المدكوكة أكلة تجمع العراقيين على الدفء في ليالي الشتاء

العائلات العراقية تحرص على استحضار الأطباق التي تشكّل جزءا من التقاليد العريقة وخاصة لدى حلول فصل الشتاء.
الأربعاء 2018/12/12
حلوة المذاق في متناول كل الطبقات

تكريت (العراق) – تحرص عائلات عراقية على المحافظة على تقاليد موروثة لإعداد أكلات شعبية تشكّل جزءا من التقاليد العريقة وخاصة لدى حلول فصل الشتاء، وانخفاض درجات الحرارة. ومن بين هذه الأطباق “المدكوكة”.

تعدّ المدكوكة طبقا عراقيا موغلا في القدم، توارثها العراقيون منذ أمد بعيد وتكاد تكون من المصطلحات القليلة التي يتفق عليها الجميع، سواء كانوا عربا أو أكرادا أو تركمانا أو مسلمين أو مسيحيين.

تتكوّن المدكوكة من التمر والسمسم وبعض المطيبات، تمزج جميعا معا “بدقها بالهاون” حتى يكون زيت السمسم قد بدأ بالتجمّع في أسفله، ثم يتحوّل المزيج إلى قطعة حلوة المذاق معمولة بشكل بسيط.

وللعراق -وهو أحد أقدم بلدان العالم، وقد قدّم لأبنائه وللإنسانية إرثا هائلا من العادات والتقاليد والقيم والفنون والآداب- في كل ميدان قصة، وفي كل قصة حكاية لم تزل تدغدغ الأسماع رغم كل ما يمر به هذا البلد من خراب ودمار.

وسط زحام الأطعمة الجديدة والحلويات الفاخرة المصنّعة في أرقى المعامل وأكثرها حرصا على شروط السلامة الصحية والسيطرة النوعية والتي تقدّم أشهى وألذّ المذاقات، تبقى الأكلات الشعبية بنكهتها الخاصة التي يحرص عليها الجميع، ويعملون على ألاّ يطويها النسيان.

وفي شتاء العراق الذي تغيب عنه كل مستلزمات الرفاهية الحديثة من كهرباء والوسائل المرتبطة، يبحث العراقي عن أي شيء يذكّره بأمس قريب كان إلى حد ما هادئا قبل أن تمزق هدوءه قذائف الحروب منذ سنوات.

يقول عبدالله الموظف الحكومي، “أحرص على تناول وإعداد المدكوكة، سواء مع الأسرة، أو بحضور الأصدقاء لقضاء ليلة سعيدة قد تمتد إلى وقت متأخر من الليل.. ننسى خلالها كل ما يحيط بنا من هموم ومآس”.

ويضيف “التمر الزهدي الجاف، وهو احد أصناف التمور العراقية الأكثر شيوعا في أرض الرافدين، هو المادة الأساسية (في المدكوكة)، إضافة إلى السمسم والمطيّبات مثل (الحبهان) الهيل وحبة الحلوة والجوز ومواد أخرى يتم وضعها في هاون، ومن ثم نتناوب عملية الدق بالهاون الذي قد يكون مصنوعا من الخشب أو النحاس في أجواء عائلية جميلة، تنتهي بتناول المدكوكة التي تمتلك سعرات حرارية تخفف من شدة برد الشتاء”.

المدكوكة طبقا عراقيا موغلا في القدم
المدكوكة طبقا عراقيا موغلا في القدم

وذكر عبدالله “تقدّم بعد الانتهاء من عملية المزج على شكل كرات صغيرة ليتناولها المجتمعون في ظل أجواء من البهجة والسعادة، بعيدا عن أجواء العنف وأحاديث السياسة”.

تعدّ أكلة “اللبلبي” من الأكلات الشعبية المفضلة التي يقبل عليها العراقيون في فصل الشتاء، وذلك لأنها وجبة لذيذة وغير مكلفة وفي نفس الوقت دافئة، حيث تُشعر من يتناولها بالدفء وتبعث فيه النشاط والحيوية نظرا إلى مكوّناتها الغنية بالحديد.

وعادة ما تؤكل اللبلابي ساخنة وحارة المذاق. وتتكون أكلة اللبلبي العراقية من الحمص المسلوق والخبز أو الصمون والزيت، إذ يُنقّع الحمص في الماء ليلة كاملة، ثم يترك على النار إلى أن يصبح طرياً، ويضاف إليها الثوم والكمون والقليل من الزيت.

وللبلبي ذاكرة كبيرة للعراقيين خاصة الأطفال في المدارس وكان صاحب العربة التي يبيع فيها اللبلبي ينادي “لبلوب، هذا اللبلبي، لبلبي يا ولد، لبلبي حار ومستوي، خذ فلوس من أمك وتعال اشتري”.

ومن الأكلات العراقية التي لا تغيب عن الشتاء أكلة الدبس والراشي الفقيرة كما يحلو للبعض تسميتها، أو من فاكهة الشتاء كما يحلو للبعض الآخر تسميتها أيضًا، لما تحويه من فوائد صحية، ولسعرها الزهيد المناسب للطبقتين الفقيرة والمتوسطة.

يستخلص الدبس من ثمار التمر في فصل الصيف ويخزن لفصل الشتاء، وتشتهر محافظتا كربلاء وديالى بإنتاجه، أما الراشي فهو خلاصة زيت السمسم، وتشتهر محافظات الشمال بإنتاجه.

تقول أم فاطمة إنها تحرص على تقديم طبق دبس التمر والراشي لأطفالها حتى أصبحت أكلتهم المفضلة في الأجواء الباردة بسبب ما تعطيه من طاقة وحيوية للجسم، مؤكدة على أن هذه الوجبة ارتبطت في الموروث الشعبي بإنجاب الذكور لذلك يُقبل عليها الرجال.

ثمة عادات وتقاليد تشكّل جزءا لا يتجزأ من حياة الشعوب، تحرص على أن تبقي جذوتها متقدة في نفوس أبنائها كي لا تضيع هذه بفعل التقدم العلمي والتقني الذي يشهده العالم في كل لحظة.

وكما أن هناك عادات وتقاليد في الملبس والتصرّف والسلوك، فإن للأطعمة هي الأخرى عادات وطرقا للعمل في أغلبها بدائية، لكن الشعوب تُبقي على طريقة تحضيرها بتلك الصورة لأنها قد تفقد شيئا من قيمتها الاعتبارية في حياتها لو صنعت بالطرق الحديثة.

20