المرأة أكثر قدرة على التأقلم ولكن "للصبر حدود يا حبيبي"

معاناة المرأة من التفرقة وعدم التكافؤ في الفرص وهو ما دفع بها إلى الانخراط في حركات احتجاجية ذات صبغة مطلبية عرفت بـ"النسوية".
الأحد 2020/04/12
ربة المنزل وحدها تعرف قيمة الحياة دون حجر صحي

“لا أحد يستطيع إفساد مزاجك ما دمت مكتئبا طوال الوقت”.. هذه المقولة التي أطلقها فيلسوف التشاؤمية آرثر شوبنهاور، تنطبق على كل الفئات المستضعفة في المجتمع، قبل الأزمات العامة، أثناءها وبعدها، ذلك أنها لن تخسر شيئا، بل وربما تساوت حظوظها -أو تفوقت- مع من كانوا في مواقع الامتياز عندما تدور الدوائر على أصحاب السطوة والنفوذ.

وضعية المرأة في العالم العربي مثلا، ليست مثالية -إن لم نقل إنها هشة وفي موقع الاستضعاف والاستغلال- لكننا نشاهدها أثناء هذه الجائحة التي أجبرت الجميع على ملازمة البيوت، تقبل بالأمر الواقع وتبذل الجهد المضاعف في سبيل حماية الأطفال وتربيتهم، وتدبر شؤون المعيشة، بالإضافة إلى المساهمة في مبادرات تطوعية نشهدها في بلاد عربية كثيرة، مثل صناعة الكمامات الواقية من هذا الفايروس الذي يعربد في المدن ويفتك بالعباد.

المرأة الزوجة، ورغم ارتباطها بـ”النكديّة” في قاموس النكت والطرائف الشعبية أي إنها ميالة بطبعها، إلى التذمّر والتشكّي والتقريع لأتفه الأسباب، إلّا أن غالبية الدراسات السلوكية والأبحاث الاجتماعية، أثبتت أنها أكثر قدرة على التأقلم من الرجل في الظروف الصعبة والاستثنائية.

لزم الرجل الآن قوقعته مكرها، نفخ كل همومه وإحساسه بالعجز والضيق، على مواقع التواصل الاجتماعي ثم انبرى إلى مشاركة الزوجة بعض أعمالها المنزلية المعتادة، ووقف عند الحجم الحقيقي لأتعابها اليومية وهي تنظر إليه صامتة ولسان حالها يقول: هل قدّرت الآن أسباب ضيقي و”نكدي” في بعض الأحيان.. جرّب القليل مما كنت أعانيه حين كنت أنت “حرا طليقا”، ولا تبالي بما تضيق به هذه الجدران.

وحدها ربة المنزل اليوم، تعرف قيمة الحياة دون حجر صحي، لأنه لا يعرف قيمة الواحات إلا من خبر الصحارى، وذلك انسجاما مع ما قاله الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه “أنا أعرف الحياة معرفة جيّدة لأنّي كنت على وشك فقدانها”.

العلم، وكذلك الدراسات الأنثروبولوجية، يربط كلّ منهما قوة تحمّل المرأة باستعدادات بيولوجية تتعلق بأوجاع الحمل والولادة والرعاية والرضاعة، إلى جانب مورثات كانت قد اكتسبتها منذ العصر الماتريركي الأول أي المجتمع الأمومي الذي كان سائدا وتتولى فيه المرأة قيادة الأسرة وتأمين غذائها واستمراريتها في الوقت الذي كان ينعم فيه الرجل بنوع من الراحة وهو يقوم بأدوار ثانوية، وحتى هامشية.

يبدو أن هذا الجنوح إلى الراحة والكسل قد استمر لدى الرجل حتى في العصور اللاحقة التي استلم فيها دفة القيادة ضمن المجتمع البطريركي، وصارت مهمته تقتصر على تأمين لقمة العيش، يضعها بين يدي الزوجة لتتولى طبخها وتوزيعها وتقسيطها على أيام في الأوقات الصعبة، فكأنما هي بمثابة “حكومة تصريف أعمال” عند الأزمات، وفي فترات العجز عن إيجاد موارد خارجية أو اتخاذ قرارات مصيرية.

واستمرت المرأة في لعب دور يثقل الكاهل حتى في مرحلة خروجها إلى سوق العمل، ومساواتها الظاهرية مع الرجل، إلّا أن الحقيقة عكس ذلك، فهي قد خرجت “من تحت الدلف إلى تحت المزراب” كما يقول المثل العامي.

أصبحت مهمة المرأة مزدوجة ومتضاعفة، بالإضافة إلى معاناتها من التفرقة وعدم التكافؤ في الفرص، وهو ما دفع بها إلى الانخراط في حركات احتجاجية ذات صبغة مطلبية عُرفت بـ”النسوية”.

تحقق للمرأة الكثير مما تصبو إليه في العصر الحديث، لكن يبدو أنها قد وقعت في فخّ أشد وأمر دهاء، إذ تسنى لها ما تطمح إليه من مساواة، ولكن في شطط العيش والفقر والتهميش والعنصرية.

هل عمل الرجل إلى التخفيف من العبء حين نادى متحمسا بالمساواة، وألف في ذلك الكتب وصاغ البيانات الانتخابية.. ألم نلحظ أن غالبية المنادين بتحرر المرأة في بدايات القرن الماضي هم من الرجال (قاسم أمين في مصر والطاهر الحداد في تونس)؟

هل أن هذه النزعة الأنثوية التي تجتاح العالم الآن في التمثيل البرلماني والحكم السياسي، والإدارة الاقتصادية والاجتماعية، ما هي إلا محاولة “توريط” المرأة في ما فشل فيه الرجل، وتشريكها في الخسارة قبل الربح؟

المرأة بدورها، “أكلت الطعم ووقعت في المصيدة” لمّا تحمست لمساواتها مع الرجل “أكثر من اللازم” فراحت تقبل على أي مبادرة تجعلها في منصب قيادي، ونسيت أن بعض التكليف توريط أكثر منه تفضيل وتشريف.

بعض الحكومات العربية التي تجرب السير في الطريق الديمقراطية بخطى مرتبكة، منحت بعض النساء الفاقدات للأهلية والكفاءة، مسؤوليات قيادية في مواقع القرار، فكانت النتائج مخيبة للآمال، وتحولت هؤلاء السيدات إلى محطات انتقاد وسخرية وتنمر على مواقع التواصل الاجتماعي.ال

Thumbnail

عالم قد يتفاعل إيجابيا مع نائبة في البرلمان ترضع طفلها وتشارك بحماس في النقاشات والمداولات، لكنه لن يتسامح مع زميلة لها وهي تسترق بعض اللحظات لوضع الحمرة على شفتيها، ذلك أن المشهد الأول -في نظر المراقبين الذكوريين- إنساني يدعو إلى التقدير، أمّا الثاني فمائع تبرجي يثير الاشمئزاز والاستخفاف.

مسؤولة حكومية متواضعة الجمال والهندام، في عالمنا العربي -ومهما علا شأنها ونجح برنامجها الانتخابي- هي مثار سخرية وتندر من جمهور الذكور والإناث على مواقع التواصل الاجتماعي، في حين أن مسؤولة حكومية تنعم بنصيب وافر من حسن الإطلالة والأناقة، قد تربك المشهد وتختلف حولها التعليقات بين ذكر معجب يكون آخر اهتمامه هو برنامجها الحكومي، وأنثى تغار من بنات جنسها مهما كانت نجاحاتهن رغم أنها تنتصر لهن، سرا وعلانية، لتبوّء مراكز قيادية.

وضعية المرأة بوجه عام، وسط هذا الحجر الصحي الذي تتفرغ فيه النساء والرجال لمراقبة الأحداث وتُفتح فيه الشهية للتعليقات التي تبلغ حد الثرثرة، تبدو ضبابية وموغلة في التناقض والتباين، فهذه زوجة قد “أحبت زوجها من جديد” حين اكتشفت مواهبه في الطبخ ورعاية الأطفال بعيدا عن “رفقة السوء” في المقاهي، وتلك أخرى قد ضاقت بزوجها ذرعا حين رأته يحشر أنفه في كل شيء مثل متقاعد نزق وملول.

الوئام الذي ظهر في حالات كثيرة بين الأزواج في فترة الحجر الصحي، عكرته خلافات أكثر وأشد مأساوية مثلما تدل الأرقام والإحصائيات. نقرأ يوميا، وفي مختلف الصحف بالبلاد العربية والإسلامية، على وجه الخصوص، عن حوادث فظيعة بسبب هذا التقارب الإلزامي بين الأزواج وكأن الأمر يذكّر بالجرائم التي يرتكبها المجرمون في ما بينهم داخل السجون المكتظة، فهذه ربة منزل لجأت إلى محكمة الأسرة بمصر، لرفع دعوى خلع ضد زوجها بعدما طردها هي وأطفالها من شقة الزوجية ليلا في أول أيام الحظر، وذاك مدير دائرة الاستشارات النفسية في منظمة الرعاية الاجتماعية بإيران التي تتنازعها الأزمات السياسية والاقتصادية، يعترف أن الخلافات الزوجية داخل المجتمع الإيراني تضاعفت 3 مرات جراء الحجر الناجم عن انتشار فايروس كورونا في البلاد.

ولعل بسبب شدة الفراغ الناتج عن حالات الحظر، فإن وسائل التواصل الاجتماعي تضطلع بدورها في معالجة هذا الفراغ، حيث لجأت إلى إقامة منصات تسدي النصائح للأزواج قصد تجنب الفراغ الناتج عن حالات الحظر الصحي.. وهو أمر فيه نوع من العبثية والسوريالية أي كيف يدفع الفراغ أصحابه إلى إيجاد حل لمقاومة الفراغ نفسه.

لا شك أن كورونا قد قلب الطاولة من أمام أصحاب القناعات الراسخة، وأظهر أن لا قناعة تثبت أمام الهزات الكبرى، ما يثبت أن لا شيء ثابتا.. حتى مفهوم الثبات نفسه.

ويبقى الواجب الأخلاقي هو الداعم والضامن لاستمرار الجنس البشري عبر مؤسسة العائلة المبنية على الشراكة أي ذلك العقد الخفي المبرم بين الطرفين وهو التنازل قليلا، مقابل الاستمرار كثيرا. وكما قال الكاتب الوجودي ألبير كامو، الذي جعل من الوباء في رواية “الطاعون” فرصة للقول “إنّ المهمّ هو أن يضطلع كلّ شخص بواجبه، حينها سيندحر الوباء”.

20