المديونية.. علاقة يشوبها الارتهان أم حاجة تمليها المصلحة والائتمان

الثلاثاء 2017/10/31
العجز عن الوفاء بالتزاماتك تجاه الدائنين

تاريخ الاقتصاد، على مختلف مشاربه وتشعباته، يكاد يؤرخ لنفسه ببدء العلاقة بين دائن ومدين أي بين مقتدر ومحتاج، ولكن ليس بالضرورة أن يكون الأول في موقع قوة والثاني في موقع ضعف.

الاستدانة في مفهومها العام والمطلق، هي عملية يلجأ إليها طرف عندما يكون عاجزا عن مجابهة متطلبات الإنفاق بالاعتماد على موارده المالية الخاصة وحدها. وقد يحدث أن تكون هذه العملية اضطرارية أو مؤقتة أو مستمرة، وفي جميع الحالات فإن الاستدانة ليست دائما ملجأ للطرف الضعيف فردا كان أو مؤسسة أو دولة، وإنما هي سلوك مطلق في العمل الاقتصادي وكثيرا ما يلجأ إليها الطرف القوي، لكن الهدف يختلف باختلاف الأسباب والأهداف والخطط الاقتصادية.

أسباب كثيرة ومتشابكة تقف وراء المديونية على الصعيدين الداخلي والخارجي، ولعل أهمها غياب الكفاءة في السياسات الداخلية وفشل الإصلاحات الهيكلية، والدور التدخلي للدولة والاقتصاد الموازي، والعجز في ميزان المدفوعات وهروب رؤوس الأموال، وكذلك النمو الديمغرافي الكبير والتصنيع غير الفعال، هذا بالإضافة إلى الحروب وتزايد النفقات العسكرية. أما أبرز الأسباب الخارجية فتتمثل في الصدمات البترولية المتتالية منذ سبعينات القرن الماضي، والركود الاقتصادي العالمي، وارتفاع أسعار الفـائدة، وارتفاع سعر الصرف، وانخفاض القروض الخاصة وزيادة الديون متعددة الأطراف.

أخطر ما يمكن أن تسببه المديونية على الدول المستدانة هو فقدان الأخيرة للقرار السيادي في خياراتها الاقتصادية مع استفحال منطق الوصاية من قبل الطرف القارض، والذي طوره صندوق النقد الدولي بما يشبه الحجة التي مفادها: بما أنك دولة تعيش حالة من العجز عن الوفاء بالتزاماتك تجاه الدائنين، فأنت في حاجة إلى طلب إعادة جدولة الديون المتراكمة، بمعنى أنه عليك أن تعملي على تأجيل استحقاقات الدفع لمدة ثلاث سنوات مثلا، ومع إمكانية مراجعة هذا التأجيل لعدة مرات، لذلك عليك أن تتحملي كلفة وتبعات هذه التأجيلات.

وتعتبر مديونية العالم الثالث مأزقا تعيشه البلدان النامية منذ بداية الثمانينات كنتيجة لتبني هذه الدول استراتيجيات الاعتماد على التمويل الخارجي.

وعلى الرغم من أن معظم البلدان المدينة أبدت عجزا في الوفاء بالتزاماتها المالية، فقد واصلت البلدان الصناعية المتقدمة التساهل وإغراق البلدان النامية بالقروض لتوريطها وإيقاعها في فخ المديونية التي تعتبرها منفذا للتسلل إلى العالم الثالث والتدخل في شؤون البلدان المقترضة. وعلى الرغم من السلبيات والمآخذ والانتقادات لسياسة الاستدانة التي تسلكها دول كثيرة في سبيل إنقاذ اقتصادها فإن للقروض الدولية منافع وإيجابيات لا يمكن تجاهلها كما يؤكد الاقتصاديون، ذلك أنّ شركات ودولا كثيرة تلجأ إلى الدين لتمويل نشاطاتها التوسعية على الرغم من توافر مصادر التمويل الأخرى. ومن المفارقات التي قد يستغرب منها ذوو الثقافة المحدودة في الاقتصاد وأرقامه أن ديون الولايات المتحدة الأميركية الحالية مرتفعة جدا لدرجة أن كل مواطن أميركي، صغيرا كان أم كبيرا، مديون بأكثر من 50 ألف دولار. وسيكون على عاتق كل دافعي الضرائب الأميركية أيضا حوالي 139 ألف دولار من هذه الديون، وإذا استمر هذا النهج في أميركا دون إجراء أي تغييرات فإن الولايات المتحدة سوف تضطر في عام 2020 لدفع 2 تريليون دولار لتسديد الديون.

وهنالك قاعدة عامة هي أنه إذا تجاوزت نفقات أي شخص أو أسرة أو حكومة أو بلد، الدخل الذاتي، فلا توجد وسيلة سوى كسب المال للتعويض عن هذا النقص وإيجاد أساس مالي لمواصلة البرامج. وقد حدث هذا في الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، مما أجبر الحكومة على الاقتراض لتغطية عجز ميزانيتها الناشئ من تكاليفها الضخمة.

وختاما لا يوجد في الاقتصاد شيء خيّر كله أو شر بمطلقه، لذلك فإن جميع القرارات الاقتصادية تخضع، في الأصل، لميزان الكلف والمنافع. هناك تتم معاينة القرار الاقتصادي، والقرار الصائب يعتمد على الكفة التي ترجّح.

اقرأ أيضا:

◄ الدول الدائنة: نساعدكم على مساعدة أنفسكم

◄ الدول المديونة: قروضكم أنشوطة في رقابنا

12