المدن مستقبل النظام الليبرالي العالمي

تضطلع المدن، التي تنتج أكثر من 80 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي والتي يتخذها أكثر من نصف سكان العالم مستقرا لهم، بدور رئيسي في التصدي للتحديات الإنمائية الملحة التي يواجهها العالم. فالمدن، وفق البنك الدولي، هي أين يُبنى المستقبل. وبينما تلقي حالة عدم اليقين المتزايدة بظلالها على النمو الاقتصادي العالمي، يمكن للمدن أن تلعب دورا رئيسيا في بناء مستقبل قادر على المجابهة ومنتج ومستدام وشامل للجميع.
الثلاثاء 2017/07/25
هنا يبنى المستقبل

واشنطن – يردّ أغلب المحللين على القومية والإحباط الاقتصادي وتآكل النظام الليبرالي العالمي عن طريق التركيز على الدول الوطنية والهيئات فوق الوطنية، وبالتحديد أدواتها وتحالفاتها وسلوكاتها ودورها في تقوية أو تقويض النظام متعدد الأطراف.

لكن هذه النقطة التي تصفها إرينيا غارسيا، الباحثة في صندوق جيرمان مارشال الألماني للولايات المتحدة الأميركية، بالعمياء تعيق، حسب رأيها، قدرتنا على فهم الديناميات المعقدة للسياسة والاقتصاد المعاصرين. كما تحد من قدرتنا على معالجة تحديات النظام العالمي من التغير المناخي إلى عدم المساواة إلى أزمة اللاجئين.

وتقدم إرينيا غارسيا، المتخصصة في البرامج العمرانية، كمثال لتوضيح هذه الرؤية قضية التغير المناخي، تلك المسألة التي تقول إنها تتطلب أكبر قدر من التعاون الدولي. بينما كانت الدول الوطنية تناقش اتفاقية باريس حول التغير المناخي في سنة 2015، اجتمع ألف رئيس بلدية بشكل مواز في قمة المناخ الخاصة بالقادة المحليين للتعهد بمساندة التحول إلى طاقة متجددة مئة بالمئة.

وفي الوقت الذي يهدد فيه الرئيس ترامب بإدارة ظهره لاتفاق باريس (وهو ما يهدد بدوره بإضعاف العزم الدولي خارج الولايات المتحدة) وجه واحد وسبعون رئيس بلدية أميركية (من الحزبين الديمقراطي والجمهوري) رسالة إلى الرئيس المنتخب حديثا ليطلبوا منه تبني اتفاق باريس، وختموا رسالتهم بالتأكيد أنهم “مستعدون للمضي قدما حتى في ظل غياب مساندة فيدرالية".

الطريقة التقليدية للنظر إلى العالم على أنه تجمع لاقتصاديات وطنية لم تعد تصح في تقييم دوافع النمو الاقتصادي

وتقول غارسيا إنه حتى وإن أحجمت إدارة ترامب عن الانسحاب من اتفاق باريس بإمكاننا افتراض أن الحكومات المحلية الأميركية ستلعب دورا قياديا نشطا في الأجندة المناخية، ناهيك عن أن المدن بصدد تحويل وعودها إلى عمل على أرض الواقع. على سبيل المثال حققت مدن أسبين (في ولاية كولورادو) وغرينسبورغ (في ولاية تكساس) وبورلينغتون (في ولاية فرمونت) طاقة متجددة مئة بالمئة. هناك أيضا ثلاث وعشرون مدينة أميركية أخرى حققت خطوات متقدمة في بلوغ تلك الغاية من مدينة روشستر (في ولاية مينوسوتا) إلى سان دياغو (من ولاية كاليفورنيا).

هناك أيضا أمثلة مشابهة خارج الولايات المتحدة حيث اندمج “ميثاق رؤساء البلديات” و”عهد رؤساء البلديات للاتحاد الأوروبي” ليكوّنا “العهد العالمي لرؤساء البلديات”، وهذا أكبر تجمع والأول من نوعه، بوجود أكثر من سبعة آلاف مدينة من كافة أنحاء العالم متعهدة بمحاربة التغير المناخي معا.

وتعتبر منظمة المدن والحكومات المحلية المتحدة واحدة من أبرز المنظمات التي تسعى إلى تعزيز الربط بين المدنوالتصرف نيابة عنهم من أجل المساهمة في التنمية المحلية وتحسين الخدمات الحضرية.

كما يحث ائتلاف جديد تم إنشاؤه تحت اسم"البرلمان العالمي لرؤساء البلديات" المدن حول العالم على الاستفادة من ثورة الانسلاخ من سلطة الدول، وخاصة أن كل المدن الآن لم تعد بحاجة إلى الانتظار وطلب الإذن لممارسة سيادتها الحضرية.

ويرى الموظفون العموميون والزعماء المحليون التحول في الطاقة قرارا عمليا وذلك لأن المدن تأوي أكثر من خمسين بالمئة من السكان في العالم وتستهلك أكثر من ثلثي الطاقة في العالم وتتسبب في أكثر من ثمانين بالمئة من انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون.

إرينيا غارسيا: المدن تكتسب أهمية مركزية في إيجاد حلول للتحديات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية التي نواجهها

وأغلب المدن معرضة للتغير المناخي وتتهددها الكوارث ناهيك عن أن ثلاثة من كل خمسة مناطق حضرية توجد على السواحل مما يجعلها معرضة لمخاطر كبيرة مع ارتفاع مستويات البحار وزيادة العواصف. إن المزيج بين التعرض للآثار السلبية للتغير المناخي والدور الغالب في استهلاك الطاقة يعني أن المدن يمكن أن تكون، وستكون، جزءا من حل مشكلة المناخ.

ويشير تقرير للبنك الدولي إلى أنه بحلول عام 2030، ومن دون استثمارات كبيرة تجعل المدن أكثر قدرة على الصمود، قد تكبد الكوارث الطبيعية مدن العالم خسائر تقدر بنحو 314 مليار دولار سنويا، كما أن تغير المناخ قد يدفع 77 مليون شخص آخر من سكان المدن إلى دائرة الفقر.

نقطة جذب للنمو الاقتصادي

تلعب المدن أيضا دورا حاسما في التحديات الاقتصادية التي تواجه النظام الليبرالي العالمي خاصة وأن ستين بالمئة من الناتج الداخلي الخام يتركز في ستمئة مركز حضري. وترى غارسيا أنه لم تعد الطريقة التقليدية للنظر إلى العالم على أنه تجمع لاقتصاديات وطنية تصح في تقييم دوافع النمو الاقتصادي، وبدل ذلك يجب أن تكون المدينة والمنطقة المحيطة بها هي الوحدة الطبيعية لتحليل الاقتصاد الكبير (وهذه فكرة أشهر من جاء بها جاين جاكوبز). وفي الاقتصاد العالمي لهذه الأيام المدن هي مناطق إعادة إنعاش فتخلق مواطن العمل وتعيد اختراع نفسها.

في كتاب بعنوان “أذكى الأماكن على وجه الأرض”، يبرهن فان أغتمايل وباكر كيف أن المدن الناجحة تمزج ما لديها من أصول (المعرفة المختصة والمؤسسات التربوية والعمل الجذاب والبيئات المعيشية) مع التكنولوجيا المتقدمة والتصنيع وتشارك القوى الذهنية. وكمثال على ذلك نجد أن أيندهوفن، المدينة الصناعية القديمة، تعرف اليوم بكونها مركزا للتكنولوجيا المتقدمة. كما نجد مدنا أخرى كثيرة (ومن بينها أكرون ولوند وباتسفيل وأوستين ورالي وأولو) لها أفكار مبتكرة بشكل مماثل.

وبمضينا قدما نحتاج أن نتأكد من أن أنظمتنا الحضرية مجهزة بالمعدات الضرورية لتسريع النشاط الاقتصادي بطريقة تفيد جميع أفراد المجتمع.

ويمثل التحليل الذي قامت به الباحثة في صندوق جيرمان مارشال الألماني للولايات المتحدة الأميركية جرالدين غاردنر للتصويت على استفتاء بريكست دراسة حالة جيدة جدا للسبب وراء أهمية ذلك. ومع انتقال المدن والمناطق من الاقتصاد الصناعي إلى الاقتصاد المعرفي يكافح الأفراد من أجل الأمن والوظائف والمنزلة الاقتصادية والاجتماعية، مما يفضي إلى القلق والتوتر داخل المجتمعات.

وترى غارسيا أنه علينا أن نطبق سياسات تعزز قدرات المدن على المنافسة وفي الوقت نفسه مساعدة المدن الصناعية السابقة على التحول. وهذا يعني التركيز على التعليم ومعالجة الاختلالات في التعليم والاستثمار في التدريب في الوظائف لضمان اكتساب العمال المهارات المناسبة لعهد التصنيع المتطور والمكننة.

فان أغتمايل: المدن الناجحة تمزج ما لديها من أصول مع التكنولوجيا المتقدمة والتصنيع وتشارك القوى الذهنية

وكان تقرير للبنك الدولي كشف أنه لو كل مدينة عادية نجحت في أن تعمل بوصفها مدينة ذات قدرة تنافسية لكان العالم قد أضاف 19 مليون وظيفة جديدة في عام 2012 وحده. ووصف التقرير المدن بأنها هي المستقبل. فهي الأماكن التي يعيش فيها الناس ويعملون، وهي مراكز للنمو والابتكار، غير أنها أيضا أقطاب للفقر، وما هو أكثر شيوعا، أنها مراكز للبطالة.

وتؤكد غارسيا هذا الوجه، مشيرة إلى أن أحد طرق مواجهة هذا التحدي هو تحسين القدرة التنافسية لمدينة ما، وذلك بتحويل المدن العادية إلى مراكز حضرية مزدهرة يكون بمقدورها أن تسهل بنجاح نمو الشركات والصناعات من أجل خلق الوظائف ورفع الإنتاجية وزيادة الدخول.

ويقول البنك الدولي إنه لو كانت هناك مدن أكثر تتمتع بقدرة تنافسية لأمكن خلق عدة ملايين وظيفة إضافية سنويا. وفي مركز هذا النمو المحتمل للوظائف يوجد القطاع الخاص، الذي يوفر عادة 75 بالمئة من الوظائف الجديدة. ولتحسين القدرة التنافسية، بمقدور قادة المدن اعتماد إجراءات وإصلاحات على صعيد السياسات تساعد على جذب القطاع الخاص والحفاظ عليه والتوسع فيه.

في جميع أنحاء البلاد الغربية عملت الهجرة وأزمة اللاجئين بمثابة مانعة صواعق للجدل السياسي. وهنا أيضا نجد أن المدن ذات أهمية حاسمة، إذ يعيش ثلثا اللاجئين في العالم اليوم البالغ عددهم واحدا وعشرين مليون لاجئ في المناطق الحضرية. ومع نمو مشاعر القومية والمشاعر المعادية للمهاجرين أصبحت المدن تميل إلى اتخاذ وجهة النظر المعاكسة وعلى نحو استباقي بنت ملاذات آمنة للمهاجرين واللاجئين.

في بولندا، البلد الذي تنتشر فيه مشاعر كره الأجانب بشكل متصاعد، صوت مجلس مدينة غدانسك بالإجماع على الترحيب باللاجئين. وأقام رئيس بلدية هذه المدينة تحالفا مع مدينتين بولنديتين أخريين وهما فروتسواف وفالبرزيخ للتعاون على التفتح والحوار بين الثقافات.

وفي بلجيكيا حاز رئيس بلدية ميشلن الجائزة العالمية لرؤساء البلديات في سنة 2016 عن عمله في إدماج المهاجرين. وفي الولايات المتحدة الأميركية عمل رؤساء بلديات شيكاغو ونيويورك ولوس أنجلوس، وغيرهم كثير، على طمأنة المهاجرين دون وثائق بأن مدنهم ستبقى ملاذات آمنة ضد إجراءات الترحيل الفيدرالية.

لكن هناك حدود للحماية التي بإمكان هذه الملاذات الآمنة في المدن أن تقدمها، وستقتضي الحلول تعزيز التعاون بين مختلف المستويات الدولية والوطنية والمحلية. وتوجد المدن على الجبهة الأمامية للتبعات السياسية والاقتصادية والأمنية لأزمة اللاجئين، ومع ذلك فإن كلا من صنع السياسات الدولية والسيولة المالية منفصلان عن الدور الحاسم الذي تلعبه المدن في الاندماج.

المدن سترسم الشكل الذي سيصبح عليه المستقبل

فسح المجال أمام المدن

تكتسب المدن أهمية مركزية في إيجاد حلول للتحديات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية التي نواجهها اليوم. وفي حين أن النظام الدولي تغير مع مرور الوقت ليتأقلم مع التحولات في النفوذ العالمي، لم تمنح المدن إلى الآن الدور الذي تستحق في النظام الليبرالي.

وتخلص غارسيا إلى أن التحول الحضري للعالم لا مناص منه، وهو اتجاه فسره بشكل مقتضب سايمون كورتيس في كتابه “مدن في نظام عالمي”.

في بيئة عالمية معقدة ومترابطة ومتغيرة نعيش فيها، فإن الدول الوطنية ليست مجبرة فحسب على التخلي عن بعض عناصر سيادتها وحرمتها الترابية لفائدة مؤسسات دولية، بل عليها أيضا أن تعترف بالبروز الجديد للمدن كفاعلين دوليين. فإذا تغافلنا عن القوى الفاعلة على المستوى الحضري، سنزيد في إشعال التوترات الاجتماعية والانقسامات السياسية والإضعاف المستمر لليبرالية والتعاون الدولي والازدهار الاقتصادي.

ويؤكد على ذلك أيضا خبراء شاركوا في المنتدى الاقتصادي العالمي قالوا إن المدن، وليست الدول، هي التي سترسم الشكل الذي سيصبح عليه المستقبل.

وفسروا ذلك بأنه من المتوقع أن يصبح ثلثا سكان العالم من سكان المدن بحلول عام 2030. كما تنتج المدن اليوم وحدها أكثر من ثلثي الناتج المحلي الإجمالي العالمي، فهي تعج بالابتكار والطاقات لتحقيق النمو الازدهار.

من هنا يمكن وصف المدن بأنها منفتحة، تعددية وعالمية في حين أن الدول أصبحت الآن منغلقة متحيزة وضيقة الأفق.

ويضيف الخبراء أن العديد من المدن الآن تظهر في الأفق في اللحظة التي تتخلف فيها الدول القومية عن الركب. فهناك بالفعل أكثر من 200 شبكة مشتركة تربط بين المدن وهي من الأهداف التي تصدرت رأس أجندة التحول الحضري للعالم.

13