المرأة الأفغانية: أكبر الخاسرات وأول المقاومات لحركة طالبان

الأفغانيات يقاومن كي لا يعدن إلى جحيم طالبان قبل عشرين عاما.
الأحد 2021/09/19
النضال هو الحل لحماية الحقوق

بدأت حركة طالبان التي استعادت السيطرة على أفغانستان بعد نحو عشرين عاما، جهودها لـ”أسلمة” المجتمع وفق أيديولوجيتها الدينية المتشددة، مكرّرة أغلب القيود المشددة التي فرضتها في عهد حكمها الأول على الأفغان وفي مقدمتهم المرأة التي تعدّ أكبر الخاسرين في ظلّ حكم طالبان لكنّها أول المقاومين له.

كابول - قررت حركة طالبان تحويل مقر وزارة شؤون المرأة إلى وزارة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” في خطوة إضافية تندرج ضمن سلسلة الانتهاكات لحقوق المرأة الأفغانية وحرمانها من أبسط حقوقها ومكتسباتها السياسية والاجتماعية التي افتكتها خلال العقدين الماضيين.

ويحذّر مراقبون للشأن الأفغاني من أن هذه الخطوة قد تنذر بعودة “شرطة الأخلاق” التي عادة ما تركز في عملها على تطبيق قوانين طالبان المجحفة بحقّ النساء.

ويعيد إحياء الوزارة إلى الأذهان ما كانت تقوم به “شرطة الأخلاق” إبان حكم طالبان بين 1996 و2001، وهو تطبيق “التفسير المتشدد للشريعة الإسلامية”، مع قيود صارمة على النساء والإجبار على الصلاة، وحتى “حظر الطائرات الورقية والشطرنج” وممارسة الرياضة وغيرها.وكانت الحركة قد أضافت إلى حكومتها المؤقتة التي أعلنتها الأسبوع الماضي، وزارة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، التي كان الأفغان يخشون من إعادة تشكيلها، بسبب ارتباطها بانتهاكات تعسفية، وفقا لمنظمات حقوقية.

ضحية التشدّد

حبيبة سرابي: المرأة الأفغانية ستقاوم للحفاظ على حقوقها وحرياتها

حاول المتحدثون باسم طالبان منذ استعادتهم السيطرة على أفغانستان الشهر الماضي، طمأنة النساء والمجتمع الدولي بأن الأمور ستكون مختلفة هذه المرة، وصرّحوا لوسائل الإعلام بأن المرأة ستتمكن من الدراسة والعمل، وحتى تولّي مناصب حكومية.

لكن الحركة سرعان ما فرضت قيودا مشددة على النساء تمنعهن من الدراسة المختلطة ومن الخروج دون ارتداء الزي الإسلامي (الحجاب)، بالإضافة إلى إعلان عزمها عن مراقبة المناهج التعليمية ومنع النساء من ممارسة الرياضة بعد أن كانت منعتهن من الغناء في التجمعات العامة في وقت سابق من هذا العام.

وعموما، لا تناقش حقوق المرأة الأفغانية لدى حركة طالبان إلا بمقتضى دائرة الشرع الإسلامي، حيث تعتبر أن حقوقها تقتصر على تلك التي أقرها لها الشرع الإسلامي، سواء تجاه عملها أو تعليمها أو خروجها من بيتها أو سفرها.

وتصنّف حركة طالبان جسد المرأة على أنه عورة وجب سترها، لذلك تم إجبار الإناث على تعلم القرآن فقط، ما حتّم على بعضهن تلقي تعليم في مدارس غير خفية عن أعين طالبان، حيث جازفن ومعلماتهن بالحكم بالإعدام إذا تم كشفهن من قبل الحركة.

ولم يكن مسموحا للنساء في عهد طالبان الأول، أن تتم معالجتهن من قبل أطباء ذكور، ما لم يكن لديهن مرافق ذكر (محرم)، ما تسبب في عدم تلقي الكثيرات العلاج. كما واجهن الجلد بالسياط علنا والإعدام العلني في حالة مخالفة قوانين طالبان.

وسمحت طالبان قبل عشرين سنة بزواج الفتيات القاصرات تحت سن 16 سنة، ووفق منظمة العفو الدولية فإن 80 في المئة من الزيجات في أفغانستان كانت تتم قصرا.

وزارة المرأة بعد أن أصبحت وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وزارة المرأة بعد أن أصبحت وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 

وتعرضت النساء اللواتي خالفن تعاليم طالبان خلال فترة حكمها الأول إلى ممارسات مهينة وغير إنسانية من بينها الجلد والتعنيف على أيدي أعوان الشرطة الدينية، بما في ذلك تعرّض النساء اللائي اتهمن بالزنا إلى عقوبة الرجم.

ويبدو أن المرأة الأفغانية تسير خلال العهد الثاني لحكم طالبان نحو حرمانها من عدد كبير من حقوقها، حيث تتخوف المنظمات الدولية الحقوقية من عودة الحقبة المظلمة من عهد طالبان الأول، حين حكمت البلاد بين عامي 1996 و2001.

وتتخوف أعداد كبيرة من النساء الأفغانيات على مستقبلهن خاصة اللواتي اقتحمن خلال العقدين الأخيرين الحياة العامة ويعملن في قطاعات مهنية دقيقة كالإعلام والخدمات الطبية والتدريس، وفي الإدارات الحكومية العامة، علاوة على مزاولة أعداد منهن لأعمال خاصة متنوعة.

وإلى حد الآن، فإن طالبان لن تسمح بالاختلاط في العمل، لكن مسؤولي الحركة أعربوا في تصريحات سابقة عن نيتهم السماح للنساء بالعمل، وقال أحد زعماء الحركة في وقت سابق من هذا الأسبوع إنه لن يُسمح للنساء بالعمل في الوزارات مع الرجال.

وكان عدد الأفغانيات العاملات قد ارتفع في عام 2019 إلى 22 في المئة مقارنة بعام 2001، وكانت النسبة حينها 15 في المئة.

ووفقا لتقارير حقوقية، فإنه وبالمقارنة بسنوات حكم طالبان، لم تُسجل أي فتاة في أفغانستان بالمدرسة الثانوية عام 1999 وكان حينها عدد الفتيات في المدارس الابتدائية لا يتعدى 9000 تلميذة، في حين بلغ في عام 2003 عدد الملتحقات بالمدارس الابتدائية 2.4 مليون تلميذة، وارتفع لاحقا إلى 3.5 مليون تلميذة، بينما تتخوف الأسر الأفغانية الآن من إرسال بناتها للدراسة في الجامعات ما بالك بتسجيلهن بالمدارس الثانوية.

لا للعودة إلى الوراء

Thumbnail

لم تقف أغلب الأفغانيات مكتوفات الأيدي أمام ما تمارسه حركة طالبان من إجراءات تدريجية تحدّ من حريتهن، بل دفعهن الخوف على مكتسباتهن إلى الاحتجاج سواء عبر النزول إلى الشارع وتحدي سلطات الحركة أو اعتماد تقنيات حديثة للتعبير عن الرأي من شأنها إيصال أصواتهن لأكبر عدد من الناس في حال تعمّدت طالبان التعتيم على تحركاتهن.

وشهدت العاصمة الأفغانية كابول خلال الأسبوعين الماضيين عدة مسيرات نسائية للمطالبة بالحفاظ على مكتسبات المرأة الأفغانية وحقها في العمل والتعليم، ورفضا لقرارات طالبان التي تمنع النساء من العمل.

وفي خطوة مفاجئة لعناصر حركة طالبان الذين لم يعتادوا على تحدي المرأة الأفغانية لهم في سنوات حكمهم السابقة، احتجت العشرات من النساء في كابول وإقليم بدخشان شمال شرقي أفغانستان على تشكيل حكومة طالبان المؤقتة المكونة من الرجال فقط لحكم أفغانستان. وقالت المتظاهرات إنهن لن يقبلن بحكومة من دون وزيرات.

وبحسب تقارير حقوقية، تعرضت بعض النساء للضرب قبل تفريق الاحتجاجات التي اعتبرتها الحركة الإسلامية المتشدّدة غير قانونية.

حقوق المرأة الأفغانية لدى حركة طالبان لا تناقش إلا بمقتضى ما تسمح به دائرة الشرع الإسلامي من حقوق للنساء

ووظفت الأفغانيات وسائل التواصل الاجتماعي لشحذ الدعم الدولي للحفاظ على حريتهن في اللباس وتسليط الضوء على حقوقهن التي تخنقها الحركة يوما تلو الآخر، حيث انخرطت العشرات من الأفغانيات في مناطق عديدة عبر العالم في حملة “لا تلمس ملابسي” التي أطلقتها بهار جلالي أستاذة التاريخ السابقة في الجامعة الأميركية في أفغانستان، احتجاجا على فرض طالبان للحجاب الإلزامي على النساء.

ورغم كل هذه التحركات رأت حبيبة سرابي أن أفغانستان لم تعد آمنة ولا تصلح للعيش سواء للنساء أو حتى الرجال.

وعبّرت سرابي وهي حاكمة إقليم باميان السابقة، وهي من بين النساء الأربع اللواتي مثلن الحكومة الأفغانية خلال المفاوضات مع طالبان في الدوحة، كما أنها أول امرأة في تاريخ أفغانستان تولت حكم ولاية باميان الأفغاني، وتقيم حاليا خارج أفغانستان، عن فخرها لجرأة الأفغانيات وشجاعتهن على مقاومة طالبان.

وتفيد منظمة الأمم المتحدة بأن عدد الأفغان الذين فروا من أفغانستان منذ مايو يٌقدّر بحوالي 250 ألف شخص، 80 في المئة منهم من النساء والأطفال.وليست سرابي الأفغانية الوحيدة التي اضطرت للبقاء خارج أفغانستان أو مغادرتها هربا من بطش طالبان، بل هي واحدة من المئات من الأفغانيات اللواتي غادرن بلادهن خوفا على حياتهن، ومن بينهن نحو عشرين لاعبة كرة قدم أفغانية عبرن الحدود إلى باكستان بمجرد استيلاء طالبان على الحكم خوفا من تطبيق أحكام مشددة في حقهن بما أنهن يمارسن رياضة “رجالية”.

نساء يطالبن بالحرية في بلد يحكمه التشدد
نساء يطالبن بالحرية في بلد يحكمه التشدد

وتمثّل النساء نحو نصف عدد السكان الذي يبلغ 38 مليونا و928 ألفا و341 نسمة، من بينهم حوالي 18 مليونا و952 مرأة.

وتقدّر الإحصائيات أن 83 في المئة من الفتيات الأفغانيات تم تسجيلهن في المدارس في العام 2018 في حين لا تتجاوز نسبة الفتيات في التعليم الثانوي 21 في المئة من عدد الطلبة.

وفي حين لا تتجاوز نسبة النساء المتعلمات 19 في المئة من المجتمع، إلا أن هذه النسبة المرتفعة مقارنة بوضع المرأة في عهد حكم طالبان الأول قد تبشّر بتحركات نسوية غير مسبوقة تضمن للنساء هامشا من الحرية.

ونجحت المرأة الأفغانية في العام 2009 في ضمان قانون يضمن حقوقها، حيث أقرت الحكومة آنذاك قانونا يحمي المرأة من جميع صور العنف، رغم أن عملية تطبيقه تبقى نسبية في حين من المرجح أن تلغيه طالبان التي وإن أعلنت أنها ستنشئ نظامها بناء على أفغانستان 2021 وليس أفغانستان العام 1996 إلا أنها تسير في اتجاه معاكس لذلك.

وأكدت سرابي في تصريحات صحافية أن النساء الأفغانيات خارج أفغانستان يسعين للتواصل والتنسيق مع الأفغانيات في الداخل لإيجاد طرق للضغط على طالبان بغية احترام حقوق الإنسان والمرأة. وشددت على أن المرأة الأفغانية لن تستلم بل ستقاوم للحفاظ على حقوقها وحرياتها.

وحسب سرابي، فإن وضع المرأة الأفغانية الذي لا يشبه وضعها قبل عشرين سنة، يؤكد أن النساء سيحدثن التغيير ولن يفرطن في حقوقهن مثلما حدث في الماضي.

20