المدونات العربية ثورة على تابوهات الصحافة التقليدية

فتحت المدونات الباب على مصراعيه لمساهمة الجميع في صنع الحدث، والتفاعل مع الجمهور وأصبحت من أهم وأبرز أنواع الصحافة على مستوى العالم، وأكثرها تأثيرا واستطاعت أن تخلق جيلا جديدا من الصحافيين المتطوعين والهواة.
الثلاثاء 2016/02/16
التغيير الرقمي يفرض نفسه على العالم

القاهرة – شهدت المدونات العربية تطوّرا كبيرا خلال السنوات الأخيرة، مع النمو الهائل للمنشورات الإلكترونية عالميا، وأصبحت جزءا لا يتجزأ من الصحافة الإلكترونية، التي تتصدر الإعلام تأثيرا وفاعلية.

بدأ تأثير المدونات العربية منذ عام 2005 وازداد مع بدء حراك سياسي في المنطقة، وبدء ارتفاع الأصوات المطالبة بالتغيير والإصلاح، قبل انطلاق ما يعرف بالثورات العربية.

ولعب المدونون دورا بارزا وشاركوا بقوة في الدفع نحو التغيير وزيادة الوعي السياسي والاجتماعي، خاصة بين الشباب. وحمل المدونون لواء المبادرة، واستطاعوا رفع هامش حرية التعبير، عبر تسليط الضوء على قضايا سياسية واجتماعية كانت تعد سابقا من “التابوهات” كما استطاعوا دفع قطاع كبير من مستخدمي الإنترنت معظمهم من الشباب، إلى التفاعل مع ما يطرحونه، وتشجيعهم على المشاركة الإيجابية. وتمثل مصر أكبر تجمع للمدونات ويقدر بثلث المدونات العربية، تليها السعودية، ثم الكويت، ثم المغرب.

وتصف هويدا مصطفى، عميد المعهد الدولي للإعلام في القاهرة، المدونين، بأنهم مؤرخو العصر الذين يوثقون أدق تفصيلاته، كما أنهم المحررون الجدد الذين ينقلون الأخبار والأحداث.

وأوضحت مصطفى أن هؤلاء يستخدمون خدمات المدونات، والتي تتيح لهم تسجيل ما يريدون على مفكرات إلكترونية على شبكة الإنترنت بالطريقة التي يراها كل واحد منهم، سواء كان أخبارا أو أحداثا، أو آراءه الشخصية، وبثها بشكل مباشر ولحظة بلحظة، ليتسنى للآخرين في العالم الاطلاع عليها والتفاعل معها، مؤكدة أن صحافة الـمدونات أصبحت من أهم وأبرز أنواع الصحافة على مستوى العالم.

هويدا مصطفى: المدونون مؤرخو العصر يوثقون أدق تفصيلاته ويبثونها بشكل مباشر

وأضافت مصطفى أن الصحافة الإلكترونية استطاعت أن تخلق جيلا جديدا من الصحافيين المتطوعين والهواة، الذين ينقلون الأخبار ويصورونها وينشرونها لحظيا، مشيرة إلى أن صحافيي المدونات والمواقع الإلكترونية يختلفون عن صحافيي الصحف الإلكترونية، سواء من حيث المهارات والقدرات، أو من حيث طريقة العمل والمهنية، وكيفية الصياغة والسياسة التحريرية، حيث يعتمد محررو المواقع أكثر على الاختصار وتركيز المعلومة لسرعة إصدارها، بينما يركز صحافيو الصحف على المحتوى التحريري والمضمون، والالتزام بالمهنية وضوابط العمل الصحافي.

وتعيد وجهة نظر هويدا مصطفى، تساؤلات المتخصصين في الإعلام حول التمييز بين الصحيفة الإلكترونية، وبين الموقع الإخباري الإلكتروني، أوالمدونة.

ويوضحها إسلام الكلحي، المتخصص في الصحافة الإلكترونية، بأن من أبرز الفروقات بين الصحيفة الإلكترونية والموقع الإخباري الإلكتروني أو المدونة، هو طبيعة النشأة، فأصل الصحيفة الإلكترونية أنها بدأت مطبوعة بالصورة التقليدية، ثم أنشأت موقعا إلكترونيا خاصا بها تماشيا مع احتياجات العصر الرقمي وتغير عادات القراء.

وتمثل الصحيفة الإلكترونية نسخة من الصحيفة التي تصدر بطبعاتها المختلفة ورقيا في السياسة والاتجاه والتحرير، وتحكمها ضوابط الصحافة الورقية.

في حين أن الموقع الإخباري الإلكتروني، نشأ منذ البداية على الإنترنت، وليس له أصل ورقي، وبيئته الأساسية هي تلك البيئة الافتراضية اللامتناهية وهي الإنترنت، فيخضع لقوانينها وضوابطها، والتي قد تبتعد عن المهنية الصحافية.

ويرى الكلحي أن من طبيعة النشأة يظهر الاختلاف في طاقم العمل، وهو بالنسبة للصحيفة الإلكترونية الصحفيون إضافة إلى مجموعة من التقنيين، لرفع محتويات الصحيفة الورقية، في المقابل يتسع فريق العمل داخل الموقع الإلكتروني ليشمل مكونات غرفة التحرير بما تحويه من محررين ومدققي اللغة، إضافة إلى الإدارة التقنية.

ويشير الكلحي إلى أن الصحافة الإلكترونية استطاعت أن تحدث انقلاباً ليس فقط في نوعية الصحافة، وفي سرعة تناقل الخبر، ولكن أيضا في صياغة الخبر وشكله وطريقة تحريره، لافتا إلى أن هناك فرقا مهما يميز الموقع الإخباري الإلكتروني عن الصحيفة الإلكترونية، وهو التركيز والاختصار، والذي يعتبر السمة المميزة للخبر على الإنترنت، كذلك زمن تحديث الأخبار.
المواقع الإلكترونية أحدثت انقلابا في صياغة الخبر وشكله
ففي الصحيفة الإلكترونية يرتبط زمن التحديث في الغالب بضوابط الصحيفة الورقية، أما بالنسبة للموقع الإخباري الإلكتروني فهو في صراع مع الزمن لنشر الأخبار حال حدوثها أو حال ورودها من المصادر الموثوقة، ما يجعله يتفوق على التلفزيون والإذاعة في ما يتعلق بزمن النشر قياسا إلى زمن حدوث الخبر، إلا أن تلك المواقع تقع في الكثير من الأحيان في فخ مصداقية الخبر ومدى حياديته.

وفي ظل تسارع تقنيات العصر الرقمي، تفوقت الصحافة الإلكترونية بما فيها المدونات على الصحافة الورقية، وسبقتها في إطار التطور التكنولوجي، وأدخلتها في أزمة مالية خانقة تكاد تندثر بسببها، وتحولت النسخ الورقية في الكثير من الصحف إلى الصحافة الإلكترونية، إضافة إلى المواقع الإلكترونية والمدونات.

وقال شريف درويش، أستاذ الصحافة بجامعة القاهرة، إنه مع التطور التكنولوجي الكبير وما يتمتع به الإنترنت من مميزات، إضافة إلى الأجيال الجديدة التي لا تقبل على الصحف المطبوعة، أصبحت الصحافة الإلكترونية بكل مكوناتها جزءا رئيسيا من الإعلام. وأوضح أن من أهم مميزات الصحافة الإلكترونية هي نقلها للنص والصورة معا لتوصيل معلومة متكاملة متعددة الأشكال، بجانب السرعة في معرفة الخبر، إضافة إلى ما تتمتع به من حرية وتراجع القيود على حرية التعبير، كذلك قدرتها على نقل المعلومات والأحداث عبر الحدود والحواجز الجغرافية والفكرية والقانونية، حتى أن المدونات فتحت الباب أمام الجميع لكي يعبروا عن رأيهم ويساهموا في صنع الحدث ونقل الخبر.

إلا أنه بحسب درويش، هناك مجموعة من التحديات التي تواجه هذا النوع من الصحافة في العالم العربي، من بينها غياب آليات التمويل في مختلف صورها سواء كان تمويلا ذاتيا أو في صورة إعلانات، فضلا عن نقص المحتوى العربي على شبكة الإنترنت، والذي يقف وراء عدم انتشار الصحافة الإلكترونية العربية بصورتها الواضحة كما هو الحال في الغرب.

18