المدن التاريخية حاضنة الآثار والتراث الثقافي تواكب التجديد الحضري

الاثنين 2015/03/30
القيمة الحضارية للمدن التاريخية مثل مدينة صنعاء تفترض تضافر الجهود الدولية لصونها

المنامة - المدن التاريخية والتجديد الحضري مشغل فكري كان مدارا لندوة انعقدت بالمنامة وتعاطت مع قضية التوفيق بيم المحافظة على التراث في ظل ما يتهدده راهنا من أخطار، ومواكبة معايير ومقتضيات التجديد الحضري.

المدن التاريخية تختزن تاريخ وتراث المنطقة التي تتواجد فيها وتحفظه للأجيال القادمة، ولكل مدينة تاريخية هويتها الخاصة وميزاتها المرتبطة بشكل مباشر بما بلغته الحضارات القديمة من تطور اجتماعي ومعماري وفني وهو ما يكسبها أهمية بالغة تفرض الحفاظ عليها وصيانتها بطريقة تواكب من خلالها التطور الحضري لمحيطها.

النظرة إلى المدن التاريخية على أنها تراث مادي جامد تجاوزها العصر، وبالتوازي مع التطور المعماري والاجتماعي والتجديد الحضري يجب أن تتطور المدينة التاريخية، لذلك باتت ضرورية مراجعة كيفية إدارة التراث الثقافي في المدن التاريخية، وكيفية التوفيق بين التراث ‏الثقافي والتنمية الحضرية، وأيضا كيفية التعاطي مع التراث الثقافي من ناحية أدوات الحفظ الجديدة.

كل ذلك يتم بمراعاة انسجام هذه المدن مع محيطها الخارجي ومع تطور تقنيات الصيانة والترميم الحديثة لتتطور هذه المدن منسجمة مع محيطها بما يحفظ خصائصها المعمارية والاجتماعية، وهو ما يطرح تطبيق معايير تضمن إحياءها وفي الآن ذاته تحفظ طابعها الأثري وتراثها الثقافي الذي تتميز به عن غيرها.

المدينة التاريخية يجب أن تكون متناغمة مع التجديد الحضري، حيث تمتلك مقومات حضارية ومعمارية مميزة

هذه المحاور وغيرها تناولها بالدرس عدد من خبراء التراث العالمي والإنساني من منظمات إقليمية ودولية مختلفة، خلال المؤتمر الدولي بعنوان “المدن التاريخية والتجديد الحضري” الذي انعقد في مركز التراث العالمي بالمنامة التي تحتفي هذا العام بالتراث البحريني تحت شعار “تراثنا ثراؤنا”، ومن هذا المنطلق تسعى الجهات الرسمية ومنها المركز الإقليمي العربي للتراث العالمي إلى تثمين الموروث المادي والثقافي للبحرين وللمنطقة العربية بأكملها، معتبرة أن المدن القديمة “هي القلب النابض بحب الحياة”، وهو ما يستوجب العمل على الحفاظ عليها خاصة في ظل التحديات والأزمات التي تواجهها المنطقة العربية التي تعيش ظروفا تؤثر بشكل سلبي على إرثها الثقافي والمعماري العريق.

والمحافظة على المدن التاريخية مبحث علمي دولي يخضع للعديد من المواثيق الدولية التي أعدتها وساهمت فيها كل من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”، والمجلس الدولي للآثار والمواقع الأثرية “أيكوموس” والمركز العالمي لدراسة الحفاظ على المباني الثقافية وترميمها “أيكروم”، ومنها ميثاق أثينا لعام 1931، وميثاق فينيس لعام 1964 وتوصيات منظمة “اليونسكو” لعام 2011. ولكن هذه المواثيق تحتاج إلى دعم من المجتمعات المحلية يقوم على استخراج أدوات قانونية على المستوى الوطني للدول، وعلى العمل على تعريف القيم الثقافية للمجتمعات وربطها بعملية إعادة التأهيل المستدام للمدن التاريخية من خلال تنظيم ورش عمل للعصف الذهني في الدول العربية بهدف ضبط آلية عمل للحفاظ على التراث الثقافي في المنطقة.

ويرتكز التجديد الحضري للمدن التاريخية على عملية إعادة إحياء القيم الثقافية والتاريخية للمجتمع، وبذلك يكون مشروع التجديد داعما ومثبتا للخصائص التراثية للنسيج العمراني فيها عبر الحفاظ على الحرف اليدوية التقليدية وعلى الممارسات الاجتماعية القديمة وعلى العادات والتقاليد التي تميّزها وتعطيها هويتها الفريدة، وهو ما يخول لهذه المدن حفظ إرثها العمراني مع الحرص على أن يكون مواكبا لمتطلبات الحياة العصرية.

لإعادة التأهيل الحضري للمدن التاريخية بنجاح لا بد من اتباع مجموعة من التقنيات التي تؤمن صيانتها مع المحافظة على صبغتها الثقافية التاريخية

ولإعادة التأهيل الحضري للمدن التاريخية بنجاح لا بد من اتباع مجموعة من التقنيات التي تؤمن صيانتها مع المحافظة على صبغتها الثقافية التاريخية، وهو ما يتطلب القيام باستبيان يأخذ في عين الاعتبار العوامل الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى التخطيط لتطبيق مشاريع مبدئية للتعرف بشكل عملي على حاجات المدن التاريخية في الوطن العربي لتكون متناغمة مع المشاهد الحضرية بما يجعلها تنخرط في المشاريع التنموية المستدامة.

أما في ما يخص التراث الإسلامي الذي بات مستهدفا اليوم في ظل التغيرات التي تعيشها بعض الدول العربية الإسلامية، فقد أشار الباحثون إلى الدور الذي يجب أن تلعبه الأوقاف الدينية في حفظ التراث الإسلامي، إلى جانب تطوير مؤهلات الخبراء العرب في المجال وإعداد ميثاق دولي يمنع تدمير التراث الثقافي في المنطقة تشارك في صياغته المؤسسات المحلية والعالمية مع الاستئناس بما ورد في المواثيق الدولية السابقة.

وفي سياق متصل تحدّث السيد كريم هنديلي أخصائي البرامج في مركز التراث العالمي لـ”اليونسكو” في فرنسا عن عمل المنظمة في مجال المحافظة على التراث الحضري، حيث أكد إيمانها بأهمية التراث في التطوير الحضري المستدام وتنمية المجتمع. كما أوضح أن الحفاظ على التراث هو أساس اتفاقية “اليونسكو” لعام 1972 المعنية بالحفاظ على التراث الثقافي والطبيعي حول العالم. وأردف الهنديلي أن المنظمة دخلت الحركة العالمية للحفاظ على المدن التاريخية من خلال برنامج المدن التاريخية العالمية، وتوصية التراث العالمي الحضري وتوصية المناظر الحضرية التاريخية.

ويرى الباحثون أن المدينة التاريخية يجب أن تكون متناغمة مع التجديد الحضري، حيث تكون منطقة أثرية تمتلك مقوّمات حضارية ومعمارية مميزة، مليئة بالحياة التي تحفظ إرثها الثقافي مرتكزة في تكوينها على أسس المزج بين التراث من ناحية والتنمية الحضرية من ناحية أخرى، حيث يكون تراثها التاريخي نقطة انطلاق لسياسات تطورها المدني.

ومن مجالات البحث التي طرحت خلال المؤتمر، أثيرت مسألة التحدّيات الراهنة في المحافظة على المدن التاريخية في الوطن العربي مثل مدينة القاهرة، ومدينتي زبيد وصنعاء في اليمن وغيرها من المواقع الأثرية والمدن التاريخية المهددة بالدمار أو بالإهمال.

12