المدّ الأصولي يتزايد في مجتمعات "دار الحرب"

الثلاثاء 2014/02/11
الخطاب الإسلامي المتشدد وظف توظيفا سيئا مناخ الحرية في الغرب

يحاول الكاتب حميد زنار من خلال دراسته التي عنونها بـ”المد الأصولي في أوروبا: كيف يحفر الغرب قبره” طرح جملة من الإشكاليات ومعالجة القضية من زوايا مغايرة، من بينها توظيف المتشددين الإسلاميين لمناخ الحرية والديمقراطية في الغرب لمحاولة تغيير النمط الثقافي لتلك البلدان، ونقدم هنا جزءا من تلك الدراسة القيمة.

عتقد حميد زنار أن الديمقراطية الأوروبية تواجه العديد من المشاكل، لكن أصعبها تلك التي تتسبّب فيها الأصولية الإسلامية، ومن خلال تصريح أحد روادها بالقول “نستطيع محاربة الديمقراطية من الداخل، لكن الديمقراطية لا تستطيع محاربة الإسلام أو لا تستطيع الجهر بذلك على الأقل”، يقر الكاتب أن البلدان الأوروبية وجدت نفسها في مأزق غير مسبوق جراء المصاعب التي يخلقها لها الأصوليون الإسلاميون اليوم في عقر دارها.

وفي خضم المناخ العام الذي تعيشه أوروبا جراء تصاعد المد الأصولي، يطرح الباحث جملة من الإشكاليات التي تستدعي الوقوف عندها، ومن بينها:

هل تَسَامُحُ حائط الديمقراطية أغرى لصوص الأصولية؟ هل يستغل الإسلام السياسي الحرية وجواز السفر الأوروبي والديمقراطية وحقوق الإنسان المتاحة في الغرب لينقلب عليها؟ إلى متى تبقى الجاليات الإسلامية المتواجدة في الغرب حصان طروادة الذي يركبه المتشددون في هجومهم على الحرية؟ أمام رحى الجماعة الإثنية والدينية التي ما انفكت تحاول ربط وإذابة المغترب الآتي من بلاد الإسلام في جماعة إسلامية وفصله ثقافيا عن المجتمع المضيف، كيف تتصرف آلة الحداثة التي تعمل على إدماجه في المجتمع بجعله فردا حرا مستقلا؟

كما يتساءل إن كانت الجاليات المنحدرة من “الثقافة الإسلامية” هي مشكلة الغرب الأولى في القرن الواحد والعشرين، كما يتنبأ كثير من المفكرين؟ هل ستسود الشريعة أوروبا كما يحلم كثير من المسلمين؟ وكيف يعمل الأصوليون منهم على تحقيق ذلك الهدف؟ وما هو رد الأوروبيين المحتمل على هذا الغزو الإسلاموي؟

يطرح زنار تلك الإشكاليات ويحاول أن يتتبع تاريخيا البدايات الفعلية للأصولية الإسلامية، فيرى أنه مع بداية ثمانينيات القرن الماضي، بدأ يظهر على الشبان ذوي الأصول المغاربية والهندو- باكستانية المولودين في أوروبا نوع من التدين الجديد، يختلف جذريا عما كان سائدا لدى آبائهم.

الحركات السلفية بدأت سلفية عبادية لكن سرعان ما تفرعت عنها سلفية سياسية، أنجبت في نهاية التسعينات سلفية جهادية متعددة المشارب

لم يكن تدينهم وعلاقتهم بالإسلام عموما مجرد استمرار لذلك التصور التقليدي الذي كان يحمله الجيل الأول من المغتربين.

ذلك التصور الموروث شفاهيا، الآتي مع الحقائب من البلد الأصلي،ابتداء من منتصف القرن المنصرم، والذي كانت تبني عليه جماعة الإخوان المسلمين وجماعة التبليغ لاحقا احتكارهما لدور الدعوة بين صفوف المهاجرين إلى بداية التسعينات.

ويذهب الكاتب إلى أنه تحت ظروف معيشية وتأثيرات خارجية وبسيكولوجيّة عديدة ابتدع الجيل الثاني واستورد في آن واحد حركات سلفية متنوعة كانت مهمشة في البداية أمام حركة الإخوان، المنسجمة تنظيميا وفكريا وعلى الخصوص ماليا.

بدأت سلفية عبادية لكن سرعان ما تفرعت عنها سلفية سياسية أنجبت بدورها في نهاية التسعينات سلفية جهادية متعددة المشارب بل متناقضة المذاهب، تختلف من بلد أوروبي إلى آخر، فرضت نفسها كشريك أساسي في أسلمة أوروربا، وهكذا أصبحت تمول في العلن بجمع الأموال في المساجد في كل أنحاء أوروبا إلى أن ضربت ضربتها العظمى في بلاد العم سام في الحادي عشر من سبتمبر2001 بغزوة نيويورك.

ويصل حميد زنار إلى بيان كيف تسلل الخطاب الأصولي إلى المجتمع الغربي، فيقر أن العلاقة التي تقيمها السلفية مع مجتمعات “دار الحرب” التي تنشط فيها متباينة، إذ تتكيف مع قانون كل بلد. تفتك رخصة استثنائية من هنا، وتفتح منفذا في جدار اللائكية من هناك، ويفجر أحد أفرادها نفسه ليقتل أعداء الله من مستعملي القطار والمطار وحيثما وجد الكفار.. لكنها تبقى في مجموعها ممولة في السر وبأشكال تمويهية مختلفة.

ويتساءل الكاتب عن الأسباب التي تجعل شابا ولد في أوروبا وتشبع بحداثتها يتبنى خطابا سلفيا متشددا بالقول: “لكن إذا تفهم الدارس الأمر بسهولة حينما يكون متعلقا بالنشطاء الذين يعيشون في أرض الإسلام أو الذين جاؤوا منها، يصعب عليه أن يجد تفسيرا لعودة من وُلدوا في الغرب إلى سلف صالح مفترض،آملين أن يجدوا لديه وصفة لحل مشاكلهم اليوم.

كيف يمكن أن يتهافت شبان يعيشون في قلب الحداثة الأوروبية على فتاوى يصدرها ويرسلها لهم شيوخ دين يعيشون في دول عربية، فقهاء وكتاب يبدو من أقوالهم وكتاباتهم أنهم من البشر الذين لم يبرحوا المرحلة اللاهوتية بعد”؟

ويشير الكاتب إلى التحول الديمغرافي الذي بدأت تشهده بعض الأحياء مثلا في فرنسا حيث يقول:

“أحياء بكاملها أصبحت اليوم”إسلامية” قلبا و قالبا يشعر فيها الفرنسيون غير المسلمين كأنهم غرباء في بلدهم بل غير مرغوب فيهم أصلا، أحجبة وأنقبة و”بوركات” وتجار حلال في كل مكان.. طُرد لحم الخنزير وكل لحم غير محضر على الطريقة الإسلامية، واستبدلت الجعة وخمر بوردو في مقاهي تلك المناطق المؤسلمة بالشاي المنعنع”.

إن الكاتب من خلال دراسته هذه حاول الوقوف على أسباب تنامي المد الأصولي في أوروبا، مشيرا إلى أن صراعا حقيقيا سينشأ مستقبلا بين أصولية إسلامية متشددة وافدة وبين مجتمعات أصبحت تشعر بالخطر الذي يتهدد نمط الحياة فيها.

13