المدافعون عن داعش

الجمعة 2015/02/20

رغم أن تنظيم الدولة الإسلامية لم يتوقف منذ ظهوره عن تقديم البراهين والأدلة على أنه تنظيم يسير وفق منهج تخريبي إرهابي، إلا أنه ما زال يلقى رواجا في الشارع العربي الإسلامي، وقد حقق أو استطاع اكتساب جمهور واسع من المرضى النفسيين المؤمنين بنظرية المؤامرة التي تستهدف الإسلام، والذين لا يخفون سرورهم بالانتصارات التي يحققها التنظيم على القوات العراقية باعتبارها قوات طائفية تدار من قبل المخابرات الإيرانية.

أسهمت بعض وسائل الإعلام العربية والعالمية بإضفاء صبغة من الغرابة التي أعطت داعش بعدا أسطوريا، وأوصلتها مرحلة من التفوق من حيث القدرات العسكرية، ما دفع الولايات المتحدة إلى تحشيد عشرات الدول في العالم لمحاربة التنظيم لأنها عاجزة بمفردها عن القضاء عليه.

يضاف إلى كل ذلك التصريحات المتشائمة التي لا ينفك مسؤولون أميركيون عن الإدلاء بها حول استحالة القضاء على داعش خلال فترة قصيرة، وبينما تؤكد الشهادات التي يرويها الكثير من المواطنين القابعين تحت حكم التنظيم في المناطق التي قام بالسيطرة عليها في سوريا أو العراق أن حياتهم تقارب الجحيم، إلا أن ذلك يمكن تبريره في سبيل خدمة القضية الكبرى وهي انتصار “أمة الإسلام” والقضاء على الأنظمة العميلة لإيران. ولم يخف أحد الإعلاميين الليبراليين استعداده لتأييد داعش حال أعلنت الجهاد لاستعادة فلسطين.

وهكذا فإن داعش التي صنفت بداية على أنها عدو أول باتت الآن مغفورا لها، ولعل ردود الأفعال التي أعقبت قيام التنظيم بإحراق الطيار الأردني معاذ الكساسبة والتأويلات التي صاحبتها تحيلنا إلى أن الخلل في الشارع العربي يزداد ويتفاقم. فالشارع الحالم بالحرية والعدالة بات منقسما على نفسه، ولا يجد بعضه ضيرا في قتل الكساسبة ما دام شارك قوات التحالف “الصليبي” هكذا حرفيا، في قصف مناطق مدنية في الرقة السورية المحتلة من قبل التنظيم الذي قتل من أهلها الكثير.

ورغم أن حادثة إحراق الكساسبة قد خلفت صدمة مروعة، إلا أن الحوادث التي سبقتها والتي طالت بعض الصحفيين الأجانب مرت مرور الكرام، هذا إن لم تتضمن شماتة من نوع ما كونهم ”جواسيس” و”مخبرين”، حسب تأويل شعبي، رافقه أحيانا تأويل رسمي من قبل النظام السوري الذي يتهم كافة الصحفيين وعمال الإغاثة الأجانب الذين يدخلون سوريا بأنهم عملاء لجهات استخباراتية تهدف إلى النيل من سيادة الدولة.

ولعل حادثة مقتل الطبيب البريطاني عباس خان في سجون النظام لا تقل إجراما عما فعلته وتفعله داعش، وقد مرت تلك الحادثة وأغفلت بعد أن وجدت في صفوف مؤيدي النظام من يروي حكاية قيام خان بالتجسس والمشاركة في المؤامرة الدولية، وحادثة خان تضاف إلى عشرات الحوادث التي كان النظام السوري يجد لها تبريرات لا تختلف عن تبريرات داعش ومؤيديها.

حظيت جريمة ذبح 21 عاملا مصريا في ليبيا بعديد الروايات التي تفند قيام التنظيم بعملية الذبح، وتلقي بالاتهامات على عدد من الأطراف السياسية سواء في ليبيا أو في مصر، وصولا إلى الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية، كما تضمنت تحليلات أخذت حيزا شغلنا عن هول الجريمة، وفي هذه الاتهامات والتحليلات تبرئة، قد لا تكون مقصودة، لتنظيم داعش، الذي يستند في عمله على منهج محدد، وهو يسير نحو نشر الفوضى والإرهاب قدر ما يستطيع لأن تلك الفوضى هي العامل الوحيد الذي سيمكنه من التمدد والاستمرار، طبعا في ظل غياب الدولة أو بدائلها الاجتماعية أو الاقتصادية، وقد أفلح في الوصول إلى ذلك من خلال استيلائه على المناطق التي تحررت من سيطرة النظام في سوريا، أو تلك التي أسقطتها الحكومة العراقية السابقة من حساباتها ومارست عليها تهميشا لأسباب طائفية.

لا يأخذ الدفاع عن داعش شكل تبني أفكارها و”الانضمام” إلى صفوفها فقط، لكنه أيضا يأخذ شكل تسويغ تصرفاتها واعتباره أمرا طبيعيا، أو رد فعل على أمر ما، وهذا يمهد الطريق لتقبل أفكار وتنظيمات قد تكون أشد خطورة وإرهابا من داعش نفسها.


كاتب سوري

8