المدارس القرآنية سد منيع أمام تجنيد بوكو حرام لشباب أفريقيا

الجمعة 2015/03/27
وعي مسلمي أفريقيا بأهمية التعليم سينقذ الشباب من الوقوع فريسة لدعوات بوكو حرام

دوالا (الكاميرون) - بوكو حرام النيجيرية التي بايعت تنظيم داعش وقائده البغدادي وكانت سببا في انتشار العمليات الإرهابية في غرب القارة الأفريقية ووسطها، جعلت مسلمي هذه الدول يسعون لوقف عمليات تجنيدها للشباب من خلال جعل المدارس القرآنية فضاء لتبيان حقيقة الدين الإسلامي ومبادئه الداعية للتسامح والسلام، ولتكون الدروس الدينية والمناهج التعليمية المتنوعة حلالا لا حراما كما يدعي إبراهيم شيكاو وأتباعه.

مع تواتر عمليات تجنيد الشباب المسلمين من قبل مجموعة بوكو حرام، اجتاحت العائلات المسلمة المقيمة بحي نيو تاون الواقع على مقربة من مطار دوالا، والذي يعد ثاني أحياء المسلمين في المدينة وأكثرها فقرا، المخاوف من قدرة المتمردين النيجيريين على استقطاب أبنائهم. مخاوفهم هذه تدفعهم إلى وضع آمالهم في ما يمكن أن تتيحه المدارس القرآنية من تعليم يفتّح عقول أبنائهم على تعاليم الدين الإسلامي الحاثة على السلام والمحرّمة للقتل.

وبما أنّ كلمة “بوكو” تعني بلغة قبائل “الهوسا” المنتشرة شمال نيجيريا “التعليم”، فقد ارتأى معلمو المدارس القرآنية بدوالا، العاصمة الاقتصادية للكاميرون، تعليم الأطفال القيم السامية للدين الإسلامي، باعتباره “بوكو حلال” أي تعليم حلال يهدف إلى الوقاية من انخراط شباب المسلمين ضمن مجموعة “بوكو حرام” المسلّحة، رافعين شعار “هم يقولون بوكو حرام ونحن نقول بوكو حلال”.

الشيخ ساربو معلم بمدرسة قرآنية وإمام، وهو أيضا منسّق مساجد مدينة دوالا، يقول، إنّه يعلّم طلاّبه الـ”بوكو حلال”، مضيفا أنّ “بوكو حرام تتصدّى للتعليم الغربي، ونحن نقول بوكو حلال لأننا نؤيّد التعليم الذي يتسق وتعاليم الإسلام السمحة، ولأنّ النبي محمد (ص) قال ما مفاده أن أطلبوا العلم ولو كان في الصين”.

وبحديثه عن المدارس القرآنية، قال الشيخ ساربو إنّه “لا يمكن لشخص تلقى تعليما جيدا وكما ينبغي في مثل هذه المؤسسات، أن يكون سيئا في مختلف مراحل حياته”، لافتا إلى أنّ هذه المدارس “تعلّم الأطفال سبل التمكّن من القرآن الذي يحثّ على احترام الكبار ويحظر القتل.. إنها تعلّم الاحترام، وسواء كنت كبير السنّ أو صغيرا، يتوجّب عليّ احترامك”

ولتجنّب تجنيد الأطفال من قبل جماعة بوكو حرام المسلّحة، يعمل معلّمو المدارس القرآنية بدوالا على تعليم الناشئة قيم التعايش الجماعي، وأهمية السلام والتعليم على وجه الخصوص، تماما كما نصّ على ذلك القرآن الكريم.

التعليم هو الطريق الحامي للفئة التي وقعت تحت تأثير مقولات الجهاد والخلافة المؤولة خارج سياقها الديني والتاريخي

الحاج إبراهيم تشيدو، مؤسّس مجمّع مدرسي إسلامي خاص، يقول إن بوكو حرام تجنّد الشباب القادم من الأحياء الفقيرة، ولكن ليست الفقيرة إلى المال فحسب، وإنّما أيضا تلك التي تعاني من الفقر الروحي والتعليمي، لأنّه لو تلقى هؤلاء الأطفال التعليم المناسب، فلن يلهثوا وراء 10 آلاف فرنك أفريقي (16 دولارا)، خصوصا أنّ مبلغا مماثلا لا يضاهي شيئا مقارنة بالحياة الإنسانية.

ويؤكد إبراهيم أن التصدي لبوكو حرام “يبدأ من المدارس القرآنية، لأنّ التعليم هو الأساس”.

وأضاف صاحب المجمع التعليمي الأكثر ارتيادا في المدينة الساحلية “لو قال لي معلمي ووالداي، منذ سنوات طفولتي الأولى، إنه لا ينبغي أن نقتل الناس مقابل المال، ولو كان مليارا، فلن أفعل ذلك أبدا”.

الكثير من الآباء استوعبوا، من جهتهم، الخطر الذي يتهدّد أبناءهم، والكثير منهم أدرك أنّ عليه التحرّك سريعا للحيلولة دون انضمام أبنائه إلى بوكو حرام، ومحمد ساليف أحدهم. فهذا الأب لسبعة عشر طفلا، فهم ما يتعيّن عليه فعله، إذ يقول “لديّ تسعة أولاد من الذكور، ومنذ سنة تقريبا أقوم أيام السبت بتنظيم حلقات، يقع فيها النقاش بين مجموعة من الرجال، وأتناول من خلالها مواضيع من قبيل أهمية احترام الخالق والقرآن، بل قمت بتسجيلهم (أبناءه) جميعا في إحدى المدارس القرآنية”.

لكن، ورغم المساعي الحثيثة المبذولة من قبل أكثر من طرف بهدف احتواء الشباب، إلا أن عددا كبيرا من هؤلاء، وخصوصا أبناء أحياء نيو بيل (أكبر حيّ للمسلمين في دوالا)، ونيو تاون المطار، يعدون من أكبر مرتكبي الجريمة.

الشيخ ساربو عاد ليؤكد أنه “بإمكان بوكو حرام استثمار جنوح هؤلاء الشباب نحو الجريمة، وذلك عبر تجنيدهم، ومن هذا المنطلق، ينبغي توعيتهم وتعليمهم، وهذا ما أقوم به كلّ يوم، خلال إقامة الصلاة، أو عندما نجتمع ضمن الحلقات التعليمية مع شباب الأحياء”.

موقف يلتقي فيه مع الحاج إبراهيم تشيدو الذي قال “ينبغي إعادة فرض الأخلاق داخل العائلات وفي المدارس، والتصدّي لبوكو حرام يبدأ من العائلة أيضا، قبل أن يتدعّم عبر الدروس”، مشيرا إلى أنّ الحل لا يكمن في تنظيم المسيرات التي تجوب المدن الكاميرونية لأنّ ذلك شبيه بالفلكلور، وإنّما ينبغي تعليم أطفالنا”.

بوكو حرام من خلال دعواتها التكفيرية ومحاولاتها تطبيق مفاهيمها الخاطئة للدين جعلت نواقيس الخطر تدق في القارة الأفريقية من حيث بث الفوضى والعنف باعتماد جيش مكون من شباب لم يجد من يوجهه نحو طريق الحق والفضيلة ويبيّن له صحيح تعاليم الدين، لذلك فالتعليم هو الطريق الحامي لهذه الفئة التي وقعت تحت تأثير مقولات الجهاد والخلافة المؤولة خارج سياقها الديني والتاريخي، والتي اتكأت عليها تنظيمات الإسلام السياسي لحشد أنصار لها ما جعل الشباب وقود حربها في تمكين أفكارها المتطرفة.

13