المدن الذكية.. الإنسان ينضم إلى صفوف أشياء أذكى

المدن الذكية ذات البنية التحتية المتشابكة لا تنام أبدا، الآلاف من أجهزة الاستشعار عن بعد المزروعة في الطرق وشبكات الصرف الصحي ومواسير المياه وأعمدة إنارة الشوارع تجمع البيانات والمعلومات ليل نهار، بل وحتى حاوية القمامة يمكن أيضا أن تكون متصلة بشبكة الإنترنت مرسلة مجموعة من التغريدات على موقع تويتر.
الثلاثاء 2017/02/28
صف طويل من العقول الجديدة

لندن - تبدأ المدن الذكية بمواطنين أذكى يمكنهم الاتصال بالإنترنت طوال الوقت. ويمنح اعتماد إستراتيجية "إنترنت الأشياء" الناس فرصة للبقاء على اتصال بكل شيء يستخدمونه في حياتهم اليومية.

وتحولت أساور اللياقة إلى مجسات تسهل بيع تذكرة الحافلة لمن يتدونها بمجرد ملامسة جهاز صغير يقبع بجوار السائق.

وفي عالم الموضة، يساعد صف طويل من حقائب اليد الموصولة ببعضها البعض الزبائن ومصممي الحقائب في التعرف على آخر خطوط الموضة الحديثة.

ويقدم موقع “إينوفو” خدمة الإنترنت التي تربط أجهزة الاستشعار عن بعد المثبتة في حاويات القمامة في كل المدن، في فنلندا والمملكة المتحدة وبلجيكا وكندا والولايات المتحدة، بشبكة اتصال واحدة لديها صفحة بعنوان "تراشكان لايف" على موقع تويتر. وتتمثل التغريدات على سبيل المثال في "امتلئت بنسبة 26 بالمئة.. حرارتي الداخلية 24 درجة مئوية.. من المتوقع أن أمتلئ بالكامل، الأربعاء المقبل".

وتساعد تلك التقنية في جعل عملية جمع النفايات أذكى وأرخص، ويقول الكثيرون إنه ربما تعتبر علاجا نهائيا لحل مشكلة الاستيقاظ مبكرا بسبب ضوضاء تفريغ حاويات القمامة.

وكلما ازداد اتصال البنية التحتية للمدن بشبكات الإنترنت في ما يعرف بـ"إنترنت الأشياء"، كلما ساعد كثيرا في سهولة حل معظم المشاكل.

كلما ازداد اتصال البنية التحتية للمدن بشبكات الإنترنت في ما يعرف بـ'إنترنت الأشياء'، كلما ساعد كثيرا في سهولة حل معظم المشاكل

إنترنت الأجسام

وانتشرت أساور اللياقة البدنية التي يمكن من خلالها قياس درجة حرارة الجسم وقياس معدل المياه في الجسم وكذلك معدل دقات القلب وتنظيم أوقات النوم. ويتعامل باحثون مع تلك البيانات التي يتم جمعها وتسجيلها على مدار اليوم على أنها دليل لكشف بعض الحقائق المهمة عن أساليب حياتنا، نهارا وليلا، ومدى تأثير ذلك على الصحة العامة.

وقارنت جوبون، وهي أحد منتجي أساور اللياقة البدنية، بيانات عدد ساعات النوم الخاصة بمليون مستخدم في جميع أنحاء الولايات المتحدة، ووجدت أن سكان المدينة لا يحظون إلا بعدد أقل من ساعات النوم على عكس سكان المناطق الريفية والضواحي. وبحسب النتائج أظهرت البيانات أيضا أن سكان منطقة بروكلين في نيويورك ينامون في وقت متأخر من الليل على عكس سكان منطقة "مايو" بهاواي.

وورد في التقرير أنه "ثمة علاقة طردية بين عدد ساعات نوم الفرد وحركة المدينة ونمط الحياة في العالم المحيط بنا، وهذا النمط من الممكن أن يكون سريعا وحافلا بالأحداث ومليئا بوسائل الترفيه الليلية كما هو الحال في بعض المدن الكبرى".

وقد يساعد الغزو التكنولوجي في إضفاء بعض الانضباط والهدوء على الحياة داخل المدن الكبيرة، على عكس ما يرغب فيه سكانها الذين يميلون على الأغلب إلى نمط الحياة الذي تغلب عليه الوتيرة المتسارعة والمليئة بالأحداث.

وطبقا لدراسة حديثة أجرتها شركة مايكروسوفت بعد حصر 75 مليون نقرة على محرك البحث الشهير بينغ، وجدت أن 30 ألفا من مستخدميه كانوا يرتدون أساور لياقة بدنية.

وبينت نتائج الدراسة أن أولئك ممن كانوا أكثر انشغالا خلال اليوم طبقا لأنشطتهم البحثية على الإنترنت، لا يحظون بالقسط الكافي من عدد ساعات النوم أثناء الليل وأنهم إذا ناموا أقل من 6 ساعات على مدار يومين متتاليين، فسوف ينعكس ذلك بالسلب على نشاطهم وحركتهم خلال ستة أيام متتابعة.

أندرو هدسون سميث: مع مرور الوقت ستصبح المدن مجموعة من الآلات المتصلة ببعضها البعض، وسينتهي دور الإنسان على هذا الكوكب

وخلص أندرو هدسون سميث، أستاذ التحليل المكاني المتقدم بجامعة لندن، إلى استنتاج منطقي واحد سوف تؤول إليه المبادرة الحالية لإنشاء شبكة "إنترنت الأشياء" لربط البنية التحتية للمدن وكذلك المواطنين.

وفسر هدسون سميث هذا الاستنتاج، لكنه أعرب أيضا عن مخاوفه من تبعاته المحتملة. وقال "خلق النحل في كوكب الأرض للعمل على تلقيح الزهور، وربما خلق البشر لبناء الآلات. بدأت أجهزة الروبوت للتو في الظهور، ومن المتوقع بعد مئتي عام أن تتحكم الآلات في تسيير الحياة في المناطق الحضرية. وستصبح المدن مع مرور الوقت مجموعة من الآلات المتصلة ببعضها البعض، وسينتهي دور الإنسان على هذا الكوكب".

ولم تعد المدن تطفئ أنوارها ليلا. ويقول أخصائيون نفسيون إن عدم الشعور بالظلام ولو لفترات محدودة خلال 24 ساعة "أمر خطير ويسبب الإزعاج ولا سيما لأولئك الذين يرغبون في قضاء بعض الوقت في التأمل أو الاستجمام أو التفكير بعيدا عن مشاغل العمل وضغوط الحياة".

صعود المدن الذكية

في سبتمبر الماضي أمرت السلطات بمدينة ريكيافيك في أيسلندا بإطفاء أنوار الشوارع في عدة مناطق مختلفة من المدينة لتسهيل رؤية شفق القطب الشمالي في السماء. كما قامت مدن أخرى باستبدال إنارة الشوارع بمصابيح “ليد” الموفرة للطاقة قصد التحكم في قوة سطوع الإضاءة في الشوارع.

وفضلا عن التوفير المادي وتوفير استهلاك الطاقة اللذين تحققهما تلك المصابيح (حيث يمكن أن يصل عمرها الافتراضي إلى عشرين عاما)، يمكن توصيلها بشبكة الكهرباء الرئيسية في المدينة بحيث يمكن التحكم في درجة سطوع وخفوت المصابيح.

وتذهب 40 بالمئة من تكاليف فاتورة الكهرباء لإنارة الشوارع، ولكن مع استخدام المصابيح الموفرة للطاقة استطاعت المدن توفير 2.5 مليون دولار من فواتير الكهرباء السنوية بحسب تقارير مدينة ديترويت في ولاية ميشغن الأميركية.

وفي غلاسكو في أسكتلندا تم استنساخ نفس الفكرة مع إضافة تقنية جديدة، وهي تركيب أجهزة استشعار للضوضاء في إضاءات الشوارع وربطها بكاميرات موصلة بدورها بشاشات تلفزيونية، بحيث إذا ارتفع مستوى الضوضاء عن المعدل الطبيعي يتم إرسال رسائل تنبيهية إلى غرفة العمليات لتقييم الوضع في حالة الاشتباه بوجود سلوك منحرف أو عمل إجرامي.

وبحسب تصريح المجلس المحلي للمدينة لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" لم تسجل حتى الآن أي بيانات لافتة للنظر عن كيفية أداء تقنية الإنارة الجديدة. من هذا المنطلق تتضح فكرة كيف يمكن لتقنية إنترنت الأشياء أن تلبس مدنا بأكملها رداء جديدا يتم من خلاله إسناد بعض الأدوار والمهام الجديدة إلى بنيتها التحتية، بالإضافة إلى المهام الرئيسية، وحتى وإن أدى ذلك في بعض الأحيان إلى أن يقابل حالة عدم رضا من بعض سكانها.

وحين أطلقت مدينة برشلونة في إسبانيا برنامجها "إنترنت الأشياء" اعتمدت على أساس قوي يتمثل في 500 كيلومتر من كابلات الألياف الضوئية الممتدة عبر المدينة، ليوفر بذلك وسيلة اتصال قوية، بالإضافة إلى كونه إمدادا لكل المقيمين في المدينة بالاتصال اللاسلكي بالإنترنت "واي فاي" عبر مختلف أرجائها.

مشروع المدن الذكية يسهم في ترشيد استهلاك الطاقة

وتتابع برشلونة مساعيها لتطوير نظم الإنارة في الشوارع من خلال تحويل أكثر من 1100 من أعمدة الإنارة في شوارع المدينة الكبيرة إلى استخدام مصابيح “ليد”، وهو ما يساعد في التقليل من استهلاكها للطاقة بحوالي 30 بالمئة.

كما تعمل سلطات المدينة أيضا على تثبيت أجهزة استشعار على الأعمدة لحساب عدد المشاة بهدف التعرف على مدى ازدحام المسافة القريبة من عمود الإنارة بالمارين، ويخفت مستوى الإضاءة تدريجيا تبعا لعددهم ونشاط الحركة القريب، وهو ما أسهم في تعزيز المحافظة على الطاقة.

وتمثل أعمدة الإنارة جزءًا من شبكة واي فاي في المدينة توفر وصولا مجانيا ومتواصلا للإنترنت عبر شوارعها.

كما تجمع أجهزة الاستشعار المركبة في أعمدة الإنارة بيانات حول جودة الهواء وتنقلها إلى مؤسسات المدينة والجمهور.

ومن أجل تحسين كفاءة استهلاك الطاقة وفرت المدينة حوالي 20 ألف عداد ذكي لمراقبة استهلاك الطاقة وتحسينها في عدد من المناطق المُستهدفة. وفي مجال إدارة النفايات تتجه مخلفات المنازل إلى صناديق قمامة ذكية تتبع المدينة، وزودت الصناديق بأجهزة استشعار لمراقبة مستوى النفايات فيها من أجل تحسين مسارات شاحنات جمع القمامة.

وفي ما يتعلق بالنقل، سعت برشلونة إلى تنفيذ إستراتيجية متعددة الوسائط، فبينما طورت استخدام السيارات الكهربائية وبرامج مشاركة الدراجات، استثمرت في الوقت نفسه في تحسين أنظمة الحافلات وانتظار السيارات.

وحولت محطات رقمية جديدة للحافلات انتظار السكان والسائحين إلى تجربة تفاعلية من خلال توفير تحديثات حول موقع الحافلة ومحطات لشحن الأجهزة الإلكترونية عبر منافذ "يو إس بي" وواي فاي وتطبيقات لمساعدة الزوار على معرفة المزيد عن المدينة.

ويستخدم السائقون تطبيق "أبارك بي" لمعرفة أماكن الانتظار المتاحة، ويسمح التطبيق أيضا بدفع رسوم الانتظار عبر الإنترنت.

وأسهمت تقنيات إنترنت الأشياء أيضا في تحقيق مستوى أعلى من الكفاءة في حدائق برشلونة العامة من خلال الاستشعار عن بعد والتحكم في الري بالحدائق ومستويات المياه في النافورات العامة. ويستعين المسؤولون عن الري في الحدائق بأجهزة استشعار تتابع مستويات الأمطار والرطوبة، ويحددون اعتمادا على بياناتها مقدار المياه اللازم لكل منطقة، مما ساعد المدينة في زيادة محافظتها على المياه وتخفيض قيمة فاتورة استهلاك المياه بنسبة 25 بالمئة.

وتنقل شبكة الاستشعار المتكاملة في برشلونة البيانات من خلال منصة "سنتيلو" التي طوّرت خصيصا للمدينة، لكنها تتوافر الآن بشكل مفتوح المصدر ويمكن للحكومات الأخرى استخدامها. وتيسر "سنتيلو" إدارة البيانات ومشاركتها مع مواطني برشلونة والعاملين فيها.

13