المدينة وما وراءها، نظرة في انتفاضات المدن

الأحد 2014/02/23
تخطيط: ساي سرحان

من مفهوم (الحق في المدينة) تنطلق إحدى الحركات الاحتجاجية في نيويورك. شأنها في ذلك كشأن عموم حركات “احتلوا”، أو أنصار البيئة، وغيرها من المعارضات المدينية الشعبية. الركة التي اتخذت هذا المفهوم اسماً لهاThe Right to the city (RTTC) تأسست عام 2007. وهي تفصح عن خياراتها وأهدافها بـما معناه “إنّ لدينا كل الحق في البقاء والعودة إلى مدننا، لاستعادة الشوارع والأحياء، وللتأكد من أنها موجودة لخدمة الناس بدلا من رأس المال”.

وتعود أصول هذا المفهوم إلى عنوان كتاب للفيلسوف الفرنسي هنري لوفيفر كان قد أصدره عام 1968 الحافل بمظاهراته الطلابية التي طالت بثوريتها، وأفكارها عواصم مختلفة في العالم. ولا يعرّف لوفيفر هذا الحق بالمصطلحات وبالمفاهيم المدنية القانونية أو الدستورية كما هو شائع مؤخراً عند التيارات المدنية الديمقراطية العربية، إنما بالتعريف الطبيعي للسكان؛ أي “كل” الذين يقطنون في المدينة. وعليه تصبح مشاركة القاطنين في تصميم وبلورة الحيّز المديني الذي يعيشون فيه، هي الأساس من أجل “إدارة ذاتية” يتولاها هؤلاء بأنفسهم. وهذه إحدى الأشكال الأكثر راديكالية لرفض إدارة الدولة للفضاء العام، وخلق سيادة رأس المال المُدار من قبلها، والذي تعمل على تراكمه بفرض تصوراتها المكانية عن الطبيعة وسكانها، وعليهم.

فيما يوضّح أهم منظري تلك الحركة حالياً، الماركسي والجغرافي ديفيد هارفي بأن التصوّر المعتبر لديهم في إعادة تشكيل المدينة يعتمد على إعادة تشكيل “الطبقة العاملة”. لكن هنا نتحدث عن مدينة مثل نيويورك، فلا بدّ بالمقابل من مراعاة مدارين للعبور نحو هذه الطبقة: أوّلا الحياة اليومية، أو الحيّزات المدينية التي تـُشكّل في نظره ميدانَ تَحَقـُّقٍ لفائض القيمة. أي أنه من الممكن أن تتحقق “انتصارات” في مكان الإنتاج بيد أنّ الخسارة تأتي في مكان العيش. هي وحدة المتناقضات، إذن.

ثانياً: إعطاء صفة للإمبريالية، -أو الإمبريالية الجديدة كما يعنون كتابه- والجديد الذي طرأ عليها في آخر 30 إلى 40 سنة نيوليبرالية الطابع، يجعل مفهوم الطبقة العاملة، بالرغم من تقلّص العُـمَّال، ذات خصائص أكثر استيعابية من التي ناقشها لينين في كتابه الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية. فهي إذن تقوم على التراكم بالتجريد، من خلال عمليات التجريد للسكان من ممتلكاتهم وأراضيهم، أو “الاقتلاع السكاني” حتى من ظروفهم البيئية السابقة. وهنا نجد الصراع على الحيز المديني، وأنماط المعيشة والحياة، مدخلاً لفهم ديناميات الصراع الطبقي.

إلا أنه في البلاد النامية، ما زالت المدينة مفككةً، وأحياؤها تأخذ شكل “دويلات”. وعليه يميّز بين ثورات العرب ذات التكوين المتنوّع، وبين حركات “احتلوا”، وأخواتها، الأقل حجماً وعددية. إذ يأخذ “الغيتو” في البلاد النامية صورة أكثر ضرورة للأغنياء، دون أن ينتفي الطرد والاغتراب عن الفقراء طبعاً؛ لأن الأجرة مازالت تقوم بفرز تدفقات الدخل على الأمكنة.

وبناء على هذه القراءة نستطيع اليوم أن نضع تصوّراً حدودياً يفصل بين هذه الغيتوات/ الدويلات عن بعضها. حتى تستوي معنا “جودة” من هو متماهٍ بالشرط المديني الحاكم، و”رداءة” المحكوم الذي تمّ إقصاؤه عنه، وتـُرِك (وراءه) أي في المدن الطرفية، أو الأحياء الكبرى التي تسوِّر المدن. ويتّضح كم هو ضيّق هذا الشرط ومحصور بأنماط إنتاج مُعتمَدة لدى الأوليغارشية السلطوية، وحلفائها التي فرزت من خلفها مجالاً خاصاً بها، مُحصّناً، ومجالاً عاماً قامت بعمارته بطريقة تمنع إنتاج فكر مضاد، ومنعت قاطنيه عن تغييره لئلا يعيدوا تشكيل فضاءاته، وفقاً لحاجاتهم ومن ثمّ خلق سيادتهم عليه.

وإلى هذه المعادلة يمكن إرجاع موقع العشوائيات المتنامي في المظهر المديني، وموقع قاطنيها -أجسادهم ومواردهم- في خريطة هذا الحيّز المُسْتَغَل، والخاضع للتجريد والاقتلاع. في سياق مقارب يعيننا على فهم ماهيّة، وأصول هذا الـ”ما وراء”، وأثره في السياسة، والتمييز المشار إليه من هارفي، أو حتى المعاني التي من الممكن أن تتعدّى نظريّاً مفهوم “إعادة تشكيل المدينة” كما طرحها هارفي ولوفيفر معاً، سنجد عند هادي العلوي استعارة من القاموس السرياني لمعنى كلمة “لَـقْحا” أي (ما وراء المدينة) أو الأرياف، وهذا من باب التدعيم اللغوي لمفهومه عن المشاعية المشرقية/ الآسيوية، التي لبست الأصول اللقاحية لقبائل ما قبل الإسلام أحد وجوهها. والدور الأساس للقاحيّة في ترسيم الحدود الاجتماعية للحركات السياسية في الإسلام، خاصة بعد انطلاق مشروعي “الفتوح” و”تمصير المدن”، ومن ثم البت في مسائل فقهية وكلامية عدّة، تماهياً مع ذلك الترسيم.إلا أنّ المسألة لا تقتصر عنده على هذا القدر من التسليم المعرفي بما هو سابق، بل بنظرة طامحة مستقبليّاً نـحـو مـشـروع فـي “أنسنة المدينة”، وببديل يعكس سمة الاقتصاد الآسيوي المحاصر بجغرافيا التملك الجماعي.

ويبتعد عن المفهوم الحداثي للمدينة؛ على اعتبار هذا الأخير أكثر لصوقاً بخصائص الاقتصاد الأوروبي الصاعد في مراحل نقية جيدة التتخيم (واضحة الحدود).

أخيراً، يبدو أنّ الحق في حيازة المكان، وإعادة تشكيله بالتناسب مع خريطة اجتماعية جديدة، عبر ملء الحيّز العام وكسر احتكاره سيبقى هو امتحان سيرورة التثوير. ماذا لو قمنا بإقران تركيب (ما وراء المدينة) عند هادي العلوي، بواقع الثورات العربية، أوَلا يبدو الحال أكثر اتفاقاً مع آفاق وفضاءات ما وراء المدينة، لا المدينة نفسها التي تقلّصت لتغدو غيتو الأغنياء، ما يفسّر البُعد المُركّب لأزمة الثورات حيث أدّى تـَفكّك صورة المدينة قـَبْل الثورات، إلى تَحلُّل صورة الدولة بعدها.

11