المرآة السوداء: التكنولوجيا حققت أسوأ الكوابيس

كل شيء مثالي، وكأننا نشاهد إعلانات لكبرى الشركات التقنية مثل مايكروسوفت أو آبل، غير أن الأمر يبدو مختلفا فهو يتعلق بمسلسل بلاك ميرور black mirror، الذي يتنبأ بما ستؤول إليه حياتنا في المستقبل القريب بعد سيطرة التكنولوجيا على مساراتها، حتى أن بعض نبوءاته تحققت فعلا. المسلسل هو ناقوس الخطر، ونحن على أعتاب اكتشاف تكنولوجيا ربما يرى البعض قدرتها على تحقيق العالم المثالي، ويرى آخرون أنها تكتب نهاية العلاقات البشرية.
السبت 2017/02/04
مرآة الواقع

في مقابلة صحافية شهيرة، قال الفيلسوف الإيطالي أمبرتو إيكو، قبل موته بأيام، إن مواقع التواصل الاجتماعي تمنح حق الكلام لجيوش من الحمقى، فقد كانوا في الماضي يتكلمون داخل البارات فقط وهم سكارى دون أن يتسببوا بأي ضرر للمجتمع، وكان يتم إسكاتهم فوراً، أما الآن فأصبح لهم الحق بالكلام مثلهم مثل مَن يحمل جائزة نوبل، ويضيف في حسرة “إنه غزو الحمقى”.

بالرغم من أنه قد توفي عن عمر يناهز أربعة وثمانين عاما فقد عاصر إيكو ثورة تكنولوجيا المعلومات، وعاشها في آخر سنوات عمره مراقبا وناقدا ومندهشا! لم يتخيل الفيلسوف أن “غزو الحمقى” سيفيض وسيكون المقياس في المستقبل القريب.

كانت تلك بالضبط صدمة الحلقة الأولى من الموسم الثالث لمسلسل “بلاك ميرور” الذي يعني المرآة السوداء، بعد أن اشترته شركة “نيتفليكس” ليتحول من مسلسل بريطاني إلى مسلسل من إنتاج شركة “نيتفليكس” نفسها، ليعود المسلسل بقوة مع تلك الحلقة بتسليطه الضوء على تأثير مواقع التواصل الاجتماعي على حياة البشر.

تصف “نيتفلكيس” مسلسل “بلاك ميرور” بأنه “حلقات تغوص في شعورنا بعدم الراحة في العالم المعاصر”.

في واقعنا الآن يفوز الأكثر نفوذًا، والأكثر مالًا وسلطة برفاهيات الحياة، أما في حالة “بلاك ميرور” فيحصل صاحب التقييم الأعلى -على الشبكات الاجتماعية طبعا- على هذه الرفاهيات؛ على أساس تقييمه يتم التعامل معه، فيكون صاحب تقييم 4 نجوم فما فوق هو الأفضل مجتمعيًا، وصاحب الـ3 نجوم فما أقل، هو الأدنى مرتبة، ويوصف من هم أقل مرتبة بالانطوائيين. في هذه الحلقة الأولى من الموسم الثالث تعد “لايسي” لزواجها، فهي تتملق لـ”صديقة” لا تحبها لأجل حضور الزفاف كون تقييمها 4.8 نجوم.

حضور هذه الفتاة يعني أن بقية الحاضرين سيكونون أيضا من أصحاب التقييمات العالية وبذلك سيرتفع تقييم ‘لايسي” التي ستحصل على منزل أحلامها وسفرة رائعة، إلا أن ”لايسي” في النهاية تعاني من صعوبات في رحلتها للزفاف، ما جعلها تفقد صوابها وتعبر عن غضبها دون نفاق، ليمنحها الجميع تقييمات سالبة، أدت إلى سحب نجومها ومن ثمة سجنها.

وكان شارلي بروكر، كاتب وصانع المسلسل، كلّف مجموعة من الباحثين ليتنبأوا بالتكنولوجيا التي سوف تتوافر في المستقبل البعيد، بناء على ما حققه العلم اليوم، ولذلك فإن كل الابتكارات في المسلسل هي ابتكارات تفصلنا عنها خطوات قليلة.

أمبرتو إيكو: مواقع التواصل الاجتماعي تمنح حق الكلام لجيوش من الحمقى يتكلمون الآن مثل من يحمل جائزة نوبل

يذكر أنه في الحلقة الثالثة والأخيرة في الموسم الثاني عرضت حلقة اسمها “لحظة والدو”. والدو هذا دبّ كرتوني يمثل شخصيته جيمي سلاتر الكوميدي الذي اعتاد السخرية من السياسيين في البرامج المسائية والاستهزاء بهم، طبعاً في بريطانيا المُستقبلية صارت الشخصيات الكرتونية تتحرّك مُباشرة من طرف مُستخدميها كما لو أنّها آلات لذلك يسهل استخدامها لمُخاطبة البشر على الهواء. يجد جيمي هدفاً جديداً ليجعله موضوع سخريته هذه المرة وهو مُرشّح واعد، وبعد ليلة من تبادل الحديث والشتائم بين المُرشّح ووالدو يحصد هذا الأخير شُهرةً هائلة.

بعد الحلقة في جلسة من جلسات العصف الذهني بخصوص البرنامج تُقترح فكرة أن يُشارك والدو في الانتخابات كمُرشح ضد ليام مونرو، هذا الأمر عارضه سلالتر وبرر موقفه بأنه لا يريد أن يكون جزءًا من السياسة، ولكن هذا لم يمنع المنتج من فعل ما يريده، وفعلًا قام بإشراك والدو كمُرشح في الانتخابات، وتقوم حملة والدو، أساسًا، على إهانة المرشح الآخر وسبّه.

في هذه الحلقة استطاعت الشخصية الكرتونية الاستهزاء بصانعي القرار من الساسة ومرشحي الانتخابات، بل تستطيع تغيير الرأي العام حتى بدأ الناس يصوتون للشخصية الكرتونية نفسها! ما جعل البعض يغرد على تويتر مسترجعا شخصية والدو “لماذا يبدو الرئيس الأميركي دونالد ترامب وكأنه حلقة من حلقات مسلسل المرآة السوداء”.

الغريب أنه عند عرض الحلقة لم يكن ترامب قد أعلن ترشحه للانتخابات الرئاسية بعد، لعلّه بدأ يفكر في الأمر.

“المخيف” أن المسلسل تنبأ باختراعات علمية باتت حقيقة على غرار تركيب شريحة ذاكرة إلكترونية في الدماغ، وهو الاختراع الذي ظهر في الحلقة الثالثة من الموسم الأول، ثم أعاد الكاتب استخدامه في حلقات أخرى، وهو بطاقة ذاكرة يمكن توصيلها بالمخ، لتقوم بتخزين الذكريات وإعادة عرضها وما إلى ذلك، والواقع أن العلماء قاموا بالفعل بتثبيت بطاقة ذاكرة في مخ بعض فئران التجارب بنجاح.

في حلقات أخرى استخدم الكاتب شارلي بروكر تقنية استدعاء وعرض الصور من المخ. تحسس الزوج قطعة إلكترونية وراء أذنه ليرجع إلى تسجيل تلك اللحظة التي دخل بها إلى حفل عشاء في منزل صديقه بعد عودته من السفر. يبحث الزوج الشكّاك عن أي دليل في شريط ذاكرته المسجلة على شريحة عقله، ليؤكد ظنونه بخيانة زوجته، فيقف على مقطع دخوله إلى المنزل ويتفحص تفاصيل مشهد وقفة زوجته ولغتها الجسدية مع ذلك الرجل قبل أن تتنبه إلى وجوده في قاعة الطعام.

هكذا يستشرف بلاك ميرور المستقبل. يتنبأ المسلسل البريطاني بأثر التكنولوجيا وتقنيات الاتصال والتوثيق الرقمي على علاقاتنا الإنسانية وانطباعاتنا عن الحقيقة ومفاهيم العقاب والثواب وسلطة الفرد والدولة.

في حلقة أخرى، كما باقي حلقات بلاك ميرور، نتعرف على تطبيق تكنولوجي رائع سيساعد البشرية بلا شك، وذلك باستدعاء الموتى لإكمال الحياة بعد الموت!

وفي إحدى حلقات الموسم الثاني، مثلاً، تصبح العيون البشرية أشبه بكاميرات تسجل كل شيء وتخزنه في شرائح إلكترونية، مع خيارات تذكر كل شيء ثم الإضافة إلى ذلك لخلق واقع جديد كقراءة شفاه الغرباء الذين يمر بهم المرء خلال سيره في الطريق لمعرفة ما يتحدثون عنه في تلك اللحظة.

الحقيقة أن هذا الخيال خطا خطوة في عالمنا الواعي إذ قامت شركة سوني خلال العام الماضي بتطوير عدسة مجهرية، تُركب فوق عدسة العين، تستطيع تسجيل الفيديو والتقاط الصور بدقة عالية وإعادة تشغيلها عند الحاجة.

قامت إدارة أحد المنتزهات العامة، في إحدى الحلقات أيضا، بالتلاعب بذاكرة أحد المجرمين، وتكررت الفكرة مرة أخرى في الموسم الثالث، حيث أُنتجت عدة حلقات مبنية على نفس الفكرة، والواقع أن التلاعب بالذاكرة توصلت إليه البشرية بنجاح منذ عدة سنوات، ففي عام 2014 قام علماء بزراعة ذكريات كاذبة في دماغ بعض فئران المعامل، وفي عام 2015 قام العلماء بتطوير تقنية تساعد في التلاعب بالذاكرة وحذف الذكريات غير المرغوب فيها من المخ. وهذا الشهر قال علماء يابانيون إنهم توصلوا إلى طريقة للفصل بين الذكريات المرتبطة ببعضها البعض في المخ. وتتوالى الحلقات لتصدم الجمهور أكثر فأكثر بأن المستقبل يبدو شديد السواد؛ إذ تكمن قوة العمل الخيالي في طريقة سرده لقصصه المستقبلية ولكنها في نفس الوقت ستجعلك تشعر وكأنها قابلة للحدوث لأي شخص منا الآن إذا سيطرت التكنولوجيا على عالمنا.

ما ينبهنا إليه المسلسل هو أننا ينبغي أن نناضل من أجل عالم إنساني بغض النظر عمّا ستوفره التكنولوجيا.

18