المخ قادر على إتمام وظائفه حتى بعد استئصال نصفه المريض

جراحة الصرع تعدّ الأكثر فعالية عندما تنشأ في موقع واحد في الدماغ لكنها ليست الخط الأول للعلاج فقد تكون خيارا عندما لا تتحكم الأدوية في النوبات.
الجمعة 2019/11/22
الشق السليم يأخذ المشعل عن الشق المفقود رغم اختلاف وظائف كل جزء

يفزع الكثير من الأولياء عندما يخبرهم الطبيب المتابع لحالة أطفالهم بضرورة التخلص من نصف المخ المعطب. وأول ما قد يتبادر إلى أذهانهم هو كيف يمكن تعويض ذلك الجزء المصاب وماذا سيلحق بهم بعد انتهاء العملية. لكن المفاجأة السارة هي أن العلم أثبت أن نصف المخ المتبقي قادر على إتمام الوظائف المعتادة.

نيويورك- كشف باحثون من الولايات المتحدة أن الشطر المتبقي من المخ لدى الإنسان المصاب بالصرع يمكن أن يعوض وبشكل مدهش جزئيا، الوظائف التي فقدها الإنسان نتيجة استئصال نصف المخ بأكمله لدى هؤلاء الأشخاص، على الأقل في ما يتعلق بالأطفال.

وقال الباحثون في دراستهم التي نشرت في العدد الحالي من مجلة “سيل ريبورتس” المعنية بأبحاث الخلايا، إن استئصال نصف المخ لدى الأطفال المصابين بالصرع يؤدي إلى اتصالات قوية بشكل غير معتاد بين شبكات الخلايا العصبية، المسؤولة عن وظائف مختلفة مثل الرؤية والحركة.

توصل الباحثون تحت إشراف دوريت كليمان، من معهد كاليفورنيا للتقنية، إلى هذه النتيجة بعد أن فحصوا عددا من الأشخاص الذين خضعوا لجراحة استئصال أحد شقي المخ، إثر تعرضهم لشكل خطير من أشكال الصرع في طفولتهم.

من النادر جدا إجراء جراحة استئصال أحد شقي المخ، حيث لا تجرى هذه العملية إلا في حالات بعينها من الصرع، والتي لا ينتظر تحسنها باستخدام الوسائل العلاجية الأخرى.

ومن الممكن أن تؤدي الجراحة إلى عواقب وخيمة، مثل فقدان النطق. ولكن من الممكن استدراك فقدان مثل هذه الوظائف، وبشكل هائل، بعد مرور بعض الوقت، حسبما أوضح الباحثون.

فحص الباحثون ستة أشخاص بالغين خضعوا في سن تتراوح بين ثلاثة أشهر و11 عاما لعملية استئصال شق المخ. استخدم العلماء أشعة الرنين المغناطيسي لإجراء مسح للجزء المتبقي من المخ، وذلك عندما بلغ المرضى سن الـ20 إلى بداية سن الـ30 عاما.

أظهرت عمليات المسح نشاط المخ في كل منطقة من مناطقه على حدة. ودقق الباحثون خلال المسح على خلايا شبكات عصبية مختلفة مسؤولة عن وظائف بعينها، مثل الرؤية والشعور والحركة، وهي وظائف تتوزع في العادة على شقي المخ.

ثم قام الباحثون أولا بمقارنة صور أشعة للمرضى مع صور أشعة المخ الخاصة بستة أشخاص آخرين يشبهون المرضى بشكل كبير فيما يتعلق بعوامل أساسية مثل عامل السن والجنس وبعض العوامل الأخرى. وفي خطوة تالية قارن الباحثون صور أشعة المرضى مع قرابة 1500 صورة أشعة أخرى.

نتائج جراحة الصرع تتفاوت حسب نوع الجراحة التي تم إجراؤها
نتائج جراحة الصرع تتفاوت حسب نوع الجراحة التي تم إجراؤها

قال الباحثون إنه من الصعب ملاحظة نتائج الجراحات التي أجريت لهؤلاء المرضى في صغرهم، “فقدرتهم على النطق سليمة”، حسب المشرفة على الدراسة، كليمان، “حيث كنا نتبادل الحديث مع بعضنا البعض، عندما كنت أدخلهم جهاز الأشعة، تماما كما فعلت مع مئات الأشخاص الآخرين الذين تم مسح الدماغ لديهم”.

تابعت كليمان “عند النظر لصورة الأشعة لا يمكن أن تصدق أن هذه الأشعة لنفس الشخص الذي يسمعك وأنت تتحدث ويراك وأنت تتحرك”.

وأوضحت الباحثة أن تحليل صور الأشعة أظهر أن الاتصالات بين بعض شبكات المخ بعينها تشبه وبشكل مفاجئ نمط المخ لدى الأشخاص الأصحاء الذين استعان بهم الباحثون للمقارنة.

وفي مقابل ذلك وجد الباحثون اتصالات قوية بشكل خاص بين مختلف شبكات المخ. ويرجح الباحثون أن المخ عوض بهذه الطريقة غياب أحد شطريه.

تقول كليمان “من الجدير بالملاحظة أن هناك أُناسا يستطيعون العيش بنصف المخ، فأحيانا تتسبب إصابة المخ لدى شخص ما بتلف صغير جراء التعرض لسكتة دماغية أو بجرح في أعقاب حادث بدراجة أو ورم سرطاني، أو في عواقب كارثية.. نحن نحاول فهم المبادئ التي تمكن المخ من إعادة ترتيب نفسه، بشكل يؤدي إلى تعويض الشق المفقود”.

ويأمل الباحثون أن يساعد هذا الفهم يوما ما في تحسين إمكانية مساعدة الأشخاص الذين تضرر المخ لديهم بسبب الإصابة بسكتة دماغية.

أشار موقع مايو كلينك الأميركي إلى أن جراحة الصرع هي عملية لإزالة منطقة من الدماغ تنشأ عندها نوبات الصرع، أو تغييرها. وتعدّ جراحة الصرع هي الأكثر فعالية عندما تنشأ دائما في موقع واحد في الدماغ. وهي ليست الخط الأول للعلاج، فقد تكون خيارا عندما لا تتحكم الأدوية في النوبات، وهي حالة تُعرف بالصرع المقاوم للعلاج أو الدواء. والهدف من الجراحة هو الحد من النوبات أو التقليل من شدتها باستخدام الأدوية أو من دونها.

وجدير بالذكر أن هناك عددا من التقييمات السابقة للجراحة ضرورية لتحديد ما إذا كان المريض مؤهلا لجراحة الصرع وكيف يتم إجراء العملية.

وحسب الموقع الجراحي، قد يقوم فريق الرعاية بإجراء اختبارات لتحديد مناطق الدماغ الدقيقة التي تتحكم في اللغة أو الوظائف الحسية أو المهارات الحركية أو غيرها من الوظائف الهامة. تساعد هذه المعلومات الجراح على الحفاظ على الوظيفة إلى أقصى حدٍ ممكن عند إزالة أي موقع في الدماغ أو تغييره.

كما تُجرى الاختبارات النفسية العصبية بواسطة البطاريات لقياس مهارات التعلم اللفظي وغير اللفظي ووظيفة الذاكرة. وقد توفر هذه الاختبارات رؤية لمنطقة المخ المتأثرة بالنوبات، وكذلك أساسا لقياس الوظيفة بعد الجراحة.

لتجنب العدوى يحتاج المريض إلى قص شعره أو حلاقته في المنطقة التي ستزال فيها فروة رأسه أثناء العملية. ويوضع أنبوب صغير مرن داخل وريد لتوصيل السوائل ومواد التخدير أو الأدوية الأخرى أثناء الجراحة.

أثناء إجراء الإجراء، يخضع معدل ضربات القلب وضغط الدم ومستويات الأكسجين للمراقبة طوال العملية الجراحية. وقد يسجل جهاز رصد تخطيط كهربية الدماغ أيضا الأمواج الدماغية خلال العملية لتحديد مكان حدوث النوبات في الدماغ بشكل أفضل.

من النادر استئصال أحد شقي المخ، حيث لا تجرى هذه العملية إلا في حالات الصرع التي لا تشفى بالعلاجات الأخرى

عادة ما تُجرى جراحة الصرع أثناء التخدير العام، فيكون المريض فاقدا للوعي أثناء العملية. وفي حالات نادرة، قد يوقظه الجراح خلال جزء من العملية لمساعدة الفريق في تحديد أي جزء من دماغه يتحكم في الكلام والحركة. في مثل تلك الحالات، قد يتلقى المصاب الدواء للسيطرة على الألم.

وينشئ الجراح نافذة صغيرة نسبيا في الجمجمة، ويتوقف ذلك على نوع الجراحة. كما يُجرى استبدال نافذة العظام وتثبيتها بعد الجراحة على الجمجمة للتعافي.

تتفاوت نتائج جراحة الصرع حسب نوع الجراحة التي تم إجراؤها، حيث تَنتُج عن الإجراء الأكثر شيوعا -لاستئصال الأنسجة في الفص الصدغي- نتائج علاجية خالية من النوبات لحوالي ثلثي الأشخاص. وتشير الدراسات إلى أنه في حالة إذا لم يتعرض المريض للنوبات المرضية في العام الأول بعد جراحة الفص الصدغي -مع المواظبة على الأدوية- فإن احتمالية ألا يتعرض للنوبات لمدة عامين هي من 87 إلى 90 بالمئة.

وإذا لم يتعرض لنوبات مرضية لمدة عام، فقد يفكر الطبيب في إيقاف الأدوية المضادة للتشنج ومن ثم إيقاف كل الأدوية في النهاية.

معظم الناس الذين يتعرضون لنوبة مرضية بعد إيقاف الدواء قادرون على تجربة التحكم في النوبات من خلال استئناف العلاج بالأدوية. أما إذا لم يتعرض المريض لنوبة مرضية خلال عامين، فإن احتمالية ألا يتعرض لنوبات خلال 5 أعوام هي 95 بالمئة، و82 بالمئة في 10 أعوام.

12