"المدينة المحرمة" تكشف حضارة الصين

القصر الإمبراطوري معلم تاريخي بارز يجسد حقبة ساطعة من تاريخ سلالات أباطرة الصين.
السبت 2020/01/18
إقبال سياحي على المعلم

بكين - تنتصب في قلب مدينة بكين العاصمة الصينية التي شهدت نهضة شاملة خلال العقود الأخيرة بمبانيها وأبراجها الشاهقة وشبكة بنياتها التحتية العصرية، “المدينة المحرمة” شامخة، وهي تخلد الذكرى الـ600 لتشييدها، كمعلم تاريخي وتراثي بارز يجسد عراقة وأصالة الحضارة الصينية الآسيوية.

ويجد زائر “المدينة المحرمة” أو القصر الإمبراطوري نفسه في سفر حقيقي في حقبة ساطعة من تاريخ سلالات أباطرة الصين الذين تعاقبوا على حكم إمبراطورية ممتدة الأطراف انطلاقا من قاعات القصر الإمبراطوري الذي لا يزال يحافظ على طرازه المعماري التقليدي وطابعه الزخرفي الفريد.

كما يكتشف زوار هذا المعلم التاريخي، الذي صنفته منظمة اليونسكو عام 1987 ضمن التراث الثقافي العالمي، كيف أولى أباطرة الصين اهتماما بالغا بالفنون والثقافة والحرف اليدوية وفن العمارة التقليدية التي برع فيها الصينيون القدامى من خلال المخطوطات التاريخية والمنحوتات واللوحات الفنية والتحف الأثرية والخزفية، وكيف حافظت الأجيال السالفة خلال مدة طويلة من الزمن على هذا التراث الحضاري الآسيوي العريق وفتحته في وجه الباحثين والزوار من مختلف بلدان العالم كتراث إنساني عالمي.

وأبرزت الأستاذة بكلية الدراسات العربية التابعة لجامعة الدراسات الأجنبية ببكين، يو ماي، أن “المدينة المحرمة” كانت مقرا لأباطرة أسرة مينغ (1368 – 1644)، وبعدها أسرة تشينغ (1616 – 1911)، حيث حكم فيها نحو 24 إمبراطورا صينيا لفترة 500 عام.

وأضافت أن تشييدها استغرق حسب السجلات التاريخية، نحو 14 سنة، وتمّ على مساحة تزيد عن 720 ألف متر مربع، مع أكثر من 800 مبنى وحوالي 8700 غرفة، وهي أكبر مجموعة من القصور القديمة المحفوظة في الصين.

ووفقا لوكالة الأنباء المغربية، أشارت الأستاذة المهتمة بالحضارة الصينية، بخصوص تسمية المدينة المثيرة للفضول، إلى أنها سميت بـ”المدينة المحرمة” لأنها كانت مُحرمة على عامة الناس لفترات طويلة من الزمن، ولأهميتها التاريخية اعتبرها مجلس الدولة الصيني في عام 1961 تراثا محميا على مستوى الدولة.

وذكرت أنه في عام 1925 تم تأسيس “متحف القصر الإمبراطوري” بالمدينة، وبعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، ظلت الحكومة الصينية تولي المتحف اهتماما متزايدا، حيث ترصد كل سنة مبلغا خاصا لإصلاحه وإعادة ترميمه، مبرزة أن المتحف تعرض فيه عشرات الآلاف من القطع الأثرية والتحف الفنية النادرة، فأصبح من أروع المتاحف التاريخية في الصين والعالم، ويستقبل آلاف الزوار يوميا من جميع أنحاء العالم.

وقالت يو ماي، التي زارت عددا من البلدان العربية في إطار التبادلات الثقافية والأكاديمية، تراكمت لدى “المدينة المحرمة” حكايات ثقافية وحكمة عميقة للحياة، فهي صورة مصغرة لحقبة تاريخية مهمة، وبلورة للتقاليد الثقافية الصينية، وشهادة وحاملة للحضارة الصينية القديمة، وقد أصبحت رمزا ثقافيا ذا معانٍ متعددة بين جماهير الشعب الصيني.

وأضافت أنها في الوقت نفسه، تستقبل حوالي 3 ملايين زائر من الخارج كل عام، فتظهر سحر الثقافة الصينية للعالم بانفتاحها وتسامحها، وتلعب دورا فريدا وهاما في التبادلات الثقافية الصينية والأجنبية.

ولفت وو فو قوي، الباحث في معهد العلوم التقليدية الصينية للثقافية الدولية، إلى أن “المدينة المحرمة” تعتبر رمزا للثقافة الوطنية الصينية و”لؤلؤة مشرقة” في التراث الثقافي في العالم، مضيفا أنها أصبحت “رمزا صينيا” معترفا به عالميا، وحاملة مهمة للتراث الثقافي للأمة الصينية.

وتابع وو فو، عضو رابطة الكتاب الصينيين، أن متحف القصر يعد أحد المتاحف القليلة في العالم التي تتميز بخصائص متحف الفن والعمارة ومتحف التاريخ وثقافة القصر وما إلى ذلك، مشيرا إلى أنه في السنوات الـ600 الماضية، قامت سلالات مينغ وتشينغ بالعديد من عمليات إعادة البناء والتوسعة للمباني القديمة في “المدينة المحرمة”.

وأبرز أنه قد تم إدراج مهارات تشييد المباني القديمة على الطراز الرسمي، والتي شكلتها سلالات مينغ وتشينغ، في قائمة التراث الثقافي غير المادي الوطنية في عام 2008.

ويصادف هذا العام الذكرى السنوية الـ600 لتشييد “المدينة المحرمة”، الواقعة في الجهة المقابلة لميدان تيان آنمن الشهير، والذكرى الـ95 لتأسيس متحف القصر الإمبراطوري أيضا.

وبهذه المناسبة أعلن وانغ شيوي دونغ، أمين متحف القصر، أنه ستقام سلسلة من الندوات والمعارض والأنشطة للاحتفال بهذه الذكرى، ضمنها ندوات أكاديمية، وإنتاج سلسلة من الأعمال السينمائية والتلفزيونية التي تروج لثقافة متحف القصر، فضلا عن تكريم مجموعة من الشخصيات البارزة التي تساهم في الحفاظ على التراث الثقافي في المتحف.

وبالرغم من مظاهر العصرنة التي تميز فضائها العام، فإن الصين تظل متشبثة بتراثها العريق في مزج فريد بين الأصالة والمعاصرة، مقدمة للعالم نموذجا مشرقا لحضارة آسيوية أغنت التراث الإنساني. وكان للرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة دور بارز في تقديم الصين، التي زارها في القرن الـ14، وحضارتها للعالم العربي وللعالم ككل بعدما ترجم مؤلف رحلته “تحفة الأنظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار” إلى عدة لغات بينها الصينية.

17