائلة على حساب أرواح الناس.

وفي فيلمه الشهير “لاكي لوتشيانو” (1973) يفتح روزي للمرة الأولى ملف “تشارلس لوتشيانو” الذي أصبح ملك الجريمة المنظمة في نيويورك في العشرينات والثلاثينات، وكان يعيش مثل ملك غير متوّج، يبدو في مظهره مثل رجل متقاعد أو محاسب محترم، يغشى المطاعم الفاخرة والمسارح والنوادي، وكلبه دائما بصحبته، وهو صامت لا يتكلم كثيرا ولا يبوح بما في داخله. بعد فترة حيرة طويلة بشأنه، تلقي الشرطة القبض عليه بتهمة ممارسة بيع الرقيق الأبيض، ولكن الحكومة الأميركية تلجأ إليه أثناء الحرب العالمية الثانية لكي يوقف تسلل عملاء هتلر عبر الشاطئ الشرقي الأميركي، كما يقدم خدمات جليلة للجيش الأميركي أثناء عملية الإنزال العسكري لاحتلال صقلية عن طريق مساعده زعيم المافيا المحلية هناك، مقابل الإفراج عنه وترحيله إلى إيطاليا حيث بقي هناك إلى حين وفاته عام 1962.

قام بدور لوتشيانو الممثل جيان ماريا فولونتي الذي سيصبح القاسم المشترك في أفلام روزي السياسية الشهيرة. وكان الفيلم يتخذ مسارا مختلفا عن أفلام المافيا الشهيرة التي راجت في تلك الفترة مثل “العراب” أو (الأب الروحي) التي أحاطت شخصيات زعماء المافيا بنوع من الجاذبية والوقار، فقد سعى روزي إلى جعل الفيلم السياسي ينتقل بين الأزمنة، يقفز إلى الأمام ويعود إلى الماضي في سياق أقرب إلى الريبورتاج التلفزيوني أو أسلوب فيلم التحقيق الخشن، الذي ميّز فيلمه السابق، ولكن من خلال صورة شديدة الجمال والجاذبية.

روزي يحرص في أفلامه السياسية على جذب انتباه المتفرج عن طريق إدخاله طرفا في “اللعبة”، وجعله يتابع بنفس الترقب والشغف، مجرى الأحداث

في عام 1976 أخرج روزي فيلم “جثث لامعة” الذي يستخدم فيه حوادث اغتيال عدد من القضاة في إيطاليا، مصوّرا فيلمه في صقلية ولكن دون أن يحدّد مكانا للأحداث، بل يترك الأمر يبدو وكأنه ينتقل بين مدن عدة أوروبية، فالمقصود توجيه تشريح لفساد النظام الرأسمالي بشكل عام. بعد تلاحق عمليات قتل عدد من كبار القضاة، يبدأ ضابط شرطة مخضرم في البحث وراء هذه الجرائم ويتركز شكه حول رجل حكم عليه في الماضي ربما ظلما وقضى فترة في السجن ثم خرج، وربما لأنه يمارس انتقامه الخاص من القضاء.

غير أن مسار الأحداث التي ينسجها روزي ببراعة من خلال ذلك النسيج الفسيفسائي الذي يضيف إلى كل مشهد عنصرا دراميا جديدا، يجعل الضابط، ومعه المتفرج بالطبع، يتجهان وجهة أخرى مخالفة للأولى، إلى أن يتوصل الشرطي إلى القناعة بأن رؤساءه في الشرطة يتعاونون مع منظمات يمينية متشدّدة، تريد أن تفرض قبضتها الحديدية على السلطة في البلاد، وتستغل بالتالي جريمة القتل الأولى من أجل إحداث نوع من الفوضى وتنفرد بالسلطة بعد أن تنسب الجرائم إلى الحزب الشيوعي المناوئ.

روزي يحرص في أفلامه السياسية على جذب انتباه المتفرج عن طريق إدخاله طرفا في “اللعبة”، وجعله يتابع بنفس الترقب والشغف، مجرى الأحداث، لكي يتوصل إلى استنتاجه الخاص، فلا يوجد شيء قاطع في أفلام روزي، فكلها افتراضات ولكن مبنية على أساس ما هو موجود في الواقع.


بعيدا عن السياسة


في عام 1983 بدأ روزي يسعى إلى الخروج من معطف الفيلم السياسي النقدي، لكي يقدّم رؤيته الخاصة لأوبرا بيزيه الشهيرة “كارمن”. وقتها قال روزي إنه كان دائما مشدودا إلى كارمن، المرأة لا الموسيقى. وقد نجح في تقديم أهم عمل سينمائي ظهر عن رواية ميرميه الخالدة بعد أن أكسبها أبعادا واقعية جديدة، تتفق مع موقفه الفكري المعروف والذي يتكرر في كل أفلامه. وكانت تلك أول “كارمن” تصوّر فعلا في الأماكن الطبيعية بالريف الإسباني، التي تدور فيها أحداث الرواية الأصلية.

روزي حاول الخروج من معطف الفيلم السياسي النقدي

بعد ذلك عاد روزي إلى الأدب الأميركي اللاتيني فاختار رواية متوسطة الطول ذائعة الصيت وهي “وقائع موت معلن” لغابرييل غارسيا ماركيز، لكي يقدّمها للمرة الأولى في السينما.

تدور فكرة فيلم “وقائع موت معلن” حول مسؤولية أهالي مدينة قرطاجنة في كولومبيا عن اغتيال الشاب الوسيم “سانتياغو نصار” في أوائل الخمسينات، واشتراكهم جميعا بالصمت في شأن تلك النهاية الدرامية العنيفة التي انتهت بها حياته، لا لشيء سوى بسبب براءته ومرحه وحبه للحياة.


استخدام الرموز


هذا الموضوع الذي يمتلئ بشتى الإشارات الفلسفية والاجتماعية والسياسية، والدلالات الخاصة بالواقع في أميركا اللاتينية، يتحوّل على يدي روزي إلى عمل مختلف، فروزي يبدو وقد ذاب في قلب الموضوع، بحيث لم تعد هناك مسافة تفصل بينه وبين ما نشاهده على الشاشة.

لقد تعامل مع موضوعه بمشاعره فوقع في غرامه، فهو يبتعد عن الواقعية النقدية، ويفضل استخدام نوع من الرموز.

وفي هذا السياق نفهم أن سانتياغو نصار قُتل لأنه كان أكثر الجميع براءة، وليس نتيجة ظروف اجتماعية سياسية تتعلق بالوضع الاجتمـــاعي في كولــومبيا خلال تلك الفترة.

يستخدم روزي الفلاش باك ولكن دون توفيق، وكان من الأفضل أن يروي الفيلم في اتجاه واحد دون تعرجات وانتقالات في الزمن. ويذكرنا المشهد الأخير من الفيلم الذي نرى فيه الأهالي وهم يتجمعون حول جثة الفتى، بمشهد آخر طبق الأصل في فيلم روزي “سلفاتوري جوليانو” بينما يختلف المعنى تماما بين المشهدين. ففي “سلفاتوري جوليانو” يساهم المشهد في تفجير الوعي بما حدث، أما هنا، فهو يكرّس السلبية والغموض، وهذا الفارق وحده كفيل بأن يجسّد لنا الفرق بين واقعية روزي في أفلامه السابقة، ورومانسيته في هذا الفيلم. ولكن لكل جواد كبوة.

16