المدونات.. ثغرة في المنظومة الإعلامية الخاضعة

السلطات المصرية توجه تهما على المقاس من أجل إسكات المدونين وترى في حملتها ضدهم ليست قمعية.
السبت 2018/05/26
الخروج من الطاسة ممنوع

القاهرة -ريم سامي- أعاد اعتقال المدون المصري وائل عباس (43 عاما) إلى الواجهة الحديث عن المدونات ودورها.

وتعتبر المدونات والمدونون العدو الأول للكثير من الحكومات، بعد أن أصبح التحكم فيهم صعبا ومواجهتهم أشد صعوبة. وبدت الحكومة المصرية مؤخرا في حرب مع هؤلاء ممن هاجموا النظام بقسوة في تقاريرهم حول انتهاكات حقوق الإنسان.

ويواجه عباس اتهامات بمشاركةِ جماعةٍ إرهابية (الإخوان) محظورةٍ نشرَ أخبار كاذبة، واستخدام أحد المواقع لبث أفكار تلك الجماعة، وبث مقاطع مصورة تحرض على قلب نظام الحكم.

واكب ظهور التدوين في مصر خلال العقد الأول من الألفية انخراط عدد من الشباب، ومنهم عباس الذي يعد من أوائل الذين استخدموا التكنولوجيا ومواقع الإنترنت في الكشف عن عدد من الانتهاكات خلال حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك.

الحكومة تقول إن حملتها على المدونين ليست قمعية، لكنها لحماية الأمن القومي

وفجر في عام 2006 قضية تعذيب واغتصاب أحد المواطنين وتصويره من قبل أحد ضباط الشرطة، والتي عرفت بقضية “عماد الكبير”. ونشر عباس الفيديو عبر مدونته “الوعي المصري”، وتحولت المسألة إلى قضية رأي عام وحكم على إثرها الضابط المتهم فيها بالحبس ثلاث سنوات.

وحظيت تلك القضية باهتمام وحديث وسائل الإعلام المحلية والدولية ومنظمات حقوق الإنسان وجلبت الشهرة لوائل عباس، وجعلته مصدرا موثوقا فيه لدى عدد من الصحف والشاشات والمنظمات الحقوقية الدولية. واختارته “بي.بي.سي” وقتها كأحد أكثر الشخصيات تأثيرا على المستوى الدولي في 2006، وحاز عددا من الجوائز الدولية.

وتعاظم شأن المدونات ولقيت رواجا واسعا في مصر والعالم العربي، وشكلت نمطا جديدا من الصحافة وأفسحت مساحة أكبر للتعبير عن الرأي، في وقت شهدت فيه بعض الدول العربية إرهاصات ثورية وتغييرات وتحركات سياسية مناهضة للأنظمة الحاكمة، وساهمت تلك المدونات في رفع سقف الحريات.

الجزائر تسجن المدون مرزوق تواتي 10 سنوات

الجزائر - قضت محكمة جزائرية بسجن مدوّن لمدة عشرة أعوام بعد إدانته الخميس 24 مايو 2018 بتقديم معلومات استخباراتية إلى “عملاء قوى أجنبية”. ووجدت محكمة محافظة بجاية في شرق الجزائر أن مرزوق تواتي (30 عاما) مذنب بتقديم “معلومات استخباراتية إلى عملاء قوى أجنبية من المرجح أن تضر بموقف الجزائر العسكري أو الدبلوماسي أو مصالحها الاقتصادية الضرورية”، وفق ما أفاد المحامي أبوبكر الصديق همايلي. وأسقطت المحكمة تهم التحريض ضد الدولة عن المتهم إضافة إلى تهمتين أخريين تتعلقان بمنشورات على موقع فيسبوك. وتم توقيف تواتي في بجاية على بعد 260 كلم شرق العاصمة في يناير 2017 بعد أن دعا عبر حسابه على فيسبوك إلى الاحتجاج على الموازنة وبث عبر مدونته مقابلة مع متحدث باسم الخارجية الإسرائيلية. وكان المتحدث الإسرائيلي أشار إلى علاقات الجزائر الجيدة مع إسرائيل. وصف سعيد صالحي من الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان المحاكمة بأنها “من طرف واحد”. وأثار الحكم جدلا على الشبكات الاجتماعية. وقال معلق على فيسبوك:

Hamzaoui Hcn في رأيي يجب تجريده من الجنسية الجزائرية.. وشنقه.. نعلم كل ما يحدث في كواليس النظام لكن الجزائر قبل كل شيء. وكتب مغرد:

@Khed80 التهم الأربع كانت سخيفة جدا وتبعث على الغثيان! العدالة المتحكم فيها عن بعد لا تتحرك عندما يتعلق الأمر بالفساد وخيانات المسؤولين المتكررة. 

ورغم أن وائل عباس وآخرين اعتقلوا خلال الأيام القليلة الماضية لا يحظون بأي شعبية إلا في الفضاء الإلكتروني، فإن السلطات المصرية أضحت تعتبرهم تهديدا وثغرة في المنظومة الإعلامية التي استطاعت الحكومة أن تحكم قبضتها وتفرض رقابتها الصارمة على الكثير من مفاصلها الرئيسية.

لم يكن عباس هو الأول. وجاء القبض عليه بعد أيام قليلة من احتجاز الناشط السياسي شادي الغزالي حرب، والناشط العمالي والقيادي في حركة “الاشتراكيون الثوريون” هيثم محمدين.

وعقب ساعات من إصدار محكمة عسكرية مصرية حكماً بالسجن 10 سنوات على الصحافي إسماعيل الاسكندراني المحبوس منذ نوفمبر عام 2015، بتهمة تسريب أسرار تتعلق بالأمن القومي المصري على الإنترنت.

تزامنت الحملة الأمنية مع تزايد عدد النشطاء الذين يستخدمون المواقع الإلكترونية كمنصة لانتقاد سياسات النظام الحاكم، أو بغرض بث الأخبار والتقارير التي يمنع تداولها في الصحف والمواقع المصرية.

بينما تنظر الحكومة إلى المواقع الإلكترونية بوصفها وسيلة لإثارة الرأي العام وتقع خارج رقابتها، وتعمل بشكل مستقل، على عكس المؤسسات الصحافية الخاصة والمستقلة التي تخضع لضغوط الحكومة.

واستعرت نيران الحملة الحكومية ضد المدونين منذ حوالي العام، وألقي القبض على المدون الساخر شادي أبوزيد على ذمة القضية 621 المتعلقة بأمن الدولة العليا، بتهمة التحريض على قلب نظام الحكم.

وفي مطلع أبريل الماضي، قامت قوات الأمن بالقبض على المدون محمد إبراهيم الشهير بـ”محمد أكسجين”، وتحمل مدونته اسم “أكسجين مصر”.

ويقوم بنشر صور ومقاطع تحمل انتقادات للنظام الحاكم. وفي نوفمبر الماضي ألقي القبض على المدون إسلام رفاعي، صاحب مدونة “خُرم” لاتهامه بالانضمام إلى جماعة محظورة.

وترى الحكومة أن حملتها على المدونين في مصر ليست قمعية ولا مقصودة ضد نشطاء الإنترنت، لكنها تأتي في ظل استراتيجية عامة لحماية الأمن القومي المستهدف من جهات أجنبية عدة تستخدم تقارير هؤلاء الشباب، التي تصفها الحكومة بغير الصحيحة والمفبركة، لإثارة الرأي العام وخلق الفوضى.

ويقول مسؤولون إن محاربة الأخبار الفاسدة والكاذبة على الإنترنت واجب وطني لحماية الأمن العام مستدلين بمواقف اتبعتها حكومات أميركا اللاتينية وروسيا وتركيا ضد المدونات، والتي تشير دراسات أكاديمية إلى أن أكثر من 40 بالمئة من أخبارها غير دقيقة.

وتلقي تلك الحملة بظلالها على المعارضين المصريين، وأججت التخوّفات من أن تكون بداية لحملة واسعة من الاعتقالات تستهدف المزيد من النشطاء السياسيين.

وقال خالد البلشي، عضو مجلس نقابة الصحافيين السابق، “ما يحدث هو مصادرة للكلام، ومصر انتقلت من مرحلة تأميم الصحافة إلى إثارة رعب لمن ينقل الأخبار سواء كان صحافيا أو ناشطا على شبكة الإنترنت، وهناك حرب تُشن ضد من يكتبون أو يحاولون عرض معلومات عبر فيسبوك وتويتر”.

وأَضاف في تصريحات لـ”العرب” “جرى اختيار القبض على شخصية خلافية مثل وائل عباس كي يثير الانقسام بين التيار المدني، وفي النهاية هو شخص ينقل معلومات لا يتم تداولها أو عرضها، ولديه موقف واضح من السلطة القائمة، ومن ثم فهذا يضمن وصول الرسالة إلى كل الأطراف”.

19