المدينة تنزف، دمشق تودّع مثقفيها

الأحد 2014/08/10
حي في دمشق القديمة بجوار الجامع الأموي

لا يمضي يومٌ إلا ويأتيني خبر يقول: إن صديقاً ما من المثقفين قد غادر دمشق، فأعانق حينها الشعور بالضيق والتوتر والغضب والفقد والوحدة. المدينة تنزف مثقفيها كما أن سوريا تنزف أهلها. هذه حالنا المأساوية منذ ثلاثة أعوام، وبعد أن أصبح الخيار الأمني أكثر شراسة وهمجية.

في عام 2011 كنا نلتقي هنا وهناك، في مقهى الروضة، الكمال، ومقاهي ساروجة، والنوفرة، ودمشق القديمة، وفي سواها. ونتحدث عن البلد والمستقبل والخيارات المعقدة، ثم يمضي كل منا إلى محترفه ليصوغ استنتاجات عن مدينة ودولة توشك على التغيير، لم نكن نمتلك صورة واضحة عنه ولا عن كيفية حدوثه، كان لدينا الكثير والكثير من الأحلام وربما الأوهام كذلك، وكان الاختلاف عميقاً. أمّا القمع فقد كان حاسما ومانعا لكل اختلاف وخلاف سياسي، فبدأت الاعتقالات والتصفيات والمفقودون واللجوء والهجرة.


مدينة البقاء


بعد ذلك، من بقي في دمشق وسوريا أصبح مداناً، لأنه بقي. ويحاكم البقاء بصيغة التساؤل والاستهجان: لماذا أنت باق؟ هل ما يزال لديك أمل؟ ألم تفهم أن سوريا انتهت ولن تكون هناك أية عودة وليس من مستقبل أفضل، وينهون إدانتهم أما آن لك أن تخرج. وهناك الكثير والكثير من هذه الأفكار، هي تساؤلات وتخوفات وهلوسات وكلها مشروعة، فلا يمكن للمرء إلا أن يقرّ بالحق المطلق للبحث عن الأمان والهروب من الموت أو الاعتقال.

الثورة لم تكن من أجل الموت ولا الاعتقال ولا الهجرة، كانت من أجل حياة أفضل للجميع، وبغض النظر عن الاختلاف في فهم ذلك، وفي قصور المعالجة الفكرية والسياسية لكثير من المثقفين، فقد كان الحلم والرغبة جارفين بأن السوريين يستحقون الأفضل.

سعى الجميع وبأشكال لا متناهية للعيش بمدينة يعشقونها، يحبون كل تفصيل فيها، من حارات باب توما والقيمرية وساروجة ومدحت باشا، إلى مقاهيها الدافئة، إلى تنوعها السكاني المدهش، في اللباس، في الطوائف، في الأعراق. دمشق التي كانت تضج بالثقافة والفكر والنقاشات، رغم فقرها الكبير في كل ذلك في السنوات الأخيرة، لم تكن مدينة للرحيل، كانت مدينة للبقاء. ولكن خيار النظام حوّلها إلى قبر كبير، وأصبحت مدينة للرحيل.

لا تمكن المجادلة كثيراً في هل إن دمشق هي من طردت المثقفين أم النظام، فهذا جدال فاسد، المدينة تُحكم بنظامٍ، ومن يمارس الطرد قطعاً ليست المدينة. المثقف لا يحتمل الضيق كثيراً فهو كنهدي مراهقة يقطعان الثياب الضيقة، مهدداً الجميع بأن الحرية قضية لا يمكن تقييدها، الحرية في كل شيء، وفي نيل الناس كل حقوقها، فهم ليسوا ببهائم، هم من يصنعون الحياة وهم من يستحقون الحرية في كل جوانب الحياة.


ازدراء المثقفين


إذن المدينة لم تعد تحفل بمثقفيها، وهم يغادرونها فرادى بعد أن أجبروا على الرحيل زرافات، ومنذ أكثر من أربعة عقود متواصلة، بل ويكاد البلد يخلو منهم إلا من أفراد قلائل. هذه حالة في غاية السوء، في غاية الخوف. المدينة تموت، فهل يعقل كل ذلك؟

ربما سيقول البعض وكيف يستوي أن نعرّف المثقف بأنّه ضمير الأمة، أو أنّه آخر أعمدة الحفاظ على البلاد حينما تجتاحها العواصف والدمار والحروب والقتال ويتركها ويغادر، هذا سؤال حقيقي ولا يمكن إلا التحدث فيه ما دام المثقف يُعرّف نفسه كذلك. هو سؤال يظلّ جاثماً في عقل المثقف، الذي غادر والذي ظلّ يعانق نفسه.

ولكننا وبعقل مفتوح وفي عالم مفتوح يسمح بكل أشكال التواصل، نرفض هذه الحديّة القديمة والعبثية، ففي هذا العالم يمكن للمثقف أن يكون فاعلاً أينما كان. وتمكن مساءلته فقط عن أفكاره ورؤاه ومواقفه ومناقشته في هذه القضايا. ونختتم بالقول، للمثقف، كما لكل إنسان، الحق المطلق بالبحث عن الأمان.

13