المدير الإقليمي لليونسكو: التعليم النوعي أساس الإصلاح التربوي

تسعى الدول العربية جاهدة للحاق بركب التعليم المتطور في العالم، وذلك عبر القضاء على الأمية والتسرب من المدارس، وعبر تطوير مناهجها وسياساتها التربوية، بما يؤهل مخرجاتها للدخول إلى سوق العمل والمساهمة في تحقيق تنمية مستدامة.
الثلاثاء 2016/01/19
حال التربية والتعليم العربي

التحدي الأكبر أمام المجتمعات العربية يتمثل في أن نوعية التعليم المقدم للمواطنين لا يلبي احتياجات سوق العمل، لأسباب تتعلق بعدم تطوير المناهج وترهل البيئة التعليمية ذاتها، وتباين الخطط الاستراتيجية لكل دولة في ما يتعلق بنظرتها لأولويات التطوير في التعليم، بحسب تصريح لحمد الهمامي مدير المكتب الإقليمي لمنظمة التربية والعلوم والثقافة (يونسكو) في الدول العربية في حوار خص به “العرب”.

وأضاف أن الانقطاع التدريجي عن التعليم للطلاب، والقصور الشديد في إلحاقهم بالتعليم، يمثلان تحديا ثانيا لا يقل خطورة عن بقية التحديات التي تواجه البلدان العربية وتحول دون تحقيق طفرة حقيقية في التعليم.

وأكد الهمامي، أن استمرار الأنظمة في تجاهل هذه الإشكالية، فاقم من أزمة الأمية في الوطن العربي، وهي أزمة تعود لسببين رئيسيين: الأول أن عددا كبيرا من الأطفال لا يلتحقون بالمدارس. والثاني يتعلق بالانقطاع عن التعليم، ما يزيد من التحديات الواقعة على البلدان العربية، إذا أرادت أن تحرز تقدما نوعيا في جودة التعليم المقدم لمجتمعاتها.

من أهم الحلول التي يقترحها الهمامي، البحث عن طرق غير تقليدية لإدخال هؤلاء الأطفال إلى المدارس مرة أخرى، سواء الذين ينقطعون عن التعليم أو من لم يلتحقوا بالتعليم من الأساس، إلى جانب الاهتمام بالمعلمين، ومنحهم القدر الكافي والعادل من الرعاية والتدريب.

علاوة على ضرورة أن تؤمن المجتمعات، بأن الاستثمار في التعليم لا يتوقف عند وضع الأطفال في نظام تعليمي، بل يجب أن يحظوا جميعهم بمعلمين متدربين ومتحمسين ويستمتعون بالتعليم، ويستطيعون أن يرصدوا الطلاب غير المتفوقين ويدعمونهم، لذلك، يتطلب ألا يكون توظيف المعلمين بناء على شهادة التخرج فحسب، بل الأمر يحتاج إلى تدريب مكثف قبل توظيفهم، وبعد أن يحصل كل منهم على ترخيص لمزاولة المهنة.

وبشأن القضايا التي تؤرق منظمة اليونسكو في الدول العربية، قال: وضع المنطقة بشكل عام، والنزاعات القائمة والمستمرة التي أثرت سلبا على العملية التعليمية وتسببت في عرقلة حصول عشرات الآلاف على التعليم. وأضاف أن التخوف الحقيقي، لدى منظمة اليونسكو، هو من الاستهداف الممنهج للمؤسسات التربوية، إلى جانب استهداف وقتل الطلاب والمعلمين، ومنع الطلاب من الوصول إلى المدارس.

السبيل الأفضل من وجهة نظر الهمامي لتحقيق نهضة تعليمية عربية، يبدأ بإعادة جميع البلدان العربية التفكير في التقدم الذي أحرزته باتجاه تحقيق أهداف التعليم للجميع وغاياته، لتبدأ بعد ذلك التفكير في المنحى الذي ستسلكه مستقبلا، على اعتبار أن تقييم أداء الماضي هو السبيل الأمثل للتخطيط للمستقبل. وقال: العمل على حصر التدابير الناجحة وغير الناجحة، حصرا شفافا صادقا، من جانب المؤسسات التربوية العربية، من شأنه أن يؤتي منفعة كبرى.

حمد الهمامي: الاستهداف الممنهج للمؤسسات التربوية يثير مخاوف اليونسكو

وأفاد بأن هناك تحديات كبيرة، ما تزال تواجه الكثير من البلدان العربية، لتحقيق تقدم نوعي في المنظومة التعليمية، على الرغم من الجهود المبذولة في هذه البلدان لتوسيع نطاق التعليم، وتحديدًا في مراحل الطفولة.

وأضاف: للأسف التعليم في الطفولة تحقق كهدف أقل درجة من التقدم في المنطقة العربية، ما أبقى النفاذ إلى التعليم ومعدلات القيد متدنيين في المنطقة، خاصة أن بعض الحكومات لم تقر بعد، بأن التربية في مرحلة الطفولة المبكرة هي مرحلة تعليم إلزامية، بل وتخصص موارد أقل للتعليم في هذه المرحلة.

والإشكالية الأكبر في تقدير الهمامي، أن وعي الأهل بشأن منافع الرعاية والتربية في مرحلة الطفولة المبكرة وأهميتها محدود، ولا يزال الكثيرون يختارون عدم قيد أطفالهم في التعليم. لكن رغم هذه التحديات الصعبة، فإن المنطقة حققت تقدما ملحوظًا في المساواة بين الجنسين في التعليم، لاسيما في التعليم الابتدائي، إلا أن التفاوت الملحوظ لا يزال قائما في التعليم الثانوي.

وبشأن المخاطر التي يتعرض لها الطلاب النازحون من مناطق الصراعات والحروب، قال ” تنامى عددهم في بعض البلدان، لكن حتى عندما تقوم الدول المضيفة بتزويدهم بالتعليم، تبقى النوعية متدنية لأن المعلمين لا يتمتعون بالمهارات الكافية لتلبية حاجاتهم التعليمية أو معالجتهم اجتماعيا ونفسيا.

وحول الآليات التي يتوجب على البلدان العربية اتخاذها، إذا أرادت تشكيل أجندة تعليمية ذات جدوى خلال السنوات المقبلة، قال الهمامي: التركيز على التعليم النوعي، فإدخال الأطفال إلى المدارس ليس كافيا، بقدر الحرص على أن يحظى هؤلاء بتعلم نوعي.

بجانب ذلك، ضرورة إيجاد إطار عمل سياسي مدمج وشامل لإعداد المعلمين وتوظيفهم وتطوير مهنتهم، مع تزويدهم بفرصة تطوير المهارات بصورة متماسكة. وأشار إلى أن العامل الثالث، يتمثل في التأكيد على اكتساب طلاب التعليم الثانوي، لمهارات تعليم تؤهلهم للانتقال بصورة ناجحة من المدرسة إلى ميدان العمل، مع أهمية أن تعي الأنظمة العربية قيمة مرحلة ما قبل التعليم الابتدائي.

وفي المجمل، أكد الهمامي أن انطلاقة البلدان العربية نحو تطبيق أجندة ناجحة للتعليم، خلال السنوات المقبلة، مرتبطة بتطبيق مبدأ التكافؤ والمساواة بين جميع فئات المجتمع، ولا فرق بين من يعيش في الريف أو الحضر، أو من ينحدرون من مجتمعات فقيرة ومهمشة وبين الطبقات الغنية.

ولبلوغ هذا الهدف، أصبح من الضروري أن يجري تخطيط السياسات التعليمية لتجاوز محصلة التعلم السطحية، والمهارات المعرفية الأساسية، بتضمين مهارات أعظم، من خلال بلورة مفهوم جديد حيال التعليم والتعلم، ويحول التركيز من النفاذ إلى التعلم والنجاح، ومن التمرس إلى التعلم مدى الحياة.

17