المدينة العتيقة قلب تونس العاصمة في الإنعاش

الأزقة خالية من المارة والتجار ينتظرون الانفراجة في الحجر الصحي وعودة الزبائن والساهرين.
الجمعة 2020/05/01
ساحة الحمام والنافورة

الصيف وشهر رمضان هما موسم الخير والبركة على التجار وأصحاب المقاهي في مدينة تونس العتيقة، لكن فايروس كورونا جعلها خالية إلا من الأشباح، تجارها وعشاقها ينتظرون اليوم أن يرفع الحجر الصحي ويعودون إلى سيمفونية النحاس والضجيج ورائحة التاريخ والقهوة.

تونس - يعكف أنيس داخل متجره المطل على زقاق طويل مقفر يشق المدينة العتيقة، على نفض الغبار من فوق السلع الجلدية وترتيبها على الأرفف بينما ترك باب المحل مرفوعا إلى النصف مخافة قدوم الشرطة. وينتظر التجار اليوم الانفراجة في الحجر الصحي لعودة النشاط في حين ما زال أصحاب المقاهي يتحسرون على فوات موسمهم في رمضان الذي يتوجه فيه التونسيون إلى المدينة العتيقة للسهر.

خارج المدينة، وفي ساحة النصر أمام “باب البحر” الذي شيده العرب الفاتحون منذ القرن التاسع على شكل قوس ضخم، توقفت المياه عن التدفق من الينابيع فيما انتشر الحمام في المكان.

وعلى بعد خطوات من مدخل المدينة العتيقة أغلق فندق روايال فيكتوريا أبوابه وقد جلس عاملان إلى جانب عدد من رجال الشرطة وسط كَراسٍ وطاولات مرتبة فوق بعضها البعض قُبالة المقهى المغلق.

اعتاد المكانُ خلال موسميْ الربيع والصيف من كل عام على ضجيج المارة والزائرين والوفود السياحية. وتزداد الحركة الاقتصادية أكثر بحلول شهر رمضان، لكن الحال مع شهر الصيام في 2020 ليس كما كان في السابق.

على طول الأزقة الضيقة والمتعرجة في جوف المدينة العتيقة أغلقت جميع المحال التجارية والمقاهي التقليدية والنزل أبوابها وسرحت عمالها. اختفت ملامح الحياة وترك الباعة والزائرون مكانهم للقطط المشردة والأضواء الخافتة.

لقد تسبب قرار الحجر الصحي العام، الذي أعلنته الحكومة في 22 مارس للحيلولة دون تفشي فايروس كورنا المستجد، في شلل اقتصادي؛ فقد تحوّلت المدينة العتيقة بأسواقها المبهرة إلى مدينة أشباح في مشهد نادر منذ تشييدها في القرون الوسطى.

وباتت تونس أمام أسوأ أزمة اقتصادية منذ استقلالها عن المستعمر الفرنسي عام 1956، لكن الحكومة تقول بأنه لم يكن هناك خيار آخر غير فرض التباعد الاجتماعي لحماية أرواح الناس ومنع تفشي الفايروس القاتل في البلاد بالرغم من الكلفة الاقتصادية الباهظة.

أزقة موحشة
أزقة موحشة

ولا يملك أنيس من حل سوى أن يترقب بفارغ الصبر انتهاء قرار الحجر الصحي، على أمل أن يستأنف عمله ويتفادى إفلاسا محققا لمتجره.

ومثل أنيس تتهدد عشرات الآلاف من الحرفيين في قطاع الصناعات التقليدية والسياحة البطالة القسرية. ويوشك هذا الوضع أن يستمر لأشهر لأنه يرتبط بحركة النقل الدولية المعطلة وتدفق السياح الأجانب إلى البلاد.

ويقول أنيس (38 عاما) وهو متوارٍ داخل متجره، “نحن في قلب الكارثة. كما تشاهد المدينة مقفرة والمحلات مغلقة ولا نعلم كيف سيكون المستقبل بعد الأزمة الصحية”.

وتابع أنيس وهو يسترق النظر إلى الزقاق، “الأمر مرعب لجميع الحرفيين هنا ومن ورائهم عائلاتهم. أغلب السلع المخزنة هي بمقابل شيكات ويتعين سدادها في آجالها. بعض هذه الشيكات بدأت ترد على الحسابات في البنوك”.

يعمل مع أنيس اثنان من الصناع في المتجر. وقد تمكن من تدبير أجريهما لشهر مارس، 700 دينار لكل منهما (حوالي 242 دولارا)، ولكن المستقبل يلفه الغموض.

ويقول وزير السياحة محمد علي التومي بنبرة تخلو من الآمال الواعدة، “من الصعب الحديث عن إنقاذ الموسم السياحي طالما لا نعرف متى سنقضي على فايروس كورونا. الآن النشاط لا يتعدى الصفر”.

من أجل الحد من وطأة الآثار الاقتصادية للوباء كانت الحكومة قد قررت صرف منحة تقدر بـ200 دينار للفرد (70 دولارا) لمن يعملون في القطاع السياحي والصناعات التقليدية، على أن يدفع أصحاب العمل الجزء الباقي من الأجر. سيسمح هذا الاتفاق بمنع القطاع الذي يشمل حوالي مليون وظيفة مباشرة وغير مباشرة، من الانهيار مؤقتا بسبب التوقف الكلي للنشاط والحجوزات في النزل تحت وطأة فايروس كورونا، إلى جانب تعطل الرحلات الدولية والحجر الصحي العام في البلاد والقيود المفروضة على التنقل.

ولكن أصحاب العمل يطالبون بأن تكون هذه المنحة دائمة إلى أن يستعيد القطاع نشاطه تدريجيا، بجانب تأجيل سداد ديونهم.

درج المتعبين في عز الصيف
درج المتعبين في عز الصيف

والكارثة قد تكون أشد وطأة إذا طال أمد الأزمة أكثر من اللازم لقطاعات واسعة من الحرفيين داخل المدينة العتيقة، في أسواق الزرابي والطرابيش التقليدية (الشاشية) والأواني النحاسية والبلور وصناعة الحلويات، وهي قطاعات مربحة في شهر رمضان.

ومع أن تونس مرت بفترة اضطرابات أثرت أيضا على أنشطة هذه القطاعات بعد ثورة 2011 لا يجد الشاب أيمن، الذي يدير متجرا للتحف، أوجها للمقارنة مع كارثة الحجر الصحي.

ويضيف، في إحدى زوايا الأزقة “بالأمس كانت المشكلة ترتبط بالوضع الأمني لكننا كنا نتدبر أمرنا. لكن اليوم المحلات مغلقة ولا وجود للزبائن والسياح. نحن في مكان أشبه بمدينة مهجورة”.

ويفسر كلام صلاح عمامو، رئيس النقابة الوطنية للصناعات التقليدية، خطورة ودقة المرحلة التي يعيشها الحرفيون عندما كشف عن تسجيل حالات انتحار في صفوفهم، مضيفا “البعض لم يعد قادرا على إطعام عائلته. والبنوك اكتفت بالتفرج”.

باستثناء حظر التجوال الليلي الذي اتخذته السلطات التونسية في فترات متباعدة من تاريخها الحديث بسبب الاضطرابات السياسية والاجتماعية، فإن المدينة العتيقة نادرا ما خلت من زوارها وهي القلب النابض للعاصمة.

يذكر المختصون في التاريخ الحديث أن كارثة صحية مماثلة كانت قد اجتاحت المدينة في مناسبتين على الأقل، في أواخر القرن الثامن عشر وفي منتصف القرن التاسع عشر وتسببتا في هلاك الكثير من التجار والسكان.

وفي مسعى للحد من مخاوف الحرفيين قال وزير السياحة “نعمل الآن على إرساء بروتوكول صحي، سمعنا الوزير الألماني للتنمية تحدث عن إمكانية قدوم سياح ألمان إلى تونس في الصيف وهناك أيضا السوق الداخلية وأسواق الجوار”.

وتابع التومي “سنعمل مع وزارة الصحة والمهنيين لوضع البرتوكول حتى تستأنف النزل نشاطها ولو بصفة جزئية”.

لكن حتى مع استعادة قطاع السياحة والصناعات التقليدية أنشطته بصفة تدريجية، وهو أمر متوقع في فترة الصيف، سيحتاج الحرفيون إلى أشهر عديدة للتعافي من خسائر الجائحة والتقاط أنفاسهم.

وقال التومي، “يجب أن نفكر مستقبلا في نوعية الزبائن الذين سيقبلون على السياحة في تونس. الثابت أن الزبائن ما بعد كورونا سيكونون مختلفين”.

أسواق المدينة اعتادت على ضجيج المارة والزائرين والوفود السياحية
أسواق المدينة اعتادت على ضجيج المارة والزائرين والوفود السياحية

 

20