المذهب المالكي يحسم كل اختلاف ويؤمّ الفقه في المغرب

مذهب الإمام مالك بن أنس، يمدّ جذوره أفقيا وعموديا في بلاد المغرب والأندلس منذ زمن بعيد، ودون غيره من باقي المذاهب التي لم تستطع الصمود أمامه رغم فرضها في فترات سياسية معينة، وتعود أسباب هذا الانتشار إلى عوامل كثيرة، أهمها ملاءمة المالكية لطبيعة أهل المغرب الذين تشبعوا بفقه مالك أثناء رحلاتهم إلى الحجاز، بالإضافة إلى تبني إدريس الأكبر لهذا المذهب الذي عرف بالوسطية والاعتدال.
الجمعة 2016/10/07
إسدال اليدين عند الصلاة وفق الطريقة المالكية في جامع الحسن الثاني

الرباط - قال ابن حزم “مذهبان انتشرا في بدء أمرهما بالرئاسة والسلطان: الحنفي بالشرق والمالكي بالأندلس”. ويضيف “وكان الغالب على أهل إفريقية السّنن، ثم غلب الحنفي، فلما تولى المعز بن باديس سنة 407 حمل أهلها وأهل ما والاها من بلاد المغرب على المذهب المالكي وحسم مادة الخلاف في المذاهب، فاستمرت له الغلبة على سائر بلاد المغرب”.

علل ابن خلدون غلبة هذا المذهب على المغرب والأندلس قائلا “أما مالك رحمه الله تعالى فاختص بمذهبه أهل المغرب والأندلس وإن كان يوجد في غيرهم إلا أنهم لم يقلّدوا غيره إلا في القليل، لأن رحلتهم كانت غالبًا إلى الحجاز، وهو منتهى سفرهم، والمدينة يومئذ دار العلم، ومنها خرج إلى العراق، ولم يكن العراق في طريقهم، فاقتصروا على الأخذ من علماء المدينة، وشيخهم يومئذ مالك وشيوخه وقلدوه من دون غيرهم، وأيضًا فالبداوة كانت غالبة على أهل المغرب والأندلس”.

ينقل مصطفى القضاة أن الإمام إدريس كان على مذهب الإمام مالك، ودعا الناس إلى الأخذ به واتباع منهجه وجعله مذهبًا رسميًا، معززًا ذلك بقوله “نحن أحق باتباع مذهب مالك وقراءة كتابه الموطأ”، وقد أرسى المولى إدريس أصول المذهب المالكي في المغرب الأقصى، بإسناد منصب القضاء الأول لشخصية عربية هي: عامر بن محمد بن سعيد القيسي، تلميذ الإمام مالك، فكان عامر أول من أدخل الموطأ إلى المغرب الأقصى .

يكثر الجدال حول دور الموحدين، في تغيير البيئة الدينية، يقول مصطفى القضاة “إنه وبسقوط الدولة المرابطية (1050-1147) واستيلاء الدولة الموحدية (1121-1269) مرّ المذهب المالكي بفترة عصيبة، حيث ضيق على فقهاء المالكية وأحرقت مدونة سحنون، خصوصاً في عهد يعقوب بن يوسف بن عبدالمؤمن، حيث طلب من الناس ترك الاشتغال بعلم الرأي وأن لا يتمسكوا بشيء من كتب الفقه”.

مذهب مالك ظل من أهم عوامل نجاة المغرب من التباين الفقهي، الشيء الذي عانت منه بلدان إسلامية كثيرة

ويواصل قائلا “غير أن هذه المحنة التي لحقت بأتباع المذهب المالكي لم تطل، فبزوال الدولة الموحدية ومجيء الدولة المرينية (1242-1465) عاد النفوذ إلى المذهب المالكي، وما زال، فقد استطاع بنومرين بسرعة أن يسترجعوا ما ضاع، وأن يبعثوا ما فقد من كتب المالكية وفي صدرها كتاب المدونة”.

نشرت وزارة الأوقاف المغربية، على موقعها الإلكتروني، مقالاً بعنوان “لماذا اختارت المغرب المذهب المالكي”، جاء فيه “ملاءمة المذهب لطبيعة أهل المغرب، ومساندة السلطة للفقهاء المالكية، إن لتشابه البيئة المغربية بالبيئة الحجازية، واشتراكهما في كثير من الأمور والخصائص والعادات، كاعتمادهم الفقه العملي (الأعراف والعادات) أصلاً من الأصول التشريعية، الأثر القوي في ترسيخ أركان هذا المذهب وتثبيت دعائمه في بلاد المغرب”.

كما ظل أهل المغرب ملتزمين بهذا المذهب على مستوى الحكم، فأضحى مذهبهم الرسمي منذ عهد الأدارسة إلى يومنا هذا، يلزم به الأمراء والسلاطين الخاصة والعامة، مما يدل على أصالة هذا المذهب، وقدرته على التكيف والاستمرارية.

المدرسة الرائجة في تناول المذهب المالكي، هي ربطه تمامًا بإدريس الأول، ورفض الحديث عن تأخر دخوله.

يقول محمد عزالدين معيار الإدريسي، في بحثٍ قديم، تعيد نشره وزارة الأوقاف المغربية “والواقع أن المولى إدريس الأكبر، كان عند دخوله المغرب قد آثر الاتجاه السني، واتباع مذهب مالك، مما كان فيه للمغرب الخير العميم، وبذلك جمع المولى إدريس بين أمرين، وهما العرش الذي ظل على مدى أكثر من اثني عشر قرناً مصدر عظمة المغرب وشموخه.

ويضيف الإدريسي “مذهب مالك الذي ظل وعلى الامتداد الزمني نفسه من أهم عوامل نجاة المغرب من الاختلاف المذهبي، والتباين الفقهي، الشيء الذي عانت منه كثير من البلاد الإسلامية التي سمحت بتعدد المذاهب الفقهية، ويبدو من خلال ما تقدم من المولى إدريس بن عبدالله، الذي كان يحفظ موطأ مالك، أول من دعا المغاربة إلى مذهب مالك وقراءة الموطأ، قبل أن يرسخ من بعده خلفه ووارث سره المولى إدريس الأزهر الذي اختار عامرًا القيسي لقضاء فاس”.

* خلاصة من بحث: عمر الترابي “التشيع في المغرب العربي تمرد ناعم”، ضمن الكتاب 115 (يوليو 2016) “إيران ودول المغرب: المسألة الشيعية”، الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث-دبي.

13