المدينة الفاضلة تأسست في عدسة مراسل صحفي

الجمعة 2014/08/22
لم يحاول الفيلم الوثائقي لـ"فايس نيوز" تقديم أي صورة وحشية من المتوافق عليها لـ"الدولة"

الرقة (سوريا) – هل باتت الحياة في دولة “داعش” وردية؟ نعم، هذا ما أجاب عنه فيلم وثائقي أعده مراسل الجزيرة القطرية وعرض على قناة أميركية، وصنف بأنه ضمن استراتيجية “داعش” الإعلامية.

هي ليست دولة ميليشياوية، كما يروج، فلا قطع للروؤس، بل الكل سعيد. هي “مدينة فاضلة”، ليست أفلاطونية لكنها “إسلامية” بالمعنى الإداري والسياسي، ولو اختلفت أسس تشريعها.

خليفتها أبو بكر البغدادي القرشي، الذي أتى الجميع من كل حدب وصوب لمبايعته، استطاع تأسيس دولة “عدل” و”إنجازات” و”سياحة” ورحلات أيضا! هذا ما يحاول المخرج الوثائقي البريطاني الفلسطيني مراسل الجزيرة نت في لندن، مدين ديرية، تصويره في الفيلم الوثائقي “نشر الخلافة: الدولة الإسلامية”، الذي عرضته قناة فايس نيوز الأميركية في 5 أجزاء، متحديا الذاكرة والخوف ليرسم صورة وردية لداعش.

خلال التقرير، يبدو وكأن الحياة في المناطق التي تسيطر عليها "الدولة" “طبيعية”، زحمة سير، المشاة على الطرقات يتبادلون الأحاديث، والمحال التجارية مفتوحة كالمعتاد، والدوائر الرسمية تعمل أيضا.

لم يحاول وثائقي “فايس نيوز” تقديم أي صورة وحشية لـ”الدولة”، بل اختار تقديم صورة لمجتمع تكيف مع “دولة شرع الله” بسرعة قياسية فـ”هذا الجيل هو بذور دولة الخلافة، ودولة الخلافة قد قامت”، مثلما ينقل على أحد المقاتلين.

منذ عرضه، انهالت التعليقات والتقارير “المصدومة” على ما ورد في الشريط. فديرية، هو أول مخرج يحمل الجواز البريطاني، أي “كافر” يدخل معقل “الدولة”.

دخل الرقة، وخرج بفيلم وثائقيّ، هو الأول من نوعه منذ إعلان الخلافة. لم يتعرّض لاضطهاد. لم ينحر كما الصحفي الأميركي. لم يُخطف. لم تُطلب فدية لقاء الإفراج عنه.

الصدمة زادت منسوب الشك نظرا للهوية الأميركية لقناة “فايس نيوز” ، المعروفة بأنها أميركية، وينتشر مراسلون لها في مناطق النزاعات حول العالم.

زاد الشك حول حيادية التقرير خاصة وأن المراسل يتجول إلى جانب المسؤول الإعلامي للتنظيم “أبو موسى”.

خرج ديرية من مناطق سيطرة التنظيم سالماً وأخرج معه ما لم يستطع ناشطو "داعش" أنفسهم إخراجه من صور

حاولت “فايس” نفي الشكوك ونقلت “هافينغتون بوست” عن مساعدة مسؤول برامجها في أوروبا كيفن ساتكليف أن ديرية لم يتحرك كيفما شاء، فقد كان إسلاميون مدججون بالسلاح دائما في مكان قريب. ورغم هذه القيود، نصرّ على أننا تمكنا من تقديم قصة مقنعة”.

خرج ديرية سالما. وأخرج معه ما لم يستطع ناشطو “داعش” أنفسهم إخراجه من صور. تبدو هادفة إلى تلميع صورة التنظيم. إظهاره على أنه متفوق، وعادل، ويحترم الآخر.. كما يتفاوض (رغم بطشه) مع المسيحيين الذين يطالبونه بإعادة كنائسهم!

تستحق كل صورة في الفيديو، المناقشة، نظرا لمضامينها التي تبدو كأنها محاولة لتلميع صورة التنظيم بلغات أجنبية ضمن استراتيجية إعلامية متكاملة.

لا يستغرب بعض المراقبين ما جاء به مراسل الجزيرة، بل استغربوا عدم عرض الشريط الوثائقي إلى حد الآن على قنوات الجزيرة مثلما فعلت مع قيلن “في عرين طالبان” الذي أعده نفس المراسل قبل سنوات.

وفي نشراتها الإخبارية المقدمة على مدار اليوم، كما في شريط الأخبار المثبت في أسفل الشاشة، “تنفرد” قناة “الجزيرة” القطرية بعدم تسمية حركة “داعش” بهذا الاسم المختصر، مثلما يفعل السواد الأعظم من القنوات الفضائية والصحف، في البلاد العربية والعالم، مصرة على تسميتها “الدولة الإسلامية!”.

وتزيد على ذلك – في الشريط المكتوب من غرفة التحرير بأن تضع مزدوجين على عبارة إرهاب كلما اقترنت هذه العبارة بوصف أفعال “داعش”.

يقول كاتب صحفي إن “الغاية من هذا الانفراد بإيراد التسمية كاملة إنما هو ترسيخ عبارة “الدولة” في وعي المشاهدين ولا وعيهم، وتطبيعها وجعلها بداهة كمن يقول بوجود دولة مثل مصر أو فرنسا أو ألمانيا”!

تجدر الإشارة إلى أن ديرية يعمل مع العديد من وكالات الأنباء العالمية، والقنوات والصحف وهو مراسل قناة “الجزيرة” القطرية في العديد من مناطق النزاعات منذ عام 2006، كما أخرج العديد من الافلام الوثائقية المختلفة.

18