المذيع وضابط الشرطة

لا يصح أن يتحدّى المذيع ضيفه ويتجه إلى شكل التحقيق معه وإحراجه، فهذا النوع من “مقابلات التحدّي” أو المواجهة يكون فقط مع أصحاب الفكر السياسي.
الأربعاء 2018/04/18
الشهادة على العصر أصبحت مهزلة العصر!

جلست المذيعة التلفزيونية المشهورة أمامي، كانت ترتدي ملابس سوداء وتضع على رأسها قماشا يتدلى من الجانبين على غرار ما ترتديه النساء في إيران.

توجد أمامها على الطاولة مجموعة من كتبي التي لم تقرأها، أمسكت ورقة بيضاء، ثم أغمضت عينيها لبرهة قبل أن تفتحها وتخط بيدها عبارة على الورقة التي أمامها.

عادت تغمض عينيها صامتة تماما، ثم فتحت عينيها وعادت تكتب كلمة أو كلمتين، وأخيرا أشارت بيدها لكي يبدأ تسجيل الحلقة التي كانت مخصصة للحوار معي حول السينما والنقد وكتبي.. وأشياء أخرى.

بدأ التصوير، رمقتني المذيعة العبقرية بنظرة طويلة ثم تنهدّت وقالت في نغمة استهتار واضحة “كيف تكون ناقدا سينمائيا في عالم عربي ليس فيه سينما؟”.

انفجرت القنبلة، انتهى الأمر. قدّرت أن البرنامج قد انتهى قبل أن يبدأ، لكنني أخذت رغم ذلك أفنّد ما قالته، وأشرح لها أنه توجد صناعة سينما في مصر، وأن هناك أفلاما كثيرة تنتج في العالم العربي، وأن المسألة لا تنحصر فقط في الفيلم الروائي، فبعد التوسع في عالم الميديا الجديدة والفيديو والكاميرا الرقمية، ظهرت الكثير من التجارب، وأن هناك أيضا الأفلام الوثائقية التي تنتج بشكل مستقل.

لم يجد كلامي صدى لدى المذيعة التي أشعرتني بأنها تستلهم أفكارها من خيالها الخاص، فواصلت التحدّي والاستهجان، خاصة بما ذكرته عن السينما المصرية، ثم قالت بمنتهى الجرأة “ولكن السينما في مصر قد انتهت ولم يعد لها وجود اليوم!”.

استمر السجال المرهق، ووجدت صوتي للمرة الأولى في برنامج تلفزيوني، يعلو لكي يلاحق تلك العبقرية الفريدة الجالسة أمامي، أحاول إعادتها إلى صوابها، ولكن دون جدوى، فقد استمر الصراخ والصياح والاستهجان والتحدي.

وبعد انتهاء التسجيل، وفي طريقي إلى منزلي، أخذت أستعيد ما حدث، فأرسلت رسالة إلى منتج البرنامج أقول له إنني لا أرى في ما حدث شيئا يستحق البث، ورجوته عدم بث الحلقة.

وافقني منتج البرنامج على الفور، وأوضح أنه لم يكن سعيدا بالتسجيل، كما استغرب كثيرا سلوك المذيعة، ووعدني بعدم بث الحلقة وهو ما حدث بالفعل.

أسوق هذا المثال فقط للتدليل على الهوس الإعلامي الذي أصاب الكثير من مقدّمي البرامج الحوارية الذين يجرون مقابلات مع الضيوف، فقد طغت فكرة تحدي الضيف واستفزازه على غيرها، في حين أن هناك أنواعا مختلفة من المقابلات يتعلمّها طلاب الإعلام في المعاهد المتقدمة، فهناك المقابلة المعلوماتية التي يجريها المذيع مع ضيف يكون خبيرا في مجاله، وفي هذه الحالة يجب أن يوجّه له أسئلة تدفعه إلى تقديم ما لديه من معلومات وخبرة في مجاله لفائدة المشاهدين.

ولا يصح أن يتحدّى المذيع ضيفه ويتجه إلى شكل التحقيق معه وإحراجه، فهذا النوع من “مقابلات التحدّي” أو المواجهة يكون فقط مع أصحاب الفكر السياسي مثل زعماء الأحزاب أو المسؤولين السياسيين الذين يديرون السياسات في البلاد، وليس من الممكن مثلا، أن تستضيف عالما في الاقتصاد لتحليل الموقف الاقتصادي، ثم تقاطعه وتتحدّاه وتفنّد ما يقوله، فلماذا أتيت به أصلا إذا كنت تعرف -حضرتك- كل شيء؟!

هذه الظاهرة بدأت في الانتشار كالوباء، منذ أن بدأ مذيع في قناة “الجزيرة”، كان قد أتى مصادفة إلى العمل التلفزيوني، ينتهج أسلوب التحقيق البوليسي مع ضيوفه، فهو يتحفّز لهم ويقاطعهم ثم ينظر في أوراق أمامه، ويتطلع إلى وجه الضيف صامتا، ثم يلقي عليه سؤاله متعمّدا أن يكون صوته صارما وهو يسأله (مثلا) “في يوم كذا من عام كذا في الساعة كذا.. كنت موجودا في اجتماع خرجت منه لكي تشتري علبة سجائر ثم وقع انفجار أدّى إلى مصرع فلان قائد ميليشيا كذا.. ألم تكن أنت المسؤول عن تدبير هذا الانفجار؟”.

وهكذا أصبح المذيع ضابط شرطة، وتحوّل الضيف إلى متهم، وأصبحت الشهادة على العصر، مهزلة العصر!

16