المدارس الخاصة في تركيا تدافع عن حقها في الوجود

الأربعاء 2014/01/08
المدارس الخصوصية تدعم حق المساواة في التعليم

أنقرة - «ليس هناك من مساواة في حق التعلم في تركيا» بهذه الكلمات يلخص نجمي أراس الذي يدير معهدا للدروس الخصوصية سبب وجود هذه المؤسسات التعليمية الخاصة التي تساعد تلامذة الطبقة المتوسطة في اجتياز الامتحانات الجامعية وتعتزم الحكومة إغلاقها. ويقول أراس (40 عاما) الذي يدير أحد معاهد الدروس الخصوصية المسماة في تركيا «درشانات» والتي تعتزم حكومة رجب طيب أردوغان إغلاقها جميعا بحلول العام 2015: إن «الأغنياء يمكنهم دفع تكاليف الدروس الخصوصية في المنزل وإرسال أولادهم إلى مدارس في الخارج وتسجيلهم في أفضل المؤسسات التعليمية».

ويضيف: «أما الباقون فليس لديهم سوى هذه الدرشانات، إنها الوسيلة الوحيدة في تركيا للتغلب على الفوارق الاجتماعية».

وتقع المدرسة الخصوصية التي يديرها أراس وتدعى «فيم درشان» على بعد خطوات من ساحة تقسيم في وسط اسطنبول في حي مزدحم بالملاهي والمؤسسات الليلية، وهي تستضيف في مبناها الحديث بتصميمه الزاهي حوالي 800 تلميذ ثانوي يستعدون لاجتياز امتحانات الدخول إلى الجامعات.

صبيحة السبت كان القلق باديا على كل الوجوه: التلامذة سيخوضون امتحانا مماثلا لامتحانات الدخول الجامعية.

بصوت عال ونظرات قاسية يخاطب أحد المدرسين التلميذات قائلا لهن «أيتها الفتيات، لقد تم فصلكن عن الصبيان في الامتحان، إذهبن إلى الطابق الرابع».

ويعتبر اجتياز امتحانات الدخول الجامعية في تركيا مصيريا للتلامذة الثانويين، ففي حال كانت نتائجهم دون المطلوب قد يتم إرسالهم إلى جامعات لا يريدون ارتيادها أو على الأرجح إلى كليات لا يريدون التخصص فيها. وعلى مر العقود الثلاثة الماضية انتشرت ظاهرة معاهد الدروس الخصوصية في تركيا انتشار النار في الهشيم بحيث باتت كل أسرة تعتبرها معبرا لا بد منه لتمكن أبنائها من دخول الجامعة.

ويبلغ عدد هذه المؤسسات التعليمية الخاصة في أنحاء البلاد حوالي 3800 مدرسة وهي محسوبة على جمعية الداعية الإسلامي فتح الله غولن وتعتبر وسيلة تمويل رئيسية لأنشطة جمعيته. وفي نوفمبر أعلنت الحكومة عزمها إغلاق هذه المعاهد، ما أدى إلى شرخ بين جمعية الداعية الإسلامي وحكومة حزب العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب أردوغان، بعد أن ظل الطرفان في تحالف لفترة طويلة.

على مر العقود الثلاثة الماضية انتشرت معاهد الدروس الخاصة في تركيا حيث باتت كل أسرة تعتبرها معبرا ضروريا لتمكين أبنائها من دخول الجامعة

وتتمتع جمعية الداعية غولن بنفوذ كبير في أوساط الشرطة والقضاء، ولم يتوان أردوغان عن اتهامها بتدبير «مؤامرة» ضد حكومته، في إشارة إلى فضيحة الفساد التي تهز حكومته الإسلامية المحافظة. ويبلغ معدل ما يدفعه التلميذ في أحد هذه المعاهد حوالي 2500 ليرة تركية (900 يورو تقريبا)، ومقابل هذا المبلغ يحصل على ما معدله 12 ساعة دروس خصوصية فردية أو جماعية، إما مساء وإما في عطلة نهاية الأسبوع.

وبالنسبة إلى مدير «فيم درشان» فإن هذا المبلغ رمزي إذا ما قورن بمبلغ «العشرين ألف ليرة التي تكلفها دروس التقوية الخصوصية».

ويضيف أراس: «الاعتقاد أن بإمكاننا تمويل الجمعية هو من نسج الخيال بل كذب نظرا إلى كلفة تشغيل المدرسة»، مؤكدا أن «الجمعية لا تدير هذه المؤسسة حتى وإن كنا في هذه المدارس بطبيعة الحال نحترم أفكار داعيتنا فتح الله غولن». وتخلو المناهج في هذه المعاهد من أي دروس دينية، ويضيف أراس ممازحا «انظروا إليّ، هل أبدو لكم رجل دين أو إماما متشددا؟».

ويؤكد مدير المعهد أنه بفضل «صرامة ونوعية التعليم التي نوفرها» بالمقارنة مع الثغرات والفوارق الكبيرة التي يعاني منها النظام التعليمي في جميع أنحاء البلاد تمكنت هذه المدارس من جذب أعداد كبيرة من التلامذة.

وينتقد المدافعون عن هذه المدارس بشدة مشروع الحكومة إغلاقها، ويقول أراس أن «إغلاق الدرشانات لن يكون حلا، طالما بقي هناك تفاوت في الإمكانيات بين مدارس البلاد سيبقى هناك سبب لوجودنا»، ويبدو أن أهالي التلامذة قلقون للغاية من مشروع الحكومة.

وتقول والدة أحد التلاميذ طالبة عدم ذكر اسمها «أنا أتقاضى الحد الأدنى للأجور فقط. وأنا أقتصد في كل مناحي الحياة من أجل أن يتمكن ابني من الحصول على هذه الدروس، بسبب المستوى السيئ للمدارس الرسمية، وليس لدينا أي حل آخر». وتضيف الأم الخمسينية المحجبة أنه بدلا من إغلاقها «يتعين على الحكومة أن تقتدي بهذه الدرشانات».

ويرجح الكثير من الأتراك والخبراء أن قرار إغلاق هذه المدارس الخاصة يتنزل في إطار الصراع والمواجهة السياسية الدائرة على الساحة التركية بين حزب العدالة والتنمية وحكومة رجب طيب أردوغان من ناحية وبين الجماعة الدينية التابعة للداعية الإسلامي فتح الله غولن، وفي إطار تصفية الحسابات بين الطرفين يأتي مثل هذا القرار دون مراعاة مصلحة التعليم ولا التلاميذ ولا العائلات التي تستفيد من المدارس الخصوصية.

12