المديونية والبطالة والفقر ملفات ملحة على طاولة رئيس مصر القادم

الثلاثاء 2014/05/20
سياسة الدعم الحكومي أصبحت في السنوات الأخيرة تشكل عبئا ثقيلا

يشكل الوضع الاقتصادي الحرج الذي تمر به مصر حاليا واحدا من أصعب التحديات التي سوف يواجهها رئيس مصر القادم. ولكن: من أين سيبدأ؟ وما الذي يجب عمله؟ وكيف؟ هذه كلها أسئلة مصيرية، ستتوقف الإجابة عنها على مدى نجاحه أو فشله في إدارة هذا الملف المعقد.

قضايا عديدة يتضمنها ملف مصر الاقتصادي الشائك، إلا أن ثلاثا منها على وجه الخصوص سوف تشكل تحديات صعبة لرئيس مصر القادم: (1) استعادة التوازن الكلي للاقتصاد، (2) مواجهة أزمة البطالة المرتفعة بين الشباب، (3) تحسين مستوى المعيشة وتقليل حدة الفقر.

بالنسبة إلى القضية الأولى، فإن مصر تعاني في الوقت الراهن من أزمة مالية خانقة. فالعجز في الموازنة العامة للدولة وكذلك حجم الدين العام المحلي والخارجي، في ارتفاع مستمر منذ أكثر من ثلاث سنوات، حيث وصلت نسبة العجز إلى ما يقرب من 14 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ووصلت نسبة المديونية العامة إلى أكثر من 100 في المئة من حجم الناتج المحلي. وقد ترتب على لجوء الحكومة إلى الاقتراض بشكل كبير من البنوك المحلية لتمويل عجز الموازنة، زيادة انكشاف القطاع المصرفي المحلي للدين العام، وانخفاض في قدرة البنوك على تمويل استثمارات القطاع الخاص، وتدهور معدلات النمو الاقتصادي التي لم تزد نسبتها، في المتوسط، عن 2 في المئة سنويا خلال السنوات الثلاث الماضية، وهي نسبة لا ترتفع كثيرا عن نسبة الزيادة السنوية في السكان. من ناحية ثانية، فقد نجمت عن تدهور الإيرادات من السياحة ومن الاستثمارات الأجنبية، صعوبات في ميزان المدفوعات المصري أدت إلى استنزاف متواصل في احتياطات الدولة من النقد الأجنبي، وإلى تدهور في قيمة الجنية المصري.

حاولت مصر أكثر من مرة خلال السنوات الثلاث الماضية التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي للخروج من أزمتها، والتوصل إلى برنامج للإصلاح المالي، وفي كل مرة كانت الحكومات المصرية تتراجع في اللحظة الأخيرة قبل التوصل إلى اتفاق خشية أن تؤدي هذه الإصلاحات إلى اندلاع اضطرابات سياسية واجتماعية تزيد من حدة الأوضاع المضطربة أصلا منذ الإطاحة بنظام مبارك. وقد ساعدت المعونات الخليجية، على شكل منح وقروض ومشتقات بترول، التي قدمتها لمصر المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية، ودولة الكويت منذ سقوط حكم الرئيس محمد مرسي، في إنقاذ الاقتصاد المصري من الأزمة الخانقة التي كان يمر بها، إلا أن هذه المساعدات الخليجية (التي وصلت قيمتها الإجمالية في أحد التقديرات إلى 20 مليار دولار حتى الآن) من غير المتوقع أن تستمر طويلا، كما جاء في تصريحات لمسؤولين خليجيين كبار أكثر من مرة خلال الأشهر الماضية.

ساعدت المعونات الخليجية في إنقاذ الاقتصاد المصري إلا أن هذه المساعدات من غير المتوقع أن تستمر طويلا


مواجهة أزمة البطالة


القضية الثانية التي تمثل تحديا كبيرا لرئيس مصر القادم هي أزمة البطالة المستفحلة بين الشباب المصري، والتي كانت أحد الأسباب الرئيسية للأحداث التي أطاحت بالرئيس مبارك. آخر الإحصائيات الرسمية تشير إلى أن نسبة البطالة في مصر تصل حاليا إلى 13.4 في المئة من قوة العمل، 70 في المئة منهم تتراوح أعمارهم بين 16 و 29 سنة، وأكثر من 80 في المئة منهم من المتعلمين. ومما يزيد من حدة المشكلة دخول ما يزيد عن 700 ألف عامل إلى سوق العمل لأول مرة سنويا للبحث عن فرص عمل أصبح العثور عليها أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

سوق العمل الرسمي في مصر، والمتمثل في القطاع الحكومي والقطاع الخاص، غير قادر على خلق ما يكفي من وظائف لاستيعاب هذه الأعداد المتزايدة من الشباب. فالقطاع الحكومي يضم أكثر من 6 ملايين موظف، ويعاني من وجود عمالة زائدة وبطالة مقنعة. كما أن الحكومة المصرية أوقفت منذ زمن طويل سياسة التوظيف التلقائي لخريجي الجامعات للعمل في مؤسساتها المختلفة، وهي السياسة التي كانت سائدة خلال الفترة ما بين الستينات والتسعينات من القرن الماضي. من جهة أخرى، فإن القطاع الخاص الرسمي، والذي يضم المنشآت الخاصة المُسجّلة والمُرخّصة لدى الدولة، يعمل في ظروف غير مواتية بسبب حالة عدم الاستقرار السياسي التي تشهدها البلاد منذ أكثر من ثلاث سنوات من ناحية، وبسبب الكثير من القيود والمعوقات التي تحيط بعمل القطاع الخاص من ناحية ثانية، حيث تُظهر المؤشرات الصادرة عن البنك الدولي، وعن المنتدى الاقتصادي العالمي، استمرار تدهور ترتيب مصر من حيث سهولة ممارسة الأعمال، ومن حيث القدرة التنافسية للاقتصاد.

تكمن خطورة مشكلة البطالة بين الشباب في أن استمرارها دون حل سيعمل على إطالة حالة عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي التي تمر بها مصر حاليا وتزيد من حدتها. ومن هنا فإن السياسات والبرامج التي تستهدف خلق فرص عمل سريعة للشباب المصري تكتسب أهمية خاصة. هذه البرامج تشمل برامج التشغيل الطارئ، وبرامج إعادة التأهيل والتدريب، وبرامج تمويل المشروعات الصغيرة، وغيرها. لكن هذه البرامج، على أهميتها في الأجل القصير، لا تقدم سوى حلول مؤقتة للمشكلة. بينما تتطلب المعالجة الجذرية في الأجل المتوسط والطويل القيام بإصلاحات هيكلية شاملة تستهدف تحسين مناخ الأعمال بأكمله في مصر لإتاحة الفرصة أمام القطاع الخاص لخلق فرص عمل منتجة ومستدامة للشباب المصري.


تحسين مستوى المعيشة


القضية الثالثة التي ستشكل تحديا كبيرا لرئيس مصر الجديد هي مشكلة الفقر، حيث يعيش اليوم أكثر من ربع سكان مصر، (26.3 في المئة حسب الإحصاءات الرسمية)، تحت خط الفقر، ووجود نسبة أخرى مماثلة من السكان لا تبعد كثيرا عن هذا الخط. بمعنى أن نصف سكان مصر تقريبا يمكن تصنيفهم على أنهم فقراء، يعيش الفرد منهم على أقل من دولارين في اليوم. معظم العائلات الفقيرة في مصر تعيش في محافظات الصعيد جنوب البلاد، وفي مناطق الأرياف والأحياء الشعبية.

وقد عملت السياسات الاجتماعية الحكومية لعقود طويلة ماضية على تقديم المساعدات المالية والعينية لحماية طبقة الفقراء، وذلك من خلال تقديم الدعم الحكومي للمواد الغذائية الأساسية (وبعد ذلك للوقود)، وتوفير الخدمات التعليمية والصحية المجانية، والمساكن المنخفضة التكلفة. ومع مرور الوقت، ثبت عدم فعالية سياسة الدعم هذه في تحقيق الأهداف التي وضعت من أجلها، نظرا إلى فشلها في استهداف الفقراء بشكل مباشر، وذهاب جزء غير قليل من الدعم الحكومي إلى غير المستحقين .

والأهم من ذلك، أن سياسة الدعم الحكومي أصبحت في السنوات الأخيرة تشكل عبئا ثقيلا على الموازنة العامة للدولة، حيث وصل نصيب فاتورة الدعم في السنة المالية 2012 /2013 إلى حوالي 30 في المئة من مجموع الإنفاق العام، أو ما نسبته 9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في مصر. هذه الزيادة المطردة في حصة الدعم في الموازنة كانت تتم على حساب الاستثمارات العامة في البنية التحتية وفي مرافق الخدمات الاجتماعية مما أدى إلى تدهور مستواها.

الجانب السياسي لمشكلة الفقر في مصر لا يقل أهمية عن الجوانب الاقتصادية والاجتماعية. فمع ارتفاع نسبة الفقر من ناحية، وفشل الدولة من ناحية ثانية في التعامل مع هذه المشكلة بشكل فعّال، تُرك الباب مفتوحا مع مرور الوقت للجماعات الإسلامية المختلفة لملء الفراغ الذي لم تعمل الدولة على سده من خلال سياسات اقتصادية واجتماعية ناجعة.

لقد قامت الجماعات الإسلامية بتوفير خدمات صحية وتعليمية في المناطق الفقيرة، وتقديم مساعدات مالية وعينية للفقراء، مما أكسبها تعاطفا شعبيا متزايدا على حساب الدولة التي كان الكثير من الفقراء يتهمونها بالفساد.

في ظل تفشّي مشكلة الفقر، وعدم وجود شبكات أمان اجتماعية فعّالة، فإن التحدي الذي سيواجه رئيس مصر المقبل هو كيفية القيام بالإصلاح المالي المطلوب لإعادة التوازن الكلي للاقتصاد الذي أشرنا إليه من قبل، إذا ما تضمنت هذه الإصلاحات إجراءات تقشفية يمكن أن تؤدي إلى اندلاع اضطرابات في الشارع المصري إذا ما اعتبر الفقراء أن هذه الإجراءات تلقي أعباء إضافية على حياتهم.

2 تريليون جنيه قيمة الدين العام بالنسبة لمصر

100 بالمئة نسبة المديونية العامة من حجم الناتج المحلي

13.5 بالمئة نسبة البطالة في مصر من مجوع القوى العاملة

26.3 بالمئةمن المصريين يعيشون تحت خط الفقر


التحديات والإصلاحات


يتبين لنا من التحليل السابق أن مسألة تحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي ومعالجة مشكلتي البطالة والفقر، سوف تشكل أهم التحديات الاقتصادية التي ستواجه رئيس مصر الجديد لدى تسلمه منصبه مطلع الشهر القادم. ومع أن التعامل مع هذه المشاكل لن يكون سهلا، إلا أن البدء في محاولة إيجاد حلول لها لن يكون في حكم المستحيل أيضا.

وفي هذا الصدد، فإن هناك اعتقادا قويا بين صانعي السياسة المصريين اليوم، وبين كثير من الخبراء خارج الحكومة أيضا، بأن الإصلاحات المالية (لاسيما موضوع إصلاح الدعم الحكومي لقطاع الطاقة الذي يصل إلى 20 مليار دولار في السنة، إلى جانب توسيع القاعدة الضريبية لزيادة الإيرادات العامة) هي السبيل الوحيد للخروج من المتاعب الاقتصادية المتفاقمة التي تعاني منها مصر في الوقت الراهن.

كما أن الكثير من المراقبين الدوليين المتابعين للأوضاع الاقتصادية في مصر يحذرون بدورهم من مغبّة حدوث أزمات مالية متصاعدة في حال لم يتم تطبيق الإجراءات الإصلاحية أو حدث تأخير في القيام بها. وتشير توقعات صندوق النقد الدولي في أحدث التقارير الصادرة الشهر الماضي (إبريل) حول أوضاع الاقتصاديات الانتقالية في المنطقة العربية، بأن يتراوح النمو الاقتصادي في مصر ما بين 4 إلى 4.5 في المئة في السنة حال القيام بالإصلاحات المطلوبة. وقد لا تكون نسبة النمو هذه كافية لإحداث فارق حقيقي في مستويات الفقر السائدة، أو في حجم البطالة بين الشباب في مصر، إلا أنها تكفي لوضع الاقتصاد المصري على طريق التعافي.

ومع التسليم بإمكانية تحقيق مثل هذا النمو، إلا أنه لابد من التنبيه هنا إلى مسألة غاية في الأهمية. حيث أظهرت التجربة في العالم العربي، وفي أماكن أخرى كثيرة في العالم، أن الطريقة التي يتم بها تحقيق النمو وكذلك مصدر هذا النمو، لا تقل أهمية عن أرقام النمو الاقتصادي ذاتها، لا بل قد يكونان أكثر أهمية منها. وسبب ذلك بسيط جدا. فمعدّلات النمو الاقتصادي المرتفعة لا تُترجَم نفسها بالضرورة، وبصورة تلقائية، إلى زيادة في مداخيل الفقراء أو في خلق وظائف جديدة للعاطلين عن العمل من الشباب.

هذا هو الدرس الواضح الذي يمكن استخلاصه من نموذج النمو السريع الذي اتّبعته مصر خلال العقد الأخير من فترة حكم الرئيس السابق حسني مبارك. وهو نفس الدرس تقريبا الذي يمكن استخلاصه من التجربة التونسية في السنوات الأخيرة من عهد الرئيس زين العابدين بن علي. فكلتا الدولتين استطاعت تحقيق معدلات عالية من النمو الاقتصادي في ذلك الوقت، وكانت العديد من المؤسسات الدولية، بما فيها صندوق النقد الدولي، تضرب بهما المثل في كيفية السير وفق سياسات إصلاحية ترفع من معدلات النمو الاقتصادي. ومع ذلك، فقد كانت هاتان الدولتان العربيتان نفساهما من أول البلدان العربية التي شهدت ثورات على الأنظمة السياسية فيها، مما قدم دليلا واضحا على فشل السياسات الاقتصادية في كل منهما في تحقيق توزيع عادل لثمار ما تم إنجازه من تقدم على الصعيد الاقتصادي.

وعلى الرغم من أنه من غير الواضح تماما حتى الآن الطريقة أو المنهجية التي سيتعامل بها رئيس مصر القادم مع الملف الاقتصادي الشائك لبلاده، أو تفاصيل السياسات التي سيتم اتباعها في هذا المجال، فإنه من الأجدى بالرئيس الجديد أن يُبقي الدروس المستفادة من تجارب الماضي القريب في الاقتصاد نصب عينَيه لدى البحث عن الاستراتيجية المناسبة للنمو الاقتصادي في مصر بهدف التعامل مع التحدّيات الهائلة التي تواجهها بلاده.


* خبير اقتصادي مصري، وباحث أول ومحاضر سابق في مركز كراون لدراسات الشرق الأوسط التابع لجامعة براندايز.

7