المخطوطات العمانية إرث ثقافي تصونه السلطنة وتفخر به

الاثنين 2015/04/20
وثائق تشهد على تاريخ العلاقات الدبلوماسية لسلطنة عمان

مسقط - المخطوطات والوثائق التاريخية تقدم صورة حية لنتاج الفكر الإنساني في مجالات العلم والمعرفة والفنون بشتى فروعها وتفاخر سلطنة عمان بإرثها الثقافي الثري بمخطوطات نادرة ضمت مصنفات الفقهاء ودواوين الشعراء وتجارب العلماء واستنتاجاتهم، وتحاول الجهات المكلفة بالثقافة في السلطنة إبراز هذا الموروث للعالم وتثمينه وحفظه ليظل كنزا ثقافيا إنسانيا تتوارثه الأجيال المتعاقبة.

تكمن في هذه المخطوطات روح الحياة الثقافية والمعرفية التي عاشها صفوة المثقفين العمانيين على مر العصور ولذلك تهتم وزارة التراث والثقافة بجمع التراث الثقافي والفكري وهو ما تضطلع به المديرية العامة للوثائق والمخطوطات بالوزارة من خلال جمع المخطوطات والوثائق ومتعلقاتها وتوثيقها وأرشفتها وترميم هذه النفائس الورقية التي تخلد عصارة الفكر والعلم والثقافة في القرون الماضية حيث ترجع أقدم مخطوطة إلى القرن السادس هجري.

وبالإضافة إلى الاهتمام بحفظ التراث الثقافي والفكري من خلال الحفاظ على المخطوطات باعتبارها موروثا ثقافيا وتاريخيا يحمل في طياته الكثير من الأصالة التي يزخر بها التراث الثقافي للإنسان العماني، فإن الوزارة شرعت في رقمنة هذه المخطوطات في مشروع أطلقته منذ العام الماضي وذلك باعتماد تقنية تصوير المخطوطات بالشكل واللون اللذين هي عليهما للاحتفاظ بها كنسخ إلكترونية. وكانت الانطلاقة برقمنة مخطوطات دار المخطوطات بوزارة التراث والثقافة والتي بلغ مجموعها 4836 مخطوطة ثم رقمنة 320 مخطوطة تابعة لبعض المكتبات الأهلية والخاصة.

من أندر المخطوطات "مصحف الحارثي" نسخه خميس بن سليمان الحارثي سنة 1186 هجري

كما تركز الوزارة على التعريف بهذا الكنز الثقافي الذي تمتلكه وعلى تمكين الأجيال الصاعدة من الاطلاع عليه للاستفادة منه واستخلاص العبر وقد اختيرت مجموعة هامة من هذه المخطوطات لتحط الرحال في مقر اليونسكو بباريس في معرض ضم وثائق تاريخية ومخطوطات وصور سلطت الضوء على جذور العلاقات بين السلطنة والجمهورية الفرنسية والتي تعود إلى حقب تاريخية ترجع إلى القرن السادس عشر.

ويقدم المعرض نسخا لوثائق قديمة ولرسائل ومستندات تاريخية أبرزت تاريخ التواصل الدبلوماسي بين البلدين الذي بدأ منذ عام 1660 وقد تطورت هذه العلاقات عندما أصبحت السلطنة امبراطورية بحرية أدت إلى تبادل دبلوماسي بين البلدين لعبت فيه السفن البحرية التي كانت تستعمل للتجارة وترسو في مسقط أول ميناء تجاري في الخليج آنذاك دورا محوريا طيلة القرن السابع عشر ومن ثم تطورت في القرن الثامن عشر. كما وُقّعت عديد المعاهدات في تلك الفترة بين السلطنة وفرنسا وبدأت الزيارات المتبادلة منذ عهد نابليون الأول، وافتتحت في مسقط أول ممثلية دبلوماسية فرنسية عام 1894 وأصبحت اليوم متحفا يحمل اسم “بيت فرنسا”، ولم تنقطع العلاقات بين البلدين بعد الثورة الفرنسية ولا خلال الحرب العالمية الأولى وهو ما تبينه الصور والطوابع البريدية والوثائق التي تضمنت عديد الرسائل كتلك التي تمت بين لويس الخامس عشر وحكام عمان آنذاك.

هذا الاهتمام المتصل من قبل المسؤولين على الثقافة في سلطنة عمان بالوثائق التاريخية ليس إلا دليلا على أهمية هذه المخطوطات واعترافا بقيمتها التاريخية فهي ما يوثق الإرث الثقافي والعلاقات الخارجية وتطورها عبر تاريخ السلطنة، وهي مجموعة نادرة وفريدة ما يجعلها ترتقي إلى مرتبة الإرث الثقافي للإنسانية الذي يجب تثمينه واستغلاله في تنمية علاقات الدول ببعضها البعض وعلاقات الدول العربية بالدول الغربية استنادا إلى المرجعية التاريخية.

أعمال وزارة الثقافة توجت بجمع حوالي 4600 مخطوطة بأقلام نساخ عمانيين يعدون اليوم روادا في فن الكتابة والزخرفة

وحفاظا على هذه الكنوز الثقافية من التلف تواصل وزارة التراث والثقافة جمعها من مكتبات المواطنين الشخصية وحفظها ودراستها وترميم المتعرض منها لحالات تآكل الورق أو التصاقها بفعل الرطوبة وخلال السنوات الماضية توجت هذه الأعمال بجمع حوالي 4600 مخطوطة وهي بأقلام نساخ عمانيين يعدون اليوم روّادا في فن الكتابة والزخرفة لاستخدامهم أقلاما وأحبارا مصنعة محليا.

ومن أندر المخطوطات التي تحتويها دار المخطوطات بالوزارة “مصحف الحارثي” وقد نسخه وكتبه الناسخ العماني خميس بن سليمان بن سعيد الحارثي سنة 1186 هجري ورغم ما يلحظه القارئ في هذا المصحف من نقوش إلا أنها تتميز بعدم التعقيد. كما تتوفر في الدار مخطوطة نادرة أخرى بعنوان “نَهْجُ الحَقَائِق” وتتضمن 300 صفحة تناولت الولاية والبراءة وأحكامهما وقواعدهما وتطبيقاتهما وقد اختصر فيه مؤلفه الشيخ علي بن محمد بن علي بن محمد المنذري (1343هـ) كتابَ الاستقامة للعلامة أبي سعيد الكدمي (4هـ) نظرا لصعوبة عباراته على أهل زمانه فأوجزه وأضاف إليه ما يُقَرِّبُ الفهْمَ للوصول إلى مقصد مؤلفه الأصلي.

ومن ضمن أندر المخطوطات أيضا كتاب “الحَلُّ والإِصَابَة” للفقيه: محمد بن وَصَّاف النَّزْوِي (6هـ) شرح فيه الدعائم للعلامة أحمد بن سليمان بن النضر، وهذه النسخة المحفوظة بدار المخطوطات تشد الانتباه بخطها الذي يعتبر مزيجا بين الخط المشرقي والمغربي، وطريقة رسم حروفه غريبة ونادرة وهي جديرة بالدراسة لاستكشاف طريقة الكتابة السائدة بعمان في العصور القديمة.

12