المذاق الرفيع لقهوة جمعة شنب الرديئة

الجمعة 2015/02/13
المشاهد التي يرسمها جمعة شنب يبدو فيها التناغم المنشود مصابا بضغط الواقع

القاص الأردني جمعة شنب في مجموعته القصصية الجديدة الموسومة بـ”قهوة رديئة” الصادرة حديثا عن “الدار الأهلية للنشر والتوزيع”، في عمّان (2015)، يحقق التوازن ويدعم السرد بفكاهة، لا هي بالسوداء المؤلمة بحدّة والباعثة على الانقباض، ولا هي بالسطحية البسيطة التي تضحك دون أن تخز الوعي.

على قدر تطوّر الواقع وتعقيد وضع الإنسان فيه، بما عليه وما حوله وكيفية تعايشه معه، تأتي المسايرة الأدبية الناجحة له. المعادلة صعبة حين يدنو الكاتب من مساحات الإنسان ومعه الكلمة والتأملات والفكاهة أداةً يكاد استعمالها يكون مشابها للعلاج بدواء جرعاته إن زادت أو لم تتناسب مع الداء أضرّت.

في قصة معايدة حيث يدور حديثان الأول بين امرأتين والثاني بين زوجيهما يورد الكاتب على لسان امرأة ”إنّ زوجك أحول وضئيل، ويشبه المحقّق كولومبو، يتنطّط كثيرا مثل جرذ دنيء، لكن عينه شبه المعطوبة لا تساعده كثيرا، ومع ذلك لم يدع خطيئة إلاّ واقترفها. ولك أن تتخيّلي، لو أنّه طويل ووسيم، مثل زوجي، ما كان يفعل. لكن لا يغرّنك زوجي. إنّه رجل لئيم يتجهّم أغلَب ساعاتِ النّهار، ويشخر طيلة ساعاتِ اللّيل حتّى إنّي هممت غير مرّة بقتله، فما نفع رجل لا يطالني منه إلاّ حسد الناس”.

ثم على لسان رجل: ”إنّ النساء عديمات الوفاء يا صديقي. لذلك عليك أن تظلّ قويّا مادمت معهنّ. وإن صادف وتغلّب عليك الهزال، فالتقط أداة حادّة، واقتل نفسك. دعكَ من كلامِ المنافقين، هؤلاء الذين يكتبون عن مظلوميّتهن طول الوقت، ويتملّقونهنّ آناء اللّيلِ والنّهار. إنّهم بغال استمرأت الركوب، ومع ذلك يجحدنهم. إنّهم الأقلّ احتراما عند هذه المخلوقات الشيطانيّة”.

فرص الابتسام أو حتى الضحك الكثيرة المتوفرة في الكتاب تشهد للكاتب بقدرته على شدّ القارئ بفكاهة أدبية حديثة

العلاقات بين الجنسين ليست على ما يرام والتناغم المنشود الذي يرسم تلك الصورة المثالية لبيت الزوجية يبدو في المشاهد التي يرسمها القاص مصابا بضغط الواقع وأذاه.


ثنائية الفرد والمجتمع


الفرد والمجتمع المتكرران في قصص المجموعة يبدوان مأزومين بدرجات متفاوتة حسب القصص وقد يكون حضور ثيمة الموت القويّ في سياقات متنوعة ومختلفة راجعا لهذا أيضا بما يصاحب الموت من تباين مشاعر وإحساس بالنهاية المثيرة للتساؤل إن كانت خلاصا وانعتاقا باعثا على الراحة الأبدية، أم ارتماء في حفرة بعد تخبط طويل وشقاء.

نجد بطل قصة ”محاولة” يقوم بتجربة الاستلقاء في القبر وينهض وكأنه يوصل فكرة أن دفن المرء لنفسه لا يريح ولا ينهي التيه والضياع، يصف الكاتب نهوضه قائلا ”ونفض عن ملابسه ما علق بها من ترابٍ، وعاد إلى سيّارتِه، وقضى الطريق في محاولة يائسةٍ، لنفضِ تلك الأفكار المشؤومة التي علقت به في القبر”. ومثله في ارتباك الوجود ”غوّاش” في ”قصة رجل نظيف”: كانت في رأسه مسائل كثيرة معلّقة، بعضها في طريقه إلى الحلّ، وبعضها الآخر كان مستعصيا تماما. كانت في صدره -أيضا- مشاعر حبّ وبغض، إزاء البشر والحجر والشجر.

تناغم يرسم صورة مثالية لبيت الزوجية

العلاقات الإنسانية ودخول وسائل التواصل الحديثة عليها لا تغيب أيضا عن أوراق المجموعة فنجد الرجل والمرأة الممارسين للكذب المجمّل والمجامل على الـ”فيسبوك” والصرخة الفردية المنطلقة عن طريق الاتصال بمجموعة أرقام هاتفية في وقت غير مناسب دون الإفصاح عن أي شيء ومع إفصاح عن حالة نفسية معينة يبدو صاحبها كالباحث عن شيء مبهم.


ألم الإنسانية


القارئ الذي تعوّد على الإحساس بألم الإنسان من خلال القصص بما يصله من وصف وسرد يجد نفسه في ”قهوة رديئة” في منطقة الألم الذي ترافقه قلّة الحيلة لأن الوضع معقد والمسببات للغرابة والسلبية تكاد تتحول إلى مشاكل فردية- اجتماعية جينية بحكم توارث المجتمع لها واستمرارها في البقاء، وحتى التفاقم والتعقد.

فرص الابتسام أو حتى الضحك الكثيرة المتوفرة في الكتاب تشهد للكاتب بقدرته على شدّ القارئ بفكاهة أدبية حديثة، وضعها في مكانها وفي سياقات تناسبها فانطلقت رشيقة إلى العمق. صناعة البسمة أدبيا وتوظيفها لضمّ الإنسان أوتحريك عاطفته نحو غيره يجعلان من قصص ”قهوة رديئة” القصيرة وحتى ومضاتها رسائل إنسانية قد يكون الكاتب أجّلها أزيد من ثلاثين سنة، منذ آخر إصدار له، لكنها تصل إلى المكتبة العربية بكل الألق والتميز الذي يمسح طول الانتظار بجمال الحضور.

يقول جمعة شنب: بعد إحدى وثلاثين سنة، مضت على نشر آخر مجموعة قصصيّة لي، بعنوان “موت ملاك صغير” وكنت لم أزل أحد طلّاب كلية الاقتصاد والعلوم الإداريّة، في الجامعة الأردنيّة. كنت شأني شأن كثير من أبناء جيلي آنذاك، مسكونا بهاجس المخيّم الفلسطيني، حيث نشأت فقيرا بائسا، غير يائس، ومعبّأ بالأمل. ألوذ به، هربا من الألم الشديد. وبعد إحدى وثلاثين سنة، وقد فارقتني رهبة النّشر، بعد أن فارقني الزهد بالكتابة، هذه مجموعتي القصصيّة، التي أفضّل تسميتها “المجموعة صفر” لولا أن رأى أصحابي تسميتها “قهوة رديئة”.

14