المدرسة المعادية للعقل: الفلسفة أو الطوفان

الأحد 2015/11/22
تخطيط: ساي سرحان

لا تشجيع ولا تثمين للشك الفلسفي في برامج التعليم العربية إذ في عرف الكثيرين لا حاجة إلى عقول تتساءل، فكلّ من تمنطق تزندق وما الفلسفة إلا التيه في متاهات الشك والشك مفتاح الشرك كما نقرأ في الأثر. وينبغي والحال هذه إبعاد العوام عن أخطار علم الكلام.

فهل الشك هو الذي قد يجعل الناس مجانين أم اليقين؟

لا تطرح مسألة الحقيقة بتاتا لدى الأصوليين المتطرفين المتخرجين من المدارس العربية لأنهم يملكونها، يقدمها لهم زعماؤهم طازجة عبر الفضائيات وقد أتحفوهم مذ كانوا صغارا بأكمل طريقة استعمال للوجود، ينهلون منها وصفة جاهزة لحل كل ما تطرحه عليهم الحياة والموت من قضايا. ولئن لطفت كل روحانية حقيقية مسحة من التساؤل والشك، فالروحانية التي يتبجح بها الأصوليون ما هي في الحقيقة سوى تديّن شعبوي انتهى أجوبة قاطعة جامعة مانعة.

لا جدوى من آلات الكومبيوتر يقول الرسام بيكاسو، فهي لا تقدم سوى أجوبة. وتلك هي حال المدرسة العربية لأن لا أثر فيها للنظر الفلسفي إذ تبقى الفلسفة فريضة غائبة في مجمل برامجها البيداغوجية وحينما تحضر في بلدان قليلة فهي أقرب إلى دروس في عقلنة اللامعقول منها إلى حب الحكمة واستعمال العقل.

وبهذا التعليم الموجه، تعليم التسليم بالحقيقة الجاهزة، يحرم التلميذ العربي من نعمة ممارسة التفكير النقدي والتساؤل المستمر حول الحقيقة وهكذا يخيّل إليه مع الأيام أنه يملك الحقيقة المطلقة. ومن يعتقد أنه يملك الحقيقة فحتما سيحاول أن يفرضها على الناس أجمعين بالقوة إذ وجد من يغرر به ويدفعه إلى ذلك. وهو ما يفعله المتطرفون الإسلاميون منذ عقدين.

ولتجريد الناشئة من ملكة النقد، حاول بعض من كانت تعتبرهم الإدارة الجزائرية أساتذة فلسفة في منتصف ثمانينات القرن الماضي أن يقودوا حركة ضد تعليم مادة الفلسفة لطلبة البكالوريا في الجزائر. وقد أمضى العشرات منهم عريضة تطالب وزارة التربية والتعليم بحذف مادة الفلسفة نهائيا من البرامج والمقررات.

وكان الهدف ولا يزال حرمان التلاميذ من الحوار الحر والجدل والاختلاف الجذري وذلك ليسهل دمجهم في إجماع مقيت ولتنمية الأوهام والمحافظة على الأفكار المسبقة التي زرعت فيهم في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة. وفي غياب الفلسفة والتفكير الحر تبقى المسلمات في التوالد وتبقى الذات المتوهمة تتوهم ويتوالى الانحدار نحو التعصب وتزداد معاداة الصيرورة.

وهكذا يتسنى للأصولية زعزعة النظام الاجتماعي والأخلاقي والروحي وفرض حقيقتها المطلقة، وكل يقين هو بداية لشمولية ما، “نلبس جلد مجرم في نفس اللحظة التي نعتقد فيها أننا فهمنا كل شيء”، هكذا يتحدث الفيلسوف سيوران ويقترب كثيرا في هذه الشذرة من الإحاطة الكاملة بحقيقة الإسلاموية وإن لم يقصد هذا الإجرام بذاته.

فإن كان التلميذ العربي في منجى عن الشك، فهو ينشأ تحت ظلال يقين يملى عليه وهو ما يسهّل تجنيده في صفوف الإسلاموية المتطرفة التي هي في النهاية اعتقاد بامتلاك الحقيقة وعقاب الذين لا يريدون الأخذ بها.

وهكذا تبقى الفلسفة الدرع الواقي أمام هجمات المتطرفين الإسلاميين لأنها انتفاضة راديكالية ضد كل من يريد ممارسة سلطة ما على وعينا، ضد أن نكون مُراقَبين، مفتشين، مأمورين، كما تقول عبارة الفيلسوف برودون الشهيرة.

كاتب من الجزائر

11