المدارس الدينية الخاصة في باكستان تضع غرس القيم في أعلى اهتماماتها

نشأ نموذج جديد للتعليم الديني الخاص في باكستان وهو يشهد تطويرا مستمرا من قبل القائمين عليه. يدمج هذا النوع من التعليم بين تعليم الدين الإسلامي وبين طرق التعليم الحديثة في مدارس خاصة تسعى لغرس القيم والأخلاق في عقول الطلاب.
الأربعاء 2017/07/19
تعليم أبناء الأثرياء في باكستان مختلف عن غيرهم

إسلام آباد – تهدف المدارس الخاصة الجديدة في باكستان إلى غرس القيم والأخلاق في عقول طلابها، وتقدم فرصة تعليمية وفقا لطرق التعليم الحديث ممزوجةً بالمبادئ الدينية كمحاولة لتغيير فكرة التعليم الإسلامي التقليدي، الذي يعتمد غالبا على حفظ آيات القرآن الكريم عن ظهر قلب.

وتستجيب هذه المؤسسات التعليمية بشكل رئيسي لرغبة طبقة الأغنياء من الأولياء المسلمين المحافظين الذين يريدون لأطفالهم تعلم مبادئ الدين الإسلامي. وتستند إلى فرضية أن الطبقات الراقية هي من تحدث التغيير الأخلاقي في المجتمع.

ويهتم ممولو المدارس الدينية بغرس الأخلاق والقيم في أجيال المستقبل. ويقررون مَن مِن الأطفال المسلمين له حق القبول في تلك المدارس الإسلامية الخاصة. وهم، بشكل آخر، يقدمون الدعم لتعزيز المبادئ المحافظة في المجتمع.

وفي حي راق بمدينة كراتشي بباكستان تطل بوابات مدرسة المرحلة التمهيدية “هداية مونتيسوري” على حديقة جميلة تحوي ألعابا وأقفاصا لحيوانات أليفة. كل قطعة في الحديقة تحمل اسمها مكتوبا بخط عريض على ورقة بيضاء بهدف زيادة حصيلة المفردات اللغوية للأطفال في أوقات اللعب. ويتم استخدام اللغة العربية ليس بهدف تعليم الأطفال فحسب، ولكن لتعليمهم كيف يصبحون مسلمين صالحين.

مدارس تعرف ما تواجهه عائلات الطبقة العليا في باكستان من قلق حول ما يجب أن يكون عليه المسلم في الحياة المعاصرة

وتأتي المؤسسات التعليمية في مثل هذه المرحلة التمهيدية، كحضانة “هداية مونتيسوري”، في طليعة اتجاه جديد بدأ يأخذ مساره بين الأثرياء في باكستان؛ وهو دمج التعليم الإسلامي بالتعليم الخاص. ففي السنوات الأخيرة، افتُتح عدد كبير من المدارس التي تقدم فرصة التعليم بشكل تقليدي جنبا إلى جنب مع فرصة لتعلم اللغة العربية وحفظ القرآن الكريم. ولكن تجاوزت بعض المدارس مجرد فكرة تعليم القرآن، ووعدت بتعليم منهاج إسلامي شامل.

ويصف منشئو المدارس الدينية المدارس الخاصة بأنها علمانية، ذلك لأن الدين الإسلامي لا يمثل إطارا للمنهاج التعليمي ككل وهو فرع من فروع المواد الدراسية لموضوعات دنيوية أخرى تختص هذه المدارس بتعليمها.

وينقسم التعليم الابتدائي والثانوي في باكستان إلى حد كبير بين المدارس الحكومية والمدارس الخاصة والمعاهد الدينية. وفي السنوات الأولى من تاريخ باكستان، التحق الأطفال إما بالمدارس الحكومية وإما بالمدارس التي تديرها الطوائف الدينية. وكانت المدارس التبشيرية الكاثوليكية، فضلا عن المدارس التي يديرها من يعتنقون الديانة الزاردشتية، تحظى بإقبال لتركيزها على الأكاديميين والانضباط والأخلاق.

ولكن وبعد تراجع جودة التعليم بالمدارس الحكومية وتأميم المدارس التبشيرية في السبعينات، وكذلك توجه الحكومة في ذلك الوقت لإنشاء مشاريع تعليمية للتربّح، ظهرت المدارس الخاصة. ووفرت هذه المدارس التعليم باللغة الإنكليزية إلى الأثرياء. وفي نفس الوقت الذي لا تزال فيه المدارس الكاثوليكية والمدارس الزاردشتية ذات قيمة عالية، أخذت المدارس الخاصة مكانها باعتبارها واقعا في مجال صناعة التعليم.

ويوجد الآن الكثير من المدارس الخاصة في كل زاوية في المدن الباكستانية من بينها التي تحمل علامة تجارية مميزة مثل سلسلة مدارس “سيتي سكول”. وفي الوقت الذي تعاني فيه المدارس الحكومية من نقص الموارد واتباع منهج تعليمي عفى عليه الزمن أصدرته الدولة، تتبع المدارس الخاصة منهجا مستقلا وموسعا برسوم وتكاليف مرتفعة.

السلالة الجديدة من المدارس الإسلامية الخاصة تجمع بين بعض سمات المدارس الخاصة والتعليم الكاثوليكي

وتوفر المدارس الخاصة نفس نظام التعليم في كامبريدج، وتعلم المناهج التي تصدرها الحكومة للطلاب الذين يلتحقون بامتحانات الدولة في الصفين التاسع والعاشر. وغالبا ما تنقد المدارس الخاصة بارتفاع رسوم الالتحاق، وغالبا ما يُجبر الطلاب على تحمل نفقات دروس إضافية مكلفة. وبما أن المؤشر المعتاد للمدارس الناجحة هو نتائج الامتحانات فهي تركز على الإنجازات الأكاديمية.

في المقابل واجه النموذج الشائع للتعليم المتمثل في المدارس الإسلامية التي تركز على تحفيظ القرآن انتقادات كثيرة في أساليب التعلم، وانطلقت مزاعم كثيرة حول السلوكيات المستخدمة للتعليم بدءا من ضرب الأطفال إلى تعزيز فكرة التطرف. لهذه الأسباب يرفض الأولياء الأثرياء إلحاق أطفالهم بتلك المدارس ويفضلون إرسالهم إلى المدارس الخاصة.

ويعتقد ممولو المدارس الدينية أنهم يسعون لعلاج الأزمة التعليمية التي تفاقمت بسبب التعليم الخاص وكذلك بسبب التعليم الإسلامي التقليدي.

ويقول عاصف إمام، مؤسس مدرسة هداية “أعتقد أن هذه المدارس فشلت حقا في توصيل رسالة التعليم، حيث تتبع منهاج التعلم عن ظهر قلب، وهم لا يفهمون حقا القرآن والسنة بشكل جيد، غير أن سلوك الطلاب المتخرجين من هذه المدارس لا ينطبق مع ما تعلموه”.

وتجمع السلالة الجديدة من المدارس الإسلامية الخاصة بين بعض سمات المدارس الخاصة والتعليم الكاثوليكي؛ مثل التفرد والرسوم المرتفعة وغرس أفكار الفضيلة. وتهدف إلى إعادة العصر الذهبي للإسلام وهو العصر الذي عاش فيه العلماء الإسلاميون. وأُنشئت المدارس الخاصة في المدن الباكستانية الرئيسية؛ مثل كراتشي ولاهور.

ولم يظهر هذا النوع من المدارس من فراغ أو بسبب ارتفاع معدلات الشكاوى ضد المدارس الخاصة، ولكنه يمثل مظهرا من مظاهر التحول الاجتماعي الذي يحدث في باكستان بين طبقات المجتمع العليا والوسطى التي تعيد إحياء عقيدتها الإسلامية.

يقول عمير جاويد، كاتب في صحيفة “دون” وعالم اجتماع في كلية الاقتصاد بلندن، “إن هذه المدارس تعرف ما تواجهه عائلات الطبقة العليا والمتوسطة في باكستان من قلق في السنوات الأخيرة حول ما يجب أن يكون عليه المسلم الحقيقي في هذه الحياة المعاصرة”.

12