المرآة لا تعكس بالضرورة صورنا المتطابقة

الخميس 2016/11/17
قصص تقتات على أطراف المدينة أو أمكنتها التى تلائم العابرين

القاهرة - تروي المجموعة القصصية "السهو والخطأ" للكاتب والقاص المصري حسن عبدالموجود أفكارا ربما تجد في بعضها جنونا وفي بعضها الآخر عبقرية، ولكن الأكيد أنها لا تخلو من صراع تزاحمه مشاعر لا ندري خيرها من شرها، تطل عبر حكايات لا نبصر إن كانت خيالا ظنناه حقيقة خطأً أم حقيقة رأيناها خيالا سهوا.

ويبرع المؤلف في تشييد عالم سردي اختُبرت عناصره بأشد الطرائق الفنية رهافة ووحدة. إذ يأتي النص تلو الآخر، حيث ينهض الفرد وحيدا وأعزل على أنقاض صورة ثقيلة يتركها الوجود على حائطه.

وهي صورة زائفة في الغالب لا سبيل لمقاومتها سوى بصورتها الضد، حيث عالم افتراضي يدفع به الفرد مدعوما بالسلاح الوحيد الذي يلائم الأعزل: السخرية التي تطفو بثقل الواقع نحو خفة حلم اليقظة، وبهذه الطريقة فقط يمكن للطرافة أن تصير وجها فنيا للكابوس، وهو ما تجسده النصوص الـ15 التي ينتظمها “السهو والخطأ”.

وتقتات قصص المجموعة، الصادرة عن دار الكتب خان للنشر والتوزيع، على أطراف المدينة أو أمكنتها التي تلائم العابرين، من ضواح بعيدة وأماكن عمل ضيقة مقبضة إضافة إلى الشقق المتاحة للغرباء والبارات المنسية، وهي أمكنة أثيرة هنا، حيث العزلة أكيدة ولا يوجد فرق كبير بين البيت والشارع أو الغرفة والمقبرة.

فثمة دائما بطل ترك بطولته في مكان ما، ولم يعد يملك سوى التأكد من أنه لا يزال موجودا، بتمرين يائس على رفع اليد أو محاولة عبثية لتمييز زوجته بين أختين متطابقتين أو حتى بمجرد التأكد من أن جاره شخص حقيقي.

وفي جميع الأحوال ستطل الغرابة برأسها من أشد اللحظات عمومية: هكذا يتقاطع وقوع كلب من شرفة منزلية مع سقوط سرب من السيارات على المارة من فوق “كوبري السيدة”، مثلما يرجّع احتضار شجرة.. صدى صرخة قطيع غربان.

وتوضح الناشرة كرم يوسف على غلاف الكتاب، أن صاحب “ساق وحيدة” يبرع مجددا في استخدام شديد الخصوصية للغة، حيث تجيد اللغة التواصلية، وقد نُزعت عنها تعقيدات البلاغة الفائضة، اختراق السطوح الظاهرية للمشاهد، لتحول فعل السرد إلى فعل استبطان مدعوم بطاقة إيحائية توظف اللغة السردية أقصى إمكاناتها، كاشفة في الأخير عن تعقيد الذات الإنسانية وهي تواجه ضجيج العالم بأعمق طرق المقاومة: تحويل الوجود إلى مشهد لا وجود له إلا في مخيلة صاحبه، وحيث صورنا في المرآة ليست متطابقة تماما.

وفي المجموعة تقرأ قصصا مجانبة للحقيقة والمنطق، تجد فيها كلبا يدخن ويقف على الأرض ويدفع بلسانه في الهواء جامعا ما يستطيع من الدخان دافعا إياه إلى جوفه، بل ويغلق عينيه كأنه يحبس الأنفاس، حتى صار الأمر طقسا عاديّا بمرور الوقت وأصبح يمشط الهواء بلسانه محاولا ألا يفلت منه أي خيط دخان!

14