المدارس الشرعية عقبات في وجه التعايش

الخميس 2017/05/04
مدارس دينية بهوى إيراني

شكّلت المدارس الدينية الشرعية في سوريا جزءا من النسيج الاجتماعي الديني الطبيعي، وقد اجتذبت أبناء المدن والريف من صغار الكسبة، ومن المنتمين إلى عائلات ذات مرجعية دينية إضافة إلى الوافدين الباحثين عن العلوم الشرعية في “شام شريف”.

بقيت المدارس الشرعية بعيدة عن الإطار الحزبي أو التنظيمي الذي لجأ إليه الإخوان المسلمون منذ أربعينات القرن العشرين، فلم تدخل حيز العمل السياسي رغم ما مرت به من تضييق تحت تهمة التعاطف مع الإخوان المسلمين، ومن انفراج جزئي بعد أن استقرت أمور التعليم الشرعي في ما عرف بـ”معاهد الأسد لتحفيظ القرآن” والتي تحولت لمؤسسات رسمية تدار بإشراف الحكومة السورية ويعد العاملون فيها موظفي دولة عليهم تأييد خياراتها أو تبرير سلوكها.

فالسيطرة على المجال الديني وإدارة المحتوى الديني من وعظ وإرشاد وإفتاء أفقدت المؤسسات الدينية مصداقيتها الشعبية وهيبتها الدينية، مقابل مرجعيات دينية سياسية أخرى بنت مصداقيتها وشعبيتها نتيجة بعدها ومعاداتها للنظام الذي يحتكر الدين لصالح أهوائه السياسية، وخلقت إطارها الخاص.

وتم توظيف الدين كأداة تعبوية تجذب قطاعات كبيرة من الناس والطلبة وتساهم في بناء منظومة التطرف البعيدة عن الإسلام الشامي المتّسم بالانفتاح والاعتدال. وشكّلت هذه المنظومة المتطرفة بعد انفجار الحراك في مارس 2011 جزءا من حركة الجهاد وحاضنة مناسبة لمدّها بعناصر مقاتلة.

الأخطاء المتراكمة في التعامل مع الشأن الديني كجزء من السلطة السياسية مثل الدفاع والأمن، واعتباره أداة من أدوات تنظيم المجتمع وضبطه، ومحاولة تطويع الديني بما يناسب السلطة، إضافة إلى توظيف الدين لبناء الهويات الوطنية والتماسك الاجتماعي وراء النظام القائم؛ هي ممارسات مازالت مسيطرة على عقلية النظام رغم ما وصلت إليه الحال السورية من احتقان وتفكك مجتمعي على أساس الهوية الدينية الطائفية، بل تم تغيير اتجاه الدفة لقيادة احتقان مذهبي وبناء كتل مذهبية باستهداف التعليم الشرعي لصالح “التشيّع”.

فعمل وزير الأوقاف محمد عبدالستار السيد على تحويل عشر حوزات دينية إلى ثانويات شرعية تتبع لوزارة الأوقاف وتعترف بها وزارة التربية، تم عن طريقها تجنيد الشباب السوري مذهبيا عبر تقديم المنح الدراسية المجانية للطلاب السوريين للدراسة في إيران، ودفع مبالغ لمن يعتنق المذهب إضافة إلى تخصيص راتب شهري لطلاب هذه المدارس، وذلك من خلال التمويل الإيراني.

كما تم في 2014 افتتاح مدرسة “الرسول الأعظم الشرعية للمذهب الجعفري” في قرية رأس العين الواقعة في ريف مدينة جبلة في الساحل السوري، التابعة لمديرية التعليم الشرعية في وزارة الأوقاف، وتعدّ أول ثانوية لتعليم المذهب الجعفري، ويشرف على المناهج الدراسية بشكل مباشر جامع الرسول الأعظم أكبر مراكز التشيّع في سوريا.

ويحق للمتخرجين التسجيل بكافة الفروع الأدبية أو في الجامعة الشرعية أو الكلية الدعوية “الشيعية” في جامع الرسول الأعظم. وقد تلاها في 25 سبتمبر 2016 افتتاح ثانويتين شرعيتين لتدريس المذهب الجعفري واحدة للبنين وأخرى للبنات في كلٍّ من ناحية البهلولية وقرية الدالية في ريف اللاذقية بإشراف جمعية “البستان الخيرية” التي تأسست بتاريخ 10 مايو 1999 في اللاذقية.

وحسب إعلانات الافتتاح فإن الطلبة سيحصلون على مبلغ 5000 ليرة شهريا، إضافة إلى ضمان القبول الجامعي في حوزات إيران والعراق أو كلية الدراسات الإسلامية في المجمّع ذاته، مع تأمين الوظائف في مؤسّسات وفروع المجمّع المتنامية.

وبالرغم من حفاوة بعض الأهالي بتلك المغريات، وحفاوة آخرين من المتعصبين للطائفة بأن شرعية البهلولية هي أول مدرسة علوية في سوريا، إلا أن القلق طال الكثيرين من احتمال أن يعادي الطلاب تقاليد وأسلوب عيش ذويهم، إذ لا ضمانة كافية بأن يحافظ الطلاب على هويتهم، وقد كان شرط الحجاب على البنات أول بواعث القلق من أثر هذا النمط التعليمي.

ومع حال التشظي الطائفي والمذهبي الذي أغرق سوريا بدماء أبنائها، وبدل الخروج من دوامة التعصب عبر تعزيز الهوية الوطنية الجامعة وربط الدين بالحرية الشخصية، يتم استغلال الدين لخدمة أهداف سياسية وإنعاش الهويات الطائفية وتمتينها خلف جدران المدارس الشرعية لتكوين كتل مذهبية منغلقة تبني متاريسها الصلبة في وجه العيش المشترك وتحقيق الدولة المدنية، وتجعل القادم أسوأ من الماضي.

13