المداخل الثلاثة لتحرير صنعاء: تدخل بالقوة، حصار مطول أو مشاورات أخيرة

المدخل الأول لفرض التهدئة وإعادة اليمن إلى سلطته الشرعية يمكن أن يكون في التدخل بالقوة مرة واحدة في صنعاء وإخراج الحوثيين منها، أو أن تتم محاصرة المدينة لمدة طويلة حتى يستسلم الحوثيون وأنصار صالح ويغادروها، أو أن يتم اتباع مسار المفاوضات ولكن شرط أن تكون الجولة القادمة الجولة الأخيرة لأن الوضع في اليمن لم يعد يتحمل أكثر مما تقوم به قوات المتمردين من كر وفر يطيلان أمد المأساة.
الخميس 2016/08/18
استعدادات يائسة

صنعاء - حصر المركز اليمني “أبعاد للدراسات والبحوث” جملة من التصورات حول ما ستؤول إليه المعركة في اليمن بين الجماعات الانقلابية التي تشكل تحالفا في ما بينها وبين الدولة اليمنية الشرعية التي قامت على أساس الانتخابات.

وتوقع مركز الدراسات اليمني ثلاثة سيناريوهات لمعركة صنعاء بين القوات الموالية للحكومة والمسنودة من التحالف العربي من جهة، و”الحوثيين” والقوات الموالية لعلي عبدالله صالح من جهة أخرى، خاصة بعد أن أطلق الجيش الموالي للرئيس عبدربه منصور هادي، في السادس من الشهر الجاري، عملية عسكرية أسماها “التحرير موعدنا”، بهدف استعادة السيطرة على صنعاء، انطلقت من مديرية نهم شرقي العاصمة.

إسقاط الانقلاب بالقوة

بحسب مركز “أبعاد للدراسات والبحوث” في تقريره الصادر الأربعاء، يتمثل السيناريو الأول في “اجتياح صنعاء عسكريا وإسقاط الانقلاب بالقوة، وهذا الأمر يتعلق بعدة عوامل أهمها مدى طول نفس الشرعية التي يمثلها الرئيس عبدربه منصور هادي وداعموها من قوات التحالف العربي في استمرار العملية العسكرية ومدى الاستعداد لترتيب الحالة الأمنية والاقتصادية”.

ويعود الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبه منصور هادي في بداية حراك الحوثيين إلى السماح بمرور الحوثيين إلى صنعاء بعد تقدير خاطئ للرئيس عبدربه منصور هادي.

ويقول الكاتب المتخصص في الشؤون اليمنية خيرالله خيرالله “إن همّ الرئيس الانتقالي منصور هادي في مرحلة معينة كان محصورا بتطويق علي عبدالله صالح وتصفية حسابات قديمة معه”.

ويضيف خيرالله “كانت حجة منصور هادي في كلّ وقت أنّه ليس مستعدا لدفع ثمن العداوات القائمة بين الحوثيين والرئيس السابق، الذي بينه وبينهم ست حروب وثلاثون ألف قتيل بين العامين 2004 و2010. لذلك سمح لهؤلاء بتجاوز عمران ودخول صنعاء بعدما اعتقد أنّ لديهم أهدافا محددة يريدون الوصول إليها وليسوا في وارد الإعلان عن انقلاب حقيقي وتأسيس نظام جديد لا علاقة له بالجمهورية اليمنية. بين هذه الأهداف، التي اعتقد عبدربّه أن الحوثيين سيكتفون بتحقيقها؛ السيطرة على مقر الفرقة الأولى/ مدرّع التي كانت في إمرة اللواء (الفريق الآن) علي محسن صالح و”جامعة الإيمان” التي كان يديرها الشيخ السلفي عبدالمجيد الزنداني. وتمثل الخطأ القاتل للحوثيين، في تلك الأيّام، برفض إعادة الاعتبار إلى مجلس النوّاب خشية أن يصبح رئيسه يحيى الراعي، القريب من علي عبدالله صالح، رئيسا مؤقتا، وذلك بعدما قدّم عبدربّه استقالته”.

السيناريو الأول يتمثل في اجتياح صنعاء عسكريا وإسقاط الانقلاب بالقوة وهذا مرتبط بطول نفس الشرعية

عمليات محدودة

أما السيناريو الثاني فيتمثل في “عمليات عسكرية محدودة في محيط العاصمة والاكتفاء بحصارها لفرض الاستسلام على الانقلابيين (في إشارة إلى الحوثيين وحلفائهم) والقبول بالعودة خطوة إلى الوراء في تسليم المدن والمعسكرات والسلاح وفق خطة مرحلية مزمنة تبدأ بتسليم صنعاء”. واعتبر التقرير أن “هذا السيناريو يمكن أن يتحقق إذا شهد معسكر الانقلابيين انشقاقات، ولكنه حاليا مستبعد في ظل إصرارهم على عدم تقديم أي تنازلات”.

وبالعودة إلى تاريخ تطور جماعة الحوثي، فإن الكاتب المتخصص في الشأن اليمني خيرالله خيرالله أكد في كتابه “حرائق اليمن، شهادات من الداخل: من انهيار دولة الجنوب إلى انهيار الدولة” أن علي عبدالله صالح كان له دور كبير في بروز الحوثيين كجماعة فاعلة في اليمن قبل أن تهيمن إيران عليها بمنطق طائفي، ويقول “صالح لعب دورا أساسيا في بروز \'العامل الحوثي\' في الشمال اليمني لكن إيران سارعت إلى استيعاب الحوثيين الذين صاروا مرتبطين بها أكثر بكثير من ارتباطهم بصالح”. وهذا ربما يكون بوابة صغيرة للعب على انشقاقات داخل معسكر الانقلاب الذي يمكن أن يضعف تحت الحصار وبسرعة.

وقد أكد الرئيس الحالي عبدربه منصور هادي في حديث صحافي سابق أن القوات اليمنية مدعومة بتحالف عاصفة الحزم سوف تقوم بخطة “نابليون” أي القيام بحصار مطول حول صنعاء إلى حدود استسلام الحوثيين في المدينة وقطع الدعم الإيراني عنها خاصة وأن القوات العربية تقوم بمراقبة البحار عن كثب لمنع أي سفن قادمة من إيران ومحملة بالسلاح لدعم الحوثيين وصالح.

وتقول تقارير إن التحالف الذي يجمع الحوثيين وعلي عبدالله صالح جاء منذ ما يزيد عن عشر سنوات لمواجهة حزب التجمع اليمني للإصلاح الإسلامي المحسوب على المذهب السني، ومع نشوب أول الحروب 2004 وجهت الحكومة اليمنية أصابع الاتهام إلى طهران بدعم التمرد الحوثي في الشمال واستمرت الحروب ست سنوات وتوقفت في 2009.

خيرالله خيرالله: صالح كان له دور كبير في بروز الحوثيين قبل أن تهيمن عليهم طهران

وحاول صالح بعد الحرب الثالثة الاستفادة من القلق الخليجي تجاه إيران بتلقي دعم لخزينته الخاصة فيما التقت حكومته أكثر من مرة بمسؤولين إيرانيين وأعلنت توثيق العلاقة معهم. وهذا ما يكشف أن صالح لم يكن له وجه واحد ولم يحكم اليمن وفق رؤية المصلحة العامة والحفاظ على الوحدة المجتمعية والوطنية، بل كان هدفه الأساسي البقاء في السلطة والاستفادة من التناقضات التي من حوله لصالحه الشخصي.

مشاورات أخيرة

يكمن السيناريو الثالث الذي حمل عنوان “صنعاء.. معركة الفرصة الأخيرة”، في “حدوث جولة جديدة من المشاورات السياسية تجمد العمليات العسكرية، وهذا معناه التوقف في منتصف الطريق وله تبعات على الشرعية والتحالف”.

ويرى المركز أن “العودة للمشاورات دون تحقيق انتصار عسكري على الأرض ستعطي فرصة للانقلابيين لتحقيق نصر معنوي، وإعادة ترتيب أوراقهم، والتفرغ لفتح معسكرات تجنيد جديدة، والحصول على سلاح نوعي، وفرض شروط سياسية تضمن لهم السيطرة على الدولة أو ابتلاعها”.

وتحدث التقرير عن “100 ألف مقاتل يتبعون القوات الحكومية يتوزعون على 10 ألوية فاعلة في أكثر من 5 محاور عسكرية ضمن 3 مناطق عسكرية مهمتها الحسم العسكري في صنعاء”، مشيراً إلى أن “70 بالمئة من هؤلاء المقاتلين اجتازوا تدريبا نوعيا لأكثر من عام ونصف العام”.

في السياق ذاته، استعرض مركز البحوث اليمني في تقريره عدة تحديات تواجه عملية تحرير صنعاء أهمها “عامل الوقت وتداخله مع عوامل أخرى، بحيث قد لا يسمح بأن تأخذ خطة تحرير العاصمة الوقت المحدد لها، في ظل الضغط الدولي على الشرعية والتحالف لإيقاف استعادتها عسكريا وإعادة المسار التفاوضي دون القدرة على فرض شروط على الطرف الآخر”، إلى جانب تدهور الحالة الأمنية وانتشار العصابات المسلحة وزيادة معدلات الاغتيالات “وسط تواتر معلومات تؤكد إطلاق الحوثيين وقوات صالح سراح العشرات من المتهمين بالانتماء للقاعدة، ما يعني أن ورقة الإرهاب أثناء تحرير صنعاء وبعدها ستكون عائقا كبيرا”.

كذلك شملت التحديات “الانهيار الاقتصادي المريع، وحالة الدمار جراء الحرب، وحصول تمزق في النسيج الاجتماعي، ما يجعل كلفة التحرير باهظة وبطيئة”، فضلا عن “الخوف على الآلاف من المعتقلين السياسيين الذين تم خطفهم من منازلهم من قبل الحوثيين”، ناهيك عن “الخوف من أي انقسام في المواقف الدولية إزاء الأزمة، وتأثير تداعيات الحرب في سوريا على الوضع في اليمن”.

ووفق التقرير “يتولى طيران التحالف 35 بالمئة من مسار معارك عملية تحرير صنعاء، تتكفل القوات على الأرض بـ65 بالمئة منها”.

السيناريو الثاني يتمثل في عمليات عسكرية في محيط العاصمة، وحصارها لفرض الاستسلام على الانقلابيين

ولفت المركز البحثي في تقريره إلى أن “القوات الحكومية اختارت أن تكون معركتها الكاسرة على مشارف صنعاء، وبالتحديد في منطقة نهم لأسباب جيوعسكرية، أهمها موقع المديرية المهم بالنسبة للعاصمة فهي تحيط بها من الشمال والشرق وتبلغ مساحتها 1841 كيلومترا مربعا، تقارب مساحة محافظتي صعدة (شمالا) وعدن (جنوبا) مجتمعتين، وتعد البوابة الشرقية الآمنة لها لوعورة تضاريسها الجبلية ومرتفعاتها الشاهقة، والسيطرة عليها هي سيطرة جزئية على العاصمة”.

ومنذ نحو عام يواصل الجيش اليمني و”المقاومة الشعبية” معارك متقطعة في مديرية نهم، بغية الوصول إلى قلب صنعاء التي يسيطر عليها الحوثيون وقوات صالح منذ 2014. ومنذ الربع الأخير لعام 2014، يشهد اليمن حربًا بين القوات الموالية للرئيس هادي، مدعومة من التحالف العربي من جهة، والحوثيين والقوات الموالية لصالح من جهة أخرى، مخلفة الآلاف من القتلى والجرحى، فضلًا عن أوضاع إنسانية وصحية صعبة.

حماية مجال عربي

لا تقوم القوات العربية التي تقودها المملكة العربية السعودية في اليمن بحماية الشرعية الانتخابية التي مكنت عبدربه منصور هادي من تولي الرئاسة فحسب، إذ يتجاوز دور “عاصفة الحزم” هذه المهمة الداخلية.

بل إن الهدف الاستراتيجي هو إخراج كل نفوذ إيراني في اليمن العربي من أي موقع قرار في البلاد حتى لا تتحول اليمن إلى قاعدة متقدمة للإيرانيين على مستوى باب المندب وتهيمن بذلك على مضيق مهم على المستوى العربي والعالمي يتمثل في مضيق القرن الأفريقي وهو بوابة للبحر الأحمر وقناة السويس الاستراتيجية.

وتؤسس هذه المقاربة الجغراسياسية القاعدة الرئيسية للتحركات العربية على المستوى اليمني حتى لا تتحول تلك المنطقة إلى مجال نفوذ طائفي إيراني تبتز به طهران العرب.

لكن المطلوب حسب السيناريوهات التي رآها مركز أبعاد للدراسات والبحوث هو الإنهاء السريع للحرب الدائرة في اليمن كي لا يتحول إلى سوريا جديدة أو عراق جديد يتسم مجاله بتعقيد طائفي أو إثني قد يطيل أمد الحرب ويتضرر بذلك المحيط الإقليمي للدول العربية في الخليج وتتعطل مصالح الاستيراد والتصدير ونقل النفط وتعطيل المجال البحري العالمي القريب من مضيق البحر الأحمر أو باب المندب.

يمنيون يبيعون البنزين في أحد شوارع زنجيبار عاصمة محافظة أبين بعد أن استعادت القوات الشرعية المدينة من قبضة جهاديي تنظيم القاعدة بدعم جوي من التحالف العربي بقيادة السعودية

ولا يتوقف الدعم الإيراني للموالين لطهران في اليمن عند الدعم بالسلاح فقط، بل إن شبكات واسعة من المتخابرين مع إيران تنتشر في كامل أنحاء اليمن ومن بينهم أيضا من هو موجود داخل الخلايا الإرهابية التابعة لتنظيم القاعدة.

ومن ناحية أخرى فإن هناك معسكرات تدريب ذات مستوى عال من التجهيز أنشأتها إيران بالتعاون مع الميليشيات الحوثية لتكوين الفصائل المقاتلة والمسنودة بجناح أيديولوجي يتبع ولاية الفقيه.

وقد تم تأسيس عدد من الكيانات السياسية التابعة لطهران. فقد استغلت إيران حالة الجنوح اليمنية للديمقراطية بعد ثورة 2011 وعمدت إلى دعم أحزاب سياسية وإنشاء أخرى، وقامت وفود تلك الأحزاب بزيارات إلى مدن إيرانية؛ حيث سافر إليها المئات من الشباب اليمني بعدة لافتات ثقافية ودينية وسياسية، وقد أكد تقرير صحافي لصحيفة سعودية قيام طهران بإنشاء وتمويل سبعة أحزاب يمنية إضافة إلى الحوثيين، والتنسيق على مستوى رفيع مع قيادات في الحراك الجنوبي لإعلان تحالف سياسي استراتيجي ينظم مواقف الطرفين وتوجهاتهما.

أما على مستوى الإعلام فقد أطلقت إيران ثلاث قنوات يمنية عام 2012 ونشرت قرابة عشر صحف ومولت إصدار صحيفتين يوميتين بالإضافة إلى العديد من المواقع الإلكترونية، موزعة على المحافظات الرئيسية في اليمن، وتركز إيران على اليساريين ومن يتبعون حزب الرئيس المخلوع (المؤتمر الشعبي العام)، إضافة إلى تدريب إعلاميين في بيروت عن طريق منظمة لبنانية تتبع شخصيات محسوبة على إيران والعمل على استمالة المبدعين من هؤلاء الإعلاميين، لتنفيذ أجندة الهيمنة الثقافية.

بهذا الواقع الذي تريد إيران فرضه، يصبح المجال اليمني تهديدا للكيانات العربية المتجانسة في أبعادها المجتمعية والدينية والسياسية، فيتحول المجال المطل على المحيط الهندي والبحر الأحمر من مجال إيجابي إلى نقطة سلبية تعيد إنتاج الأزمات بشكل دائم.

7