المدينة وجه الحداثة المشوّه

كل التيارات الحديثة في الفكر والفن والأدب والإبداع ولدت في المدينة، فالمدينة في النهاية هي أم الحداثة.
الأحد 2020/05/17
لا بد من رسم مدينة ملوّنة (صورة إسكندر خليف)

المدينة كيان حي، حضارة أوسع من جدرانها، وحكايات لا تتوقف عن التوالد، من المدينة ولدت أغلب تيارات الحداثة الفكرية والثقافية والفنية، من سرياليين إلى قصيدة النثر إلى المسرح الملحمي وغيره من ضروب الإبداع، لكن في واقعنا العربي، كثير من الإبداع المديني المعاصر بات مشوها لها، يحاول هدمها، لا للبناء وإنما فعل يشبه الانتقام. الأسباب النفسية والسياسية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية والظواهر كثيرة، أوسع من مساحة مقال، لكننا نحاول مقاربتها لفتح المجال لنقاش الحال الخطير. 

أواخر السبعينات قدم الشاعر التونسي محمد الصغير أولاد أحمد إلى تونس العاصمة، بعدها بأكثر من عقد من الزمن كتب قصيدته “دمّرتنا المدينةُ. حاناتُها. النّساءُ اللّواتي يُردنَ ولا يستطعن. السجائرُ. حمصُ منتصف اللّيلِ. توقيتُ ما يسرّ الله والأنبياءُ. ممارسةُ الجنسِ دون صياح مخافَة أن يتعبَ الجارُ. ذاك القطارُ”.

أكثر من عقد من الزمن خرج بها الشاعر بهذه الرؤية إلى المدينة، وإن كان هو قد تجاوزها لاحقا، فإن كثيرين من أجيال لاحقة من الشعراء والكتاب والمسرحيين والفنانين التونسيين، حافظوا على مقولة “دمرتنا المدينة” بوعي أو من دونه، صدقا أو كذبا.

لا نعرف منهم من دمرته المدينة بحق، ولو سألت أحدهم ماذا تعني لك المدينة؟ ربما سيجيبك إنها فترة الجامعة المليئة بالجوع والفقر والتسكع، ولكن إذا أجبته بأن كل قسوة سابقة تتحول إلى حنين جميل لاحقا، أن جميعنا يحنّ إلى فترات الجامعة “القاسية”، سيضيف أن المدينة أفسدت قيمه، جعلته غريبا، عن بلدته، عن ذاته، وعن منشئه. تتساءل معه أعمق، عن أي قيم يتحدث، فتجد بعد إزالة التنميق من إجاباته بأنها الأخلاق، في قيمتها الصفر، أي الموروثة.

الاعتداء على الحداثة

المدينة ليست بنايات (لوحة للفنان نجيب بالخوجة)
المدينة ليست بنايات (لوحة للفنان نجيب بالخوجة)

الصدمة الحضارية التي تواصلت قبل انتشار الفضائيات والإنترنت، خلفت أجيالا كثيرة تحمل حقدا خفيا على المدينة، لكن ما سبب ذلك؟

الكثيرون يرون المدينة انعكاسا لوجه النظام السياسي في مرآة الآجر والإسفلت، يسمعون أصوات السيارات والنواقيس والزحمة على أنها أصوات النظام، ويرون الناس المتدفقين في الشوارع والمتقاطعين على أنهم جنود النظام. وما الذي فعله هذا النظام، غير تهميش الأطراف، وحتى تشدقه بمحاولات ربطها بالحداثة لم تكن إلا مجرد منّة شكلية مصطنعة، لم تواكبها رغبة حقيقية في دعم مكتسبات المناطق الداخلية، ودعم إنتاجيتها، وفتح آفاق ثقافية وتعليمية متطورة لها.

ما الذي تنتظره من رجل قادم من قرية بلا نساء أو فتاة تنظر كل القرية إلى مشيتها أو وقفتها في انتظار سيارة النقل الريفي، على أنها قطعة لحم؟ ثم ما الذي وفرته المدينة لمن دخلوا إليها أو لمن خرجوا منها؟ فالكثيرون يرون الداخل إليها بريئا، والخارج منها بحقيبة ثياب مستعملة يبحث عن نفسه المهمشة وراء اللافتات، ذاته التي تشبه أرضا صغيرة يمكنه الوقوف عليها.

إنها خصومة قديمة بين الريف والمدينة، لم نتمكن بعد في مجتمعاتنا الريعية من تجاوزها، بل لا الريف ريف ولا المدينة مدينة، كيانان مشوهان متنافران، علاقتهما مبنيّة على النفاق والاستغلال.

تنافق المدينة الريف وناسه لاستغلال إنتاجه، وينافق الريف المدينة لاستغلال رفاهها السطحي و”حداثتها” المشوهة.

إذن بالعودة إلى المبدعين، وخاصة الكتّاب والشعراء والمسرحيين، سنجد عندهم صورا نمطية جدا للمدينة، على أنها بيئة كوزموبوليتانية تجمع الأعراق وتضربهم في خلاط كبير من الشوارع، لتنتج منهم مزيجا متنافرا لا تجمعه أخلاق ولا أيديولوجيا ولا عرق ولا جنس.

وتحافظ المدينة على هذا المزيج المتنافر بالقوة، لا بمحاولة خلق الاندماج، وترسيخ مفهوم المواطنة. هذا التنافر ظهر جليا مع انفراط القوة السياسية القامعة، حيث استقل كل طرف من الأطراف المتنافرة وأعلن عن انتمائه القبلي أو الديني أو الجغرافي القديم، عقود وهو كامن، لم يستوعب أنه جزء من المدينة، كما لم تستوعب المدينة أنه جزء منها.

هنا دعونا نلفت أن المدينة ليست فقط البناء والجدران ولا الشوارع والناس والتوقيت والوظائف وخيوط الكهرباء الخ من الديكور المديني، المدينة لا تعني “مراحيض أكثر” كما قال ماريو بينيديتي على لسان طفلة في روايته “ربيع بزاوية مكسورة”، المدينة هي تاج الحضارة، وفي نسختها الحديثة هي الإطار التاريخي للحداثة، كل التيارات الحديثة في الفكر والفن والكتابة والإبداع، ولدت في المدينة، لذا فإن المدينة في النهاية هي أم الحداثة، البطن الذي نمت فيه.

سيقول كثيرون إن مدننا الكبيرة وخاصة عواصمنا هي من بناءات الاستعمار هندسيا وثقافيا وفكريا، ولم تخرج كنتاج مادي ولا مادي طبيعيين من مجتمعاتها، وإن كان هذا صحيحا في جزء كبير منه، فإن هذه المدن شهدت فنونا وآدابا وثقافة وطنية، كما أمكنها أن تصبح جزءا من نسيج البلدان التي قامت فيها، فالكثير من الحضارات تركت بناياتها المادية والمعنوية في بلدان أخرى، أو في هذا الإطار، وقصر الحمراء في إسبانيا نقطة من آلاف غيرها.

اعتبار المدن دخيلة، بات حجة للاعتداء عليها. بينما من يعتدي على المدينة في نظمها هو في النهاية يعتدي على الحداثة، والاعتداء غير النقد طبعا. واعتداء يبدأ من قصيدة مثلا قد ينتهي إلى اعتداء فعلي من متطرفين.

الصورة النمطية الثانية هي للريف، فلاحون بخدود وردية، جاهلون بالفن والأدب والثقافة والأفكار، عديمو الذوق، سعداء بهدوء الطبيعة وحركات حقول الشعير، والنحل في أزهار اللوز، متكلمون بلهجات خشنة وأصوات ممدودة، وغيرها من عناصر الرومنسيات المدينية حول الريف.

لا أحد يعرف معاناة الأطراف وخاصة الأرياف، وحتى الحداثة لم تضف لها إلا القشور لتشوه وجهها وتفقدها قدرتها الإنتاجية، وتتحول إلى محضنة لإنجاب النازحين الذاهبين إلى حلم المدينة، يستوطنون حزامها، ويتعكر حالهم أكثر، أو هي محضنة لإنجاب العقول المهاجرة، حيث لم يتوقف التهميش أبدا، نساء يمتن في صناديق الشاحنات في طريقهن إلى الحقول، شركات تغزو الحقول، فلاحون كبار يستبدلون العمال بالآلات، عمال بأجرة زهيدة، زياتين وحقول بلا يد عاملة، فالعمال هم فقط وقود إنتاج، وما من تطوير أو تحديث يراعي هؤلاء.

إذن لنخلص إلى أن هناك مشكلة حقيقية بين الريف والمدينة، كلاهما مشوه، وهذا التشويه يتكثف في المبدعين بشكل كبير.

كتابة بلا وعي

من يعتدي على المدينة يعتدي على الحداثة والمستقبل (صورة إسكندر خليف)
من يعتدي على المدينة يعتدي على الحداثة والمستقبل (صورة إسكندر خليف)

كنت جالسا مع دكتور يدرس الفلسفة بالجامعة التونسية، أصيل قرية من الشمال الغربي، في الحانة كان حديثنا متنوعا ويحاول أن يصل مرتبة الثراء، من الشعر إلى التجديد المسرحي، إلى موسيقى أنور براهم وتفاصيلها المدهشة. و”لما تعتعتنا الخمر” على رأي الشاعر محمد الخالدي، بدأت تصدر من الدكتور آراء غريبة، تغيرت نظرته إلى الفتيات في الطاولة المجاورة، لو أمكنني وصف النظرة ربما هي نظرة ثعلب إلى صوص، ثم أصدر رأيا غريبا “امرأة تدخن وتشرب، يا إلهي إنهن سهلات”.

عندي قناعتان راسختان قد أخطئ فيهما وقد أصيب، هي أن الشخصية القديمة التي في الداخل لا تموت أبدا مهما زوقتها، لكن يمكن تثقيفها، وفي النهاية أغلبنا لم يحظ بتنشئة سوية، القناعة الثانية التي أختبر بها حتى أفكاري الخاصة هي رؤية المرأة من قبل الرجل أو رؤية الرجل من قبل المرأة، رجل يحاول أن يكون حداثيا يرى في المرأة المدخنة “عاهرة” ويتشدق بدفاعه عن حريات المرأة فيما زوجته أو أمه أو أخته تحت مخالبه، هو كاذب. امرأة تدعي انخراطها في الحداثة وترى في الرجل المنقذ والمحفظة أو المستقبل والمنزل والاستقرار، هي كاذبة.

لكن نمت عندي قناعة ثالثة لاحقا هي رؤيتنا للمثليين. أليس غريبا أن تتقبل مجتمعاتنا سابقا شخص المثلي أو المثلية، وتتعامل معه إنسانيا، وأن نراها الآن، تبادر إلى قتله ولو معنويا، بمحاولة إلغائه حتى إنسانيا، ولو من باب اللغة والنعوت، مثل “الحشرات” “الحيوانات” الخ.

لا ألوم أحدا هنا، فالوعي ذاتي والفعل ذاتي، لكن المشهد المشوه جماعي. فلنر مثلا القصائد التي تناولت المدينة سنجد فيها إما أسماء الشوارع المسقطة، أو خيوط البول على الجدران، أو الروائح العفنة، أو محاولات مفتعلة تدعي أنها تعرف الشوارع الخلفية وأنها خارجة من الوجه المهمش للمدينة.

ربما تأثر هؤلاء بشعراء مثل شارل بودلار في باريس مدينته الحديثة الناشئة أواخر القرن الـ19، لكن التأثر هنا أعمى ولا صدق فيه بل هو بلا وعي أصلا، يتحدث هؤلاء الشعراء ومعه الروائيون والقصاصون عن جمال السكارى وهم يشتمونهم في السر، عن ظلمة الشوارع الخلفية وهم لا يطيقونها، عن نساء الليل وهم لا يعرفونهن، عن المجرمين وأبناء الأحياء الشعبية وهم لا يعرفون شيئا عنهم، حتى الميز العنصري والتفريق على أساس اللون والعقيدة مخفي تحت أقلامهم وألسنتهم وأفكارهم، وكثيرة هي مظاهر التناقض الفج.

لا نطالب الكاتب أو المبدع بالصدق أو التطابق بين ذاته وإبداعه، ولكن نطالبه بالوعي، بألا يكتب فكرة ويتبنى نقيضها، إذا أردت أن تتحدث عن جدار أو حتى قطعة قمامة، عليك أن تعي بها أولا، أن تتصورها، لا أن تنشئ صورة مغلوطة مبنية على كراهية تغلفها لكي تصبح محبة وانتصارا للهامش.

بالنظر إلى حال الإبداع يمكنني أن أقر بأن حداثتنا في جزء كبير منها مكذوبة، كذب السحاب الذي يوهمك بالمطر، فريق حاقد على المدينة، بما تمثله له من نظام تتحكم فيه البورجوازية وتركة استعمار، وفريق بورجوازي ناقم على الأرياف معتبرا أن أهلها “أعراب” وجَهلة. صراع ساذج وسطحي ولكنه خطير، يمزق كيانا ما يمكننا أن نسميه “المجتمع”.

الحداثة ليست شكلا

الحداثة ليست شكلا، إنها نضال مستمر مع ذواتنا نضال في الزمن والمكان وفي الأحداث لأجل التحرر والتنوير
الحداثة ليست شكلا، إنها نضال مستمر مع ذواتنا نضال في الزمن والمكان وفي الأحداث لأجل التحرر والتنوير

الحداثة ليست شكلا، إنها نضال مستمر، نضال مع ذواتنا، نضال في الزمن والمكان وفي الأحداث، لأجل التحرر والتنوير، لكن للأسف قليلون من يواصلون طريقها. كتبت سابقا أن بعض المبدعين يؤمن بالجن والعين وغشاء البكارة و”التابعة” ونقاء دم القبيلة، يعيش على أكل مبتذل ويجري صباحا مساء وراء الميترو والحافلة، وبكل ثقة يقول لك: أنا ما بعد بعد حداثي. هذا ضرب من الجنون.

الحداثة كليّة، خارج العرق والدين والجنس خارج الميتافيزيقا والعادات، أما المبدعون فهم مرايا لمجتمعاتهم، فيهم تتلخص العقد والأحلام والانكسارات والأخطاء، ولذا من خلالهم يمكننا أن نفهم الحال في عموميته، ومن خلالهم يمكن أن نصلح الحال ونغير في أفكار الناس، ليتغير الواقع.

ماهو الحل إذن؟ ربما هو كامن في مسارين، أولا التعليم، الذي يجب أن يراعي تطورات العصر وفتح آفاق الخيال، بعيدا عن تعليم الطفل نحر العيد وقولبة خياله بطرق تلقينية ركيكة، ثانيا الثقافة الحرة، وهنا يتشارك فيها الإعلام أيضا، في ترسيخ ثقافة حرة دون تدخلات سياسية فجة ومحاولة فتح المجال أمام المشاريع التي تطرح إضافة فنية وجمالية وبالأخص فكرية.

قد يقول البعض إنك أغفلت الاقتصاد والوضع السياسي، لكن أجيبهم ببساطة، إن المعركة الحقيقية هي معركة عقول، وبالثقافة والتعليم يخلق الاقتصاد والتنمية وغيرهما، وليس العكس.

10