المذيع والمحرض و"الرداح"

الأربعاء 2016/04/20

الفوضى القائمة في الإعلام المصري حاليا نتيجة غياب أي معايير تحكم العملية الإعلامية، دون المصادرة على حرية الإعلام، وبسبب القيود التي تحول بين الأحزاب السياسية والقيام بدورها في الدعاية وعقد الاجتماعات العامة، والقيود المفروضة على النقابات العمالية، تحولت الفضائيات إلى ساحة للحديث السياسي المباشر، والشحن، والتحريض أيضا، سواء لخدمة جهاز ما من أجهزة الدولة، أو لحساب رجال الأعمال الذين يمتلكون الفضائيات الخاصة.

وقد استشرت خلال السنوات الأخيرة ظاهرة الاستعانة بصحافيين للعمل كمذيعين ومقدمي برامج في الفضائيات الخاصة والحكومية.

والفكرة في حد ذاتها جيدة نظريا، لكن المشكلة أن هؤلاء الصحافيين لم يتلقوا التدريب الضروري للظهور على الشاشة ومخاطبة الجمهور، بل إننا شاهدنا الصحافي-المذيع الذي يسعل ويعطس ويبصق أمام المشاهدين، وصاحب الصوت الغليظ الفظ الزاعق الذي ينفر المشاهدين، لكنه يظل مفروضا عليهم فرضا، فهو يقدم المطلوب سواء من صاحب القناة أو من الجهة السرية التي تتولى تشغيله. وربما أيضا أن هذه الفظاظة وسقم الذوق والسوقية التي يظهر عليها بعض مقدمي البرامج، تأتي اعتقادا منهم في مبدأ “الواقعية”، أي التقارب من سوء الذوق السائد في الشارع، والتدهور العام في الظهور والسلوك ولغة الخطاب بشكل عام، وهو ما يرجع أساسا، إلى فساد منظومة التعليم بأكملها.

لقد سادت العامية المصرية الفجة لتصل إلى حد الشتائم والردح والتعريض بالآخرين، كما أن البرامج نفسها لم تعد تخضع لنسق ما، بل تكتفي بظهور المذيع لكي ينطلق أمام الكاميرا في مواجهة المشاهدين مباشرة، ويأخذ في تلقينهم ما يراد منه ومنهم، على غرار ما عرف بـ”إعلام التوجيه العقائدي” خلال العهد الناصري، ولكن بعد أن انتقل الأمر من باب المأساة إلى الهزل!

وبينما تتصاعد “الشكوى الرسمية” من حالة “التسيب الإعلامي”، مع حنين واضح إلى الإعلام الذي كان سائدا في زمن جمال عبدالناصر، أي الإعلام الذي كان يؤيد الرئيس ويقف خلفه، تترك الدولة الإعلام رهينة في قبضة عدد من مقدمي برامج الكلام السياسية التي تمتلئ بالترويج لنظرية المؤامرة المستمرة، منذ فجر التاريخ ضد الدولة والشعب والاستقرار والرئيس، وغير ذلك، فالمقصود هو ترسيخ ثقافة الخوف، وبالتالي تبرير أي تجاوزات تقع.

وبعد أن شاهدنا المذيع المهرج الذي يستمتع بتقمص أدوار الممثلين الكوميديين من النوع المتدني، ويوجه الشتائم للشعب، ويعتقد أنه أحد “أبطال الثورة”، إلى أن سقط بالضرورة بعد أن أصبح يطالب بحقه في اقتسام السلطة، أصبح لدينا المذيع “الرداح” الذي يستخدم لغة “الردح” المعروفة في الحواري، ضد رموز المعارضة، وضد بعض من كانوا محسوبين حتى على النظام، حتى وقت قريب، ومنهم من هو محسوب على ألد أعداء الإخوان المسلمين.

وأصبح لدينا، أيضا، المذيع المخبر، الذي تزوده جهات أمنية يعمل لحسابها، بتسجيلات سرية لمكالمات هاتفية خاصة بشخصيات عامة يبثها بغرض تشويه صورتها أمام الرأي العام دون رادع من قانون، كما رأينا المذيع “الشتام” الذي يستخدم السباب ضد زملائه العاملين في قنوات أخرى منافسة.

ومن جهة أخرى أصبح لدينا أيضا الكثير من “الضيوف” الهزليين الذين تطلق عليهم أوصاف مضحكة، مثل الخبير الأمني والخبير الاستراتيجي والخبير القانوني وغيرهم، دون أن نفهم علاقتهم بالقضاء وأجهزة الأمن المعروفة. والغريب أن معظمهم تخصص في الهجوم على الشخصيات العامة المعارضة، أو تلك التي ارتضت الصمت فضيلة.

هذا السيرك الذي يبدأ كل مساء مع “انفجار” برامج التووك شو، بلغ أدنى مراحله، بعد أن أصبحت هذه البرامج ساحة للتدني على كل المستويات، والترويج للإشاعات التي تضر النظام الحالي أكثر مما تنفعه، كما أصبح مألوفا الهجوم على دول عربية بالاسم، وبطريقة استفزازية، والتعريض برؤساء دول وحكومات، في مجال “الكيد السياسي”، وهو ما لا يصح في العلاقات الدولية وعلى نحو فج، يذكرنا بالعقيد الراحل عندما جعل شعاره “طز في أميركا”، فكانت نهايته المأساوية المعروفة.

ناقد سينمائي مصري مقيم في لندن

16