المدن تأكل الحقول: من أين سيحصل العالم على الغذاء

العلماء يرسمون صورة قاتمة عن مستقبل البشرية وهم يراجعون الأرقام والإحصائيات حول ما تبقى على الأرض من مكونات أساسية للحياة.
السبت 2018/05/19
الطلب يفوق العرض

لندن – يرسم العلماء صورة قاتمة عن مستقبل البشرية وهم يراجعون الأرقام والإحصائيات حول ما تبقى على الأرض من مكونات أساسية للحياة، كالمياه والطاقة والأراضي الزراعية.

وتؤكد الدراسات أن ما يجري اليوم من حروب وصراعات وتنافس في مناطق حيوية من العالم، كالشرق الأوسط وأفريقيا، ليس سوى تسابق بين الدول لتأمين المستقبل.

ويشمل هذا التنافس السيطرة على أكبر قدر ممكن من مصادر الطاقة والمياه، وأيضا مصادر الغذاء وتحديدا الأراضي الزراعية.

 

يشهد العالم نموا متسارعا في أعداد سكانه لا يتناسب مع التراجع الحاد في موارده الطبيعية ومياهه وفي الأراضي الصالحة للزراعة، ما ينعكس على الأمن الغذائي العالمي. وتدفع أهمية إنتاج الغذاء الدول إلى البحث عن مقاربات جديدة لتأمين حاجتها وحماية مستقبلها وأمنها القومي، فمكمن القوة لا يقوم فقط على الترسانات العسكرية الثقيلة والجيوش المتطورة، البشرية والإلكترونية، بل قبل ذلك بالسيطرة على مكامن الطاقة وامتلاك الماء والغذاء.

نقص المساحات الخضراء

قبل 300 عام، كانت 7 بالمئة فقط (9 ملايين كيلومتر مربع) من مجموع أراضي الكرة الأرضية، قابلة للزراعة، قبل أن تصل إلى 27 مليون كيلومتر مربع في الوقت الحاضر، وتتركز أغلبها في أفريقيا وأميركا الوسطى والجنوبية.

وبلغ نمو الأراضي القابلة للزراعة في بدايات التسعينات ومطلع القرن الحادي والعشرين، 50 ألف كيلومتر مربع سنويا. وفي حال استمرار التمدن (الهجرة إلى المدن) بالسرعة التي هي عليها الآن، يتوقع الخبراء أنه مع حلول عام 2050، ستحتل المدن مساحة مليون و700 ألف كيلومتر مربع إضافي من الأراضي.

ويتوقع الخبراء أن تظهر الحاجة إلى ما بين 3.2 و8.5 مليون كيلومتر مربع من الأراضي الزراعية لسد حاجة الغذاء. وفي حال عدم العثور على حلول لمشكلات مختلفة تقلل من إنتاجية التربة، سينخفض نصيب الفرد من الأراضي القابلة للزراعة إلى 4 هكتار في الدول المتقدمة، و1.39 في البلدان النامية، بحلول 2050، أي ربع ما كان يمتلكه في ستينات القرن الماضي.

وتواجه التربة مشاكل تؤثر على نسبة إنتاجها، مثل: التآكل والتصحر والتملّح وانخفاض نسبة المواد الطبيعية والمغذية والتحمض والتلوث. وبحسب معطيات البنك الدولي عام 2010، فإن نسبة الأراضي القابلة للزراعة بلغت 10.6 بالمئة من مجموع الأراضي الزراعية حول العالم، والبالغة 37.7 بالمئة.

وحذرت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة “فاو” من أن استمرار المعدلات الحالية لتدهور التربة، سيؤدي إلى تلاشي الطبقة السطحية من التربة الزراعية خلال 60 عاما.

نمو سكاني

مقابل تراجع نسبة الأراضي الصالحة للزارعة، يشهد العالم نموا سكانيا يلقي بظلاله على موارده الطبيعية المتناقصة، ويتسبب في استمرارية الصراعات والحروب المدمرة. وفي حين أن النمو في مناطق ذات كثافة سكانية عالية أخرى مثل أوروبا والصين والأميركيتين توقف في السنوات الأخيرة، فإن الأرقام في أفريقيا والشرق الأوسط تستمر في الصعود بنسق سريع. وتقدر الإحصائيات أنه بحلول 2050 سيكون الشرق الأوسط وأفريقيا موطنا لقرابة 3.4 مليار نسمة.

أكبر عشرة بلدان في العالم من حيث المساحات الزراعية

* الصين: تمارس فيها الزراعة على مساحة تقدر بـ519 ألفا و148 هكتارا.

* الولايات المتحدة الأميركية: على مساحة تقدر بـ411 ألفا و263 هكتارا.

* أستراليا:على مساحة تقدر بـ409 آلاف و673 هكتارا.

* البرازيل: على مساحة تقدر بـ275 ألفا و30 هكتارا، وتعد أهم الموارد المساهمة في الاستدامة الاقتصادية.

* روسيا: على مساحة تقدر بـ215 ألفا و250 هكتارا، وتساهم بنسبة كبيرة في الاقتصاد الروسي، رغم تراجعها مؤخرا.

* كازاخستان: على مساحة تقدر بـ209 آلاف و115 هكتارا.

* الهند: على مساحة تقدر بـ179 ألفا و799 هكتارا. * المملكة العربية السعودية: تمارس فيها الزراعة على مساحة تقدر بـ173 ألفا و355 هكتارا.

* الأرجنتين: على مساحة تقدر بـ147 ألفا و548 هكتارا، وتعد من البلدان الرائدة في مجال الزراعة العضوية.

* منغوليا: تمارس فيها الزراعة على مساحة تقدر بـ113 ألفا و507 هكتارات.

ويتوقع تضاعف عدد سكان أفريقيا ليصل 2 مليار نسمة بحلول 2050. وبحلول 2100 يمكن لعدد سكان هذه القارة بكل سهولة أن يتضاعف مرة أخرى. وإذا حدث ذلك سيكون على الأقل 4 مليارات من سكان العالم الـ11 من الأفارقة.

وأهم تأثير ناجم عن النمو الطلب المتزايد بشكل كبير على الموارد المشتركة، حيث يتسبب النمو السكاني أو يفاقم المشاكل البيئية انطلاقا من التغير المناخي إلى فقدان أنواع الكائنات الحية وصولا إلى الاستخراج المفرط للموارد، وبناء المدن على حساب الأراضي الزراعية.

شراء الأراضي

لتأمين غدائها ومستقبلها، تلجأ عدد من الدول إلى شراء أراض زراعية في مناطق مختلفة من العالم، وخاصة في أفريقيا، المنطقة الأكثر خصوبة في العالم وحيث نسبة كبيرة من الأراضي ليست تحت سيطرة حكومات دولها، بل هي ملك لدول وحكومات أخرى تستغلها.

وينظر الحقوقيون ومنظمات المجتمع المدني إلى هذه الاستثمارات باعتبارها استعمارا جديدا، يحرم سكان الدولة التي تؤجر أو تبيع أراضيها من حقهم في الحياة مقابل منحه لدولة أخرى، مشيرين إلى أن ارتفاع نسبة الفساد في أفريقيا يرفع من هذا الخطر.

وفي تقرير لها حمل عنوان “أراضي أفريقيا سوق عالمي للبيع والاستئجار”، أشارت جمعية أبحاث الشرق الأوسط وأفريقيا (أورداف) إلى أن 80 بالمئة من سوق بيع الأراضي حول العالم، تتم في القارة السمراء، من قبل الصين والولايات المتحدة بالإضافة إلى دول عربية وأوروبية.

وتأتي إثيوبيا على رأس دول القارة السمراء، الأكثر بيعا وتأجيرا لأراضيها، يليها السودان، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، والكاميرون وغينيا وزامبيا وكينيا وتنزانيا وموزمبيق.

ويشير خبير البيئة الأميركي ليستر براون في كتابه “العالم على حافة الهاوية”، إلى أنه في عام 2009 تلقت دول أوروبية أولى الشحنات من الأرز المنتج على الأرض التي استحوذت عليها في إثيوبيا، في الوقت الذي كان فيه برنامج الأغذية العالمي يقوم بإطعام 5 ملايين إثيوبي.

ويحذر براون من أن الاستيلاء على الأرض هو جزء لا يتجزأ من صراع القوى العالمية على الأمن الغذائي. ويقول إن الجغرافيا السياسية هيمنت عليها لعدة قرون مسألة الوصول إلى الأسواق، ولكن في المستقبل ستتم الاستعاضة عنها بالأهمية المتزايدة لتوفير الإمدادات.

وتعتبر الخبيرة الزراعية في “أوكسفام” ماريتا ويغرتاله ما يجري في أوغندا بأنه جزء من ظاهرة “خطف الأراضي” التي تمارسها شركات الاستثمار الأجنبية. وهذا يؤدي بدوره إلى تصعيد في حالة عدم الرضا وتحول الضحايا إلى العنف.

وتنقل وكالة “دوتشي فيلله” الألمانية عن الخبير فولفغانغ هاينريش قوله إن هذا “المخزون” الهائل من الفقراء الغاضبين يشكل مصدرا هاما تعتمد عليه المنظمات الإرهابية الإسلامية لتجنيد عناصرها، خاصة في منطقة القرن الأفريقي، معتبرا أن إهمال المجتمع الدولي للنزاع في الصومال في العقدين الأخيرين ساهم في بناء هذه المجموعات لعلاقات وثيقة مع تنظيم القاعدة.

6