المذيع خطيبا سياسيا

الأربعاء 2016/05/25

في الجمعة الماضي الـ20 من مايو 2016 غاب المسؤولون العراقيون من المنطقة الخضراء بعد أن اقتحمها المتظاهرون الساخطون على الحكومة المتلكئة في تحقيق الحد الأدنى من الإصلاحات المنشودة وقد تجاوز “الاقتحام” هذه المرة ما جرى قبل جمعتين، حيث لم تقف الجماهير الغاضبة هذه المرة عند مبنى البرلمان بل تعدته إلى مبنى مجلس الوزراء وجلس بعضهم مكان الوزراء في قاعة الاجتماعات.

وأدى تصاعد حراك الشارع البغدادي إلى تصعيد رد الفعل الأمني، الذي وصل إلى إطلاق الغاز المسيل للدموع واستعمال الرصاص المطاطي والحقيقي، فسقط شهداء وجرحى، ونقلت رويترز عن مصادر طبية أن أربعة أشخاص على الأقل قتلوا وأصيب تسعون – كما أكدت جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق، إصابة 13 مراسلا ومصورا خلال تغطيتهم لأحداث اقتحام المنطقة الخضراء.. وتزعم الجمعية أن استهداف الكوادر الإعلامية من قبل القوات الأمنية كان مقصودا “لحجب التغطيات، وعرقلة استمرار نقل مجريات الأحداث”.

لقد حرصت على متابعة “التغطيات الإعلامية لمجريات الأحداث” من خلال الفضائيات وكنت أطمع أن أرى شاشة مستقلة تعمل بمهنية وموضوعية من أجل نقل الحقيقة والوصول إلى المعلومة، ضمن قاعدة إعلامية مقبولة لحرية التعبير. فقضيت أكثر من خمس ساعات وأنا اتنقل من فضائية عراقية إلى أخرى، فماذا وجدت؟

عدد من الفضائيات العراقية تجاهلت الأحداث التي اقتحمت مراكز الحكومة المركزية وأرهبت السياسيين وجعلتهم يختبئون “صوتا وصورة”، وبعض القنوات أشارت إليها باقتضاب شديد مفضوح القصد والموقف والسبب !!

بعض القنوات المستقلة وشبه المستقلة تابعت ما يجري في الشارع وعلى أبواب المنطقة الخضراء باهتمام واضح ضمن أُطر النشرات الإخبارية المفتوحة مستعينة بمذيعين تقليديين قدموا المعلومة التي تصلهم مع صور ميدانية لعبت فيها كاميرا الموبايل دورا أساسيا.

بضعة فضائيات عراقية، لم تسلم شاشاتها إلى مذيعين عاديين ينقلون الأحداث للمشاهدين بحرفية مذيعي الأخبار بل سلمتها إلى مقدمي برامج معروف عنهم (وعن قنواتهم) الميل إلى الشغب الإعلامي والنقد الهجومي خاصة ضد مفاصل الحكومة والكتل السياسية.

وقد راقبت اثنين من هؤلاء المقدمين المتحمسين للأحداث الجارية في شوارع بغداد وفي أروقة المنطقة الخضراء أحدهما حاول أن يضع جمله الحماسية على لسان المشاهدين هاتفيا كأن يسألهم “أهذه ثورة شعبية ؟ .. أهذه ثورة الفقراء؟”، وعندما وصلت أخبار عن زحف جماهير أخرى من أحياء بغداد للالتحاق بمهاجمي أسوار المنطقة الخضراء سأل المقدم المتصلين به “ألا يجدر زحفكم من الأحياء الأخرى؟”.

المذيع الآخر من الفضائية الأخرى كان أكثر إثارة واندفاعا، حيث نصب نفسه خطيبا سياسيا يدعو إلى الثورة والتمرد وهو يعبر عن أفكاره الثورية ليس فقط بصوته المجلجل وإنما أيضا بحركات جسده وهو يدعو بصراحة وعناد وإصرار إلى الثورة المستمرة مستعملا ألفاظا أقل ما يقال عنها أنها غير لائقة مثال ذلك “استمروا في ثورتكم .. أدخلوا عليهم في جحورهم .. جحور الخنازير”.

وعندما وردته الأخبار أن أهالي البصرة والنجف تظاهروا تأييدا للتظاهرات في بغداد وأن “المتظاهرين حاولوا اقتحام مبنى المحافظة” بدأ المقدم إياه بإلقاء خطبة سياسية حماسية داعيا جماهير المحافظات الأخرى إلى التظاهر والاحتجاج و”كنس رموز الفساد والطائفية والمحاصصة”.

وقد تحول المذيع إلى زعيم سياسي يلقي بيانا شديد اللهجة أدان فيه العنف ضد المتظاهرين، واصفا ما يجري بأنه تعاون بين الإرهاب والعنف الحكومي ضد المتظاهرين العزل، محرضا على الاستمرار في الثورة ضد الإرهاب والفساد لأنها صرخة حق بوجه الظالمين والفاسدين، وقد أطنب ذلك المذيع في استخدام كلمة “نحن” وكأنه هو قائد أو صانع ذلك الحراك الجماهيري.

قد يوافق الكثيرون على مضمون ما يقوله هذا المذيع الذي نصب نفسه خطيبا سياسيا ضد الفساد والمفسدين، ولكن لا المذيع ولا مقدم البرامج مصرح لهما بتقمص دور الخطيب السياسي والداعية لاتخاذ المواقف.

الإعلامي ناقل للمعلومات ومن أهم صفاته القدرة على الاستقلالية وعدم الانسياق العاطفي، إنه مرشد تنويري مسؤول عن رفع مستوى الوعي عند المواطنين وينبغي عليه أن يتجنب السقوط في فخ الإثارة فيخرج عن طوره وينسى مهمته الإعلامية الحرفية.

كاتب عراقي

18