المدن الساحلية مهد تاريخ الإمارات وموطن تراثها الشعبي

الاثنين 2014/10/27
حصون وقلاع الإمارات كانت مقر الحكام ولازالت مخزن تاريخها القديم

أبوظبي - الدراسات والبحوث التاريخية أكدت أن ظهور أولى المستوطنات البشرية في دولة الإمارات كان أواخر العصر الحجري أي قبل نحو ستة آلاف عام، ووجدت آثار هذه المستوطنات في عدد من الجزر مثل دلما ومروح وعلى طول الساحل الإماراتي، وبدأ ارتباط إنسان هذه الأرض بالبحر والتجارة البحرية منذ حوالي 4 آلاف عام قبل الميلاد أي قبل ستة آلاف سنة في عهد حضارة “العبيد” بوادي الرافدين.

المدن الرئيسية في دولة الإمارات العربية المتحدة تتوزع على الساحل وبالقرب من الخيران وأشهرها خور دبي والشارقة وعجمان وأم القيوين ورأس الخيمة، وتلك الخيران هي بمثابة الأنهار التي تشطر كل مدينة إلى نصفين وبعض المدن ولدت من رحم الجزر مثل مدينة أبوظبي.

وقد سهل وجود الساحل والممرات المائية الحية والجزر الاتصال بالعالم الآخر، كما ساهمت في انتقال مؤثرات كثيرة من حضارة وتراث الشعوب الأخرى عبر تلك المجاري المائية.

وخلال العصر البرونزي (3200-1300 ق.م) لعبت الإمارات دورا مهما في التجارة الإقليمية بتصدير النحاس واللؤلؤ إلى إمبراطورية وادي الرافدين واستيراد العاج والأواني الفخارية والبضائع الأخرى من أفغانستان وإيران ووادي اندس.

ولعب ساحل البحر دورا رئيسيا في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وقد أظهرت حفريات الدور بأم القيوين أن للإمارات روابط مع الإمبراطورية الرومانية خلال العهد المسيحي في الوقت الذي كان لميناء دبا على الساحل الشرقي روابط تجارية مع الصين.

مناطق الساحل والخيران من أهم مناطق الاستيطان البشري في الدولة وتمتلك كنوزا حضارية وتاريخية

وبحلول القرن السابع الميلادي اعتنق بعض الناس الديانة المسيحية كما تظهر بقايا دير عثر عليها في جزيرة صير بني ياس، لكن سرعان ما انتشر الإسلام ودخل الناس في الدين الجديد، ثم خضع الساحل الإماراتي كباقي المنطقة إلى سيطرة البرتغاليين في القرن السادس عشر، إلا أن الجبال ومناطق الداخل نجحت في الحفاظ على سيادتها، حيث يمكن إرجاع فترة قيام الدولة إلى هذه الفترة، وبحلول نهاية القرن السادس عشر بسط تحالف قبائل بني ياس بقيادة أسرة آل نهيان سيطرته على الجزء الغربي من البلاد، حيث قامت إمارة أبوظبي ثم انتقلت عاصمتهم إلى جزيرة أبوظبي على الساحل.

وركز أسلاف القواسم، وهي الأسرة التي ينحدر منها حكام الشارقة ورأس الخيمة، أنفسهم بعد فترة قصيرة على الساحل الشمالي من البلاد وتحدت القوة البحرية للقواسم بحلول أوائل القرن التاسع عشر سطوة شركة الهند الشرقية البريطانية مما أدى وبعد نزاع متقطع لأكثر من عقد إلى الوجود البريطاني في المنطقة.

واستعاد حكام الإمارات سيادتهم على الشؤون الداخلية بموجب اتفاقيات وقعت مع البريطانيين عام 1820 واستفادوا من الحماية البحرية البريطانية التي أدت إلى ازدهار مهنة استخراج اللؤلؤ على طول الساحل، وظلت حرفة الغوص بحثا عن اللؤلؤ عنصرا رئيسا في الاقتصاد المحلي حتى الثلاثينات من القرن العشرين عندما تلقت ضربة مزدوجة جراء الركود الاقتصادي العالمي وظهور اللؤلؤ الاصطناعي وتلاشت بعد الحرب العالمية الثانية بفترة قصيرة. وبعد اكتشاف النفط عام 1958 وبدء تصديره، تغيّر الوجه الاقتصادي في الإمارات وأعلنت بريطانيا عزمها الانسحاب من المنطقة عام 1968.

حصن الفجيرة نموذجا لفن المعمار المزدهر منذ القدم في الإمارات

كما أجمع الباحثون والمستشرقون من علماء تاريخ وآثار ورجال دين وسياسة على أن تاريخ دولة الإمارات ارتبط ارتباطا وثيقا بساحل الخليج، وإذا تتبعنا أهمية تاريخ الساحل لوجدناه يشكل جل تاريخ الإمارات قديما وحديثا بل وتعدى ذلك ليترك ساحل الإمارات بصمة قوية في تاريخ المنطقة. فقد قامت بجواره حضارات عريقة وأصبح محطة للسفن التجارية التي تصل ما بين رأس الخليج وبقية الأجزاء الجنوبية في طريقها إلى عمان والهند وشرق أفريقيا.

ووجد المنقبون أغلب المستوطنات الحضارية بجوار الساحل الإماراتي وداخل الجزر، فدير الرهبان يقع في غرب جزيرة صير بني ياس ويعود تاريخه إلى ما قبل العصر الإسلامي، ومدينة الدور على ساحل أم القيوين كانت مدينة تجارية ترجع إلى ألفي عام، وتل الأبرق يقع على الساحل بين الشارقة وأم القيوين وهي مستوطنة حصينة استمرت لأكثر من ألفي عام من حوالي 2500 ق.م إلى بداية العصر المسيحي، ومنطقة شمل في رأس الخيمة تضم مدافن من القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد، ومستوطنة كوش برأس الخيمة تعود إلى عهد ما قبل وبداية الإسلام وكذلك مدينة جلفار القديمة الواقعة شمال رأس الخيمة. وبنيت على الساحل أهم القلاع والحصون بما فيها قصر الحصن في أبوظبي وقلعة الفهيدي في دبي وحصن الشارقة وتلك الموجودة في عجمان وأم القيوين ورأس الخيمة والفجيرة وفي أماكن أخرى من الدولة وكانت تتخذ مقرات للحكام المحليين، هذا ما جعل مناطق الساحل القريبة من البحر والخيران تعتبر من أهم مناطق الاستيطان البشري في الدولة وتمتلك كنوزا حضارية وتاريخية أكدتها تقارير المنقبين عن الآثار، وقد أفرزت هذه المناطق عبر سنوات طويلة أشكالا من الثقافة الشعبية والموروثات العريقة.

ويرجح مختصون فرضية أن تكون كثير من المدن أو القرى الساحلية القديمة في الإمارات قد غرقت وضاعت معالمها ولا يذكرها التاريخ الآن؛ مثل منطقة “الفشت” بالشارقة، كما تأثر جزء من ساحل “جلفار” فغرق بعمق 200 متر في عمق البحر قبل السبعينات، لأجل ذلك يمنع الردم والحفر العشوائية في مثل هذه المناطق لأنه يدمر السواحل وما تحتويه من آثار وثروات.

هذا وتكشف عدة معلومات حول جزيرة دلما أنه قد يكون حولها آثار غارقة وكذلك جزيرة صير بني ياس، كما أن اكتشاف منازل عمرها 7 آلاف عام في جزيرة مروح يعتبر مدخلا هاما لفرضية أن هناك مدنا إماراتية قديمة وآثارا ربما تكون غارقة في مياه الخليج.

12